خلق أفعال العباد
قال إمام المحدثين وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله العالم الرباني المتخصص في كل فنون الشريعة من عقائد وفقه وسيرٍ وتاريخ وتفسير وعلم الحديث أحد شيوخ المحنة الإمام البخاري رحمه الله : ((القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة)) [سير أعلام النبلاء – ط الرسالة 12/ 454]
قلت صهيب:
قرأ صهيب القرآن.
قرأ: فعل ماضي.
صهيب: فاعل.
القرآن: (مفعول به) وتأدبا معه نقول "اسم منصوب على التعظيم تأدبا" إذ القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفات الله فيُتأدب معه كما يكون الأدب مع الله، ولكن يجوز في الإعراب أن يقال (مفعول به) وذلك لأن الإعراب يتعامل مع اللفظ لا مع مدلوله أو ذات مدلوله.
وصهيب عبد من العباد.
وأفعال العباد مخلوقة، لأن العباد مخلوقون وأفعالهم صفاتهم وصفات العبد مخلوقة مثله، كما أن الله غير مخلوق وأفعاله من صفاته فأفعاله غير مخلوقة.
ففعل قراءة صهيب للقرآن: مخلوق، لأن الفعل صفة للفاعل وليس صفة للمفعول به، فنقول مثلا ((ليجزي الله الصادقين بصدقهم)) ففعل الجزاء هنا صدر من الله فهو غير مخلوق لأن الفاعل غير مخلوق، فالفعل صفة للفاعل لا المفعول به.
وقراءة صهيب للقرآن هي لفظه به.
فلفظي بالقرآن مخلوق (أي فعل اللفظ مخلوق)
وسواء قال الإمام البخاري بصريح العبارة "لفظي بالقرآن مخلوق" أم لم يقلها فقد قال ما يفيد معناها وقوله صحيح وقد روي أنه كذّب نسبة العبارة إليه "ولا تناقض إذ قوله بأن أفعال العباد مخلوقة يلزم منه أن فعل قراءة القرآن مخلوق ولازم القول ليس قولا، ويمكن أن يثبت عنه القول الأول دون الثاني ولكن الثاني لازم للأول لزوما صحيحا، فقد يقول: لم أقل ذلك ويكون صادقا في نفيه عن نفسه ولكن ذلك لا يعني أنه لا يتبناه اعتقادا، خاصة إن علمنا أن سُجن بسبب هذه المقولة، ويمكن للمتعرض للظلم أن يمنع الظلم عن نفسه بالتورية، والتورية قول الحق مع تضليل السامع، فلو أحس أن الناس لا تفهم أو أنها لا تصل لمستوى يمكنه أن يشرح لها المقصود فإنه بكل عبارة يرجع للأصل فيقول: لم أقل لفظي بالقرآن مخلوق، وهو بالفعل لم يقله، ولكنه قال ما يلزمه، ولكن لا يمكن لبشر أن ينكر عليه صحة ما قاله إذ الأفعال صفات الفاعلين ومادام الفاعل مخلوقا ففعله مخلوق أيضا وإن جعل الإنسان فعله غير مخلوق فمعناه جعله بعض صفاته غير مخلوقة فتكون مثل صفات الله وهذا من الشرك، وإلا فيلزم نفي الفعل عن الإنسان أصلا ولا يُنسب إليه فيكون عندها مسيّرا كالأداة وقد كان المعاصرون للجهمية ينكرون عليهم قولهم "لفظي بالقرآن مخلوق" لأن الجهمية كانوا جبرية في القدر، فما ينسبونه من أفعال للعباد هي عندهم أفعال ترجع للخالق فوصفها بأنها مخلوقة يجعل أفعال الله مخلوقة، بينما لا يلزم ذلك السني الذي يجعل الأفعال عائدة للفاعل صفةً ثم يجعلها لله مخلوقة.
وسواء قالها الإمام البخاري أم لم يقلها فالعبارة صحيحة، لأن أفعال العباد مخلوقة وتلاوتنا للقرآن ليست هي القرآن نفسه، فالتلاوة هي الفعل، والقرآن هو المفعول به، والفعل صفة للفاعل لا المفعول به.
فالقرآن نفسه غير مخلوق ولكن تلفظنا بالقرآن مخلوق لأننا ننطقه بحنجرتنا وبصوتنا وبأمواجنا الصوتية وبتحريك لساننا فكل هذه الأدوات مخلوقة والأفعال الصادرة عنها مخلوقة، أما فعل قول الله للقرآن فليس مخلوقا كما أن مضمون القرآن نفسه ليس مخلوقا، وأنا أتكلم عن القرآن لا الأوراق والحبر الذي يصنع به فذلك مخلوق بلا شك.
كتبه #صهيب_بوزيدي
