المقالة الفاصلة بإذن الله
وقد أختم بها مؤقتا الكلام عن هذا الموضوع وقد أستمر (بحسب ما يقتضيه الواجب)
أصل السؤال الذي ألف وأدور حوله منذ البداية:
لو سألك الملحد ما الدليل على وجود الله ؟
فإنك من أي مكان انطلقت فإنك ستعتمد على بديهية (فاقد الشيء لا يعطيه) وإلا لن تحرك ساكنا
1 _ إن قلت إن الحقيقة نسبية قال لك الملحد بما أنها نسبية فما المانع في أن يكون خالق الوجود غير موجود أو أن خالق الحياة ليس حيا أو أن خالق القدرة ليس قديرا أو أن معطي العلم ليس عليما ؟
إن قلت للملحد (فاقد الحياة لا يعطي الحياة ولكن فاقد المكان قد يعطي المكان) سيقول لك (على مزاجك يعني ؟ مادامت القاعدة نسبية فهل سيكون الاختيار على مزاجك ؟ إن كانت نسبية فهي غير لازمة وما تقوله في المكان أقوله في الوجود والحياة أم أن باءك تجر وبائي لا تجر ؟ فإن صارت القاعدة نسبية فلا يمكن الاعتماد عليها تماما كما لو أن قاعدة عدم اجتماع النقيضين لو كانت نسبية فلا يمكن الاعتماد عليها أبدا فإن قلت هنا يجتمع التناقض وهنا لا يجتمع سأقول لك (على مزاجك ؟) فما دليلك على التفريق إذ القاعدة نفسها لم تعد مرجحة في القضية فتحتاج إلى مرجح غيرها ولا وجود لمرجح غير هذه القاعدة فلا وجود لما يرجح ما يمكن إعطاؤه رغم فقده وما لا يمكن إعطاؤه رغم فقده.
2 _ إن قلت إنها حقيقة مطلقة فقد وافقت صهيب بوزيدي وانتهت المناظرة.
ولهذا لم يقرر محاوري بلفظ صريح هل القاعدة عنده حقيقة نسبية أم حقيقة مطلقة وإنما يقول (أخالفك في فهم القاعدة)
هل هذه فيها فهم وغير فهم ؟ إما أن تكون مطلقة تنطبق على كل شيء وإما أن تكون نسبية فلا زمام ولا ضابط لها إلا بقاعدة خارجة عنها (ولا وجود لقاعدة خارجة عنها لتضبط الحد الفاصل بين متى يمكن لفاقد الشيء أن يعطيه ومتى لا يمكن أن يعطيه إلا إن كان المرجح هو الاختيار بالمزاج فهذا ليس مرجحا منطقيا بل هو ما يعرف شرعا بالهوى.
#وفي_الختام: هل وردت آية واحدة أو حديث واحد فيه نفي المكان والزمان عن الله ؟ أعطوني آية واحدة أو حديثا واحدا ينفي عن الله المكان والزمان ؟ لا توجد
في المقابل فالنصوص الشرعية حافلة بإثبات كل ما يلي:
#النصوص_النقلية_التي_قالوا_إن_ظواهرها_تقتضي_التجسيم
1 _ ((ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي))
2 _ ((وجه ربك))
3 _ ((يضع الجبار فيها قدمه)) حديث صحيح
4 _ يتحول إلى صورته الأولى / ويأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه عليها أول مرة
5 _ أحاديث تثبت الأصابع لله
6 _ ثم يكشف الجبار عن ساقه
7 _ الرحمن على العرش استوى
8 _ قول ابن مسعود (العرش فوق الماء والله فوق العرش)
9 _ حديث (ينزل ربنا)
10 _ قول الله (وجاء ربك والملك صفا صفا)
11 _ خلق الله آدم على صورته وفي رواية على صورة الرحمن (الثانية مختلف في تصحيحها وكان علماء كثيرون من السلف يفسرون على صورته أي أن الهاء تعود على الله)
12 _ قول ابن مسعود ((خلق الله عز وجل أربعة أشياء بيده: آدم عليه السلام ، والعرش ، والقلم ، وجنات عدن ، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان))
12 _ في صحيح البخاري ومسلم ((يقول الناس لآدم يا آدم خلقك الله بيديه وأسكنك فسيح جنانه وأسجد لك ملائكته فاشفع لنا))
13 _ في صحيح مسلم ((يطوي الله السماوات ثم يأخذهن بيده اليمنى والأراضين ثم يأخذهن بيده الأخرى))
14 _ قال ابن عباس لعائشة (( برأك الله من فوق سبع سماوات))
15 _ وقالت زينب بنت جحش رضي الله عنها ((وزوجني الله من فوق سبع سماوات))
16 _ قال عمر رضي الله عنه ((ويل لديان الأرض من ديان السماء))
17 _ قالت عائشة رضي الله عنها ((ولكن علم الله من فوق سبع سماوات أني لم أحب قتله)) _أي عثمان رضي الله عنه_
18 _ عن ميسرة قال: ((لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) )). [تفسير الطبري]
19 _ ((عن حكيم بن جابر [توفي 82 هجري] قال: أخبرت أن ربك لم يمس بيده إلا ثلاثة أشياء: غرس الجنة بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده)) [نقله عنه الذهبي في العلو وابن بطة في الإبانة والآجري في الشريعة وابن أبي شيبة في مصنفه والسيوطي في تفسيره]
20 _ هناك سبعة من علماء القرن الأول أثبتوا نفس ما ورد في النقطة السابقة
#آية_للتأمل:
قال الله ((وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون))
قلت صهيب: تخيلوا أن الله الذي ينزل هذا القرآن بينات من الهدى والفرقان في الموقف الذي قال ((وما قدروا الله حق قدره)) ذكرها في موضعين الأول ضد من ينكر النبوة فقال ((وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء)) وهو رد على الكافرين بجنس النبوة من اللادينيين أو أصحاب الديانات الوضعية التي يتقصر مفهومها على الدنيا من المشركين وغيرهم وإن كانت في مقام إلزام بعض أهل الكتاب.
والموضع الثاني في مقام الكلام عن صفات الله التي تعبر عن حق قدره فلو كان الله يقول في دينه ما يوافق معتقد مخالفي ومحاوري لقال (وما قدروا الله حق قدره وهو المنزه عن اليدين والتجسيم والمكان والزمان) ونحو ذلك بغض النظر عن الصيغة فلن آتي بمثل القرآن وإنما بالمعاني التي كان ليقولها ولو بالصياغة القرآنية لو أن الله يريد أن يدلنا على معتقد المخالفين
ولكن الله قال ((وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه)) مصداقا لحديث ((يطوي الله السماوات ثم يأخذهن بيده اليمنى والأراضين ثم يأخذهن بيده الأخرى)) وكذلك حديث سمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم يهوديا يذكر لله الأصابع فضحك النبي وقال له ((وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون))
فهل الأولى أن يدلنا الله هنا حسب معتقد هؤلاء على ما نفهم منه نفي التجسيم في هذا الموضع بالذات الذي هو موضع الكلام عن عظمة الله وحقيقة صفاته وتنزيهه أم على العكس في موضع التنزيه يعلمنا أن التنزيه لا يكون بنفي التجسيم ولا ما يقتضي التجسيم ولا نفي اليدين لأن اللازم منهما الحجم والتجسيم وغير ذلك من الكلام الذي جاءوا به من عند أنفسهم.
ففي الوقت الذي لا يملكون أي دليل على النفي فإن الله جاء في موضع التعظيم بإثبات (القبضة) لنفسه وإثبات (اليمين) وشرحها رسول الله بقول واضح جلي (بيده اليمنى) (بيده الأخرى) وفي الرواية التي سمع فيها اليهودي يثبت الأصابع لله بدل أن يقول له الرسول يا مجسم ليس لله جسم صار يتبسم ويتلو نفس هذه الآية التي ذكرت القبضة.
فبعد كل هذه النصوص (اليدين، القبضة، اليمين، يده اليمنى، يده الأخرى، أصابعه، إصبعين، إصبع، وجهه، قدمه، ساقه، على العرش استوى، خلق أربعا بيديه، خلقك يا آدم بيديه، سبحان ربي الأعلى، الله أكبر، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، يتحول إلى صورته الأولى....إلى آخره)
فبعد كل هذه النصوص ولا تريد مني أن أفهم من هذه النصوص ما يفهمه كل لبيب وبدل ذلك أرمي بها جميعا لأن مخالفي أسسوا لأنفسهم عقيدة مبنية على فلاسفة يونانيين قدامى وحتى تلك الفلسفة بدلوا فيها وغيروا وعدّوا واختلفوا فيما بينهم إلى أن جاءوا بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان فصاروا ينفون عن الله ما لم ينفه عن نفسه وينفون عنه ما قالوا بأنفسه إن ظواهر النصوص تقتضيه وما حيلتهم في النقل إلا آية أنزلها الله لامتناع التكافؤ في الصفة لا لامتناع الاتصاف بالصفة ورموا بذلك عرض الحائط كل الأدلة البديهية التي بها نثبت وجود الله أصلا (فلا يتصور الذهن موجودا ليس له مكان ولا زمان) كما أن فاقد الشيء لا يعطيه كما أن كل ما وصفوا به الله يتصف به العدم (فالعدم ليس له مكان ولا زمان ولا يقبل الحركة ولا السكون ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال ولا من أمام ولا من خلف وليس جسما وليس له حجم وليس كلا ولا له أجزاء وليس مجردا ولا متعينا وليس له نور ولا ظلام)
فما لنا ولهذا ؟ أفنرتك كلام الله لننشغل عنه بهذه الأقوال التي لا دل عليها عقل ولا نقل ؟ وبعد كل ذلك هم من يشنعون على من يخالفهم وعلى من يأخذ بتلك النصوص ويترك كلامهم الذي يجيئون به من عندهم ومن مقرراتهم التي لا تبنى على أي بناء ثابت أو راسخ سوى المفاخرة بكثرة شيوخهم في زمان كانت القوة فيهم والغلبة والسلطة الحاكمة في أيديهم فيسجنون من يخالف فمن الطبيعي أن ينتشر القول بمقالتهم ولو كرها ويقصى كل من يخالف أو يجبر على اعتقادهم وإلا أقصي وخير مثال ماذا كان مصير الإمام ابن تيمية لما أعلن مخالفتهم ؟ سُجن ستة مرات حتى مات في السجن ومثله كثير ممن اعتقدوا عقيدته حتى من قبله ومنهم من أحرقت كتبهم ثم بعد كل هذا المنع بالقوة والترهيب يأتي دور (اتخاذ الإجماع) وهو ما يشبه حق الفيتو في مجلس الأمن (البقاء للأقوى سيفا لا منطقا)
ولكن يشاء الله أن تكون الأيام سجالا بين الناس والحق يعرف بمنطقه لا بكثرته ولا بسلطته
كتبه #صهيب_بوزيدي

