ابن القيم يتكلم عن فناء النار 1
بعدما نقل ابن القيم أقوال عدد من الصحابة والتابعين في القول بفناء النار وذكر ستة طرق للقائلين بعدم فنائها بدأ الرد عليهم طريقا طريقا
فقال في الرد على الطريق الأول:
((قال أصحاب الفناء: بالكلام على هذه الطرق: يَبِيْنُ الصوابُ في هذه المسألة. فأما الطريق الأول: فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم، وإنما يظن الإجماعَ في هذه المسألة من لم يعرف النزاع - وقد عُرِفَ النزاعُ فيها قديمًا وحديثًا - بل لو كلف مُدَّعِي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنَّه قال: إن النار لا تفنى أبدًا، لم يجد إلى ذلك سبيلًا.
ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فأوْجِدوا لنا عن واحد منهم خلاف ذلك، بل التابعون حكي عنهم هذا وهذا.))
[كتاب حادي الأرواح لابن القيم: 2/748]
وقال في الرد على الطريق الثاني: ((قالوا: وأما الطريق الثاني: وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها، فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟! نعم، الذي دلّ عليه القرآن أن الكفار خالدين في النار أبدًا، وأنهم غير خارجين منها، وأنهم لا يُفَتَّر عنهم عذابها، وأنهم لا يموتون فيها، وأن عذابهم فيها مقيم، وأنه غرام لازم لهم، وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وليس هذا مورد النزاع، وإنما النزاع في أمر آخر، وهو: أنَّه هل النار أبدية أو مما كُتِبَ عليها الفناء؟ وأما كون الكفار لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم من عذابها، ولا يُقْضَى عليهم فيموتوا، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط = فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة، وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والإتحادية، وبعض أهل البدع. وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية، ولا يخرجون منها مع بقائها البتة، كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها. فالفرق بين من يخرج من الحبس -وهو حبس على حاله- وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه)) [كتاب حادي الأرواح 2/749]
رابط الكتاب مفتوحا على الشاهد من الكلام مباشرة أنقله لكم في أول تعليق.
#قلت_صهيب: مناقشة القول بفناء النار تحتاج إلى كلام طويل يطرح ولكي لا يكون ذلك متعبا للقراء بجمعه في مقال واحد أحببت تفريقه على عدة مقالات أنقل فيها أقوال القائلين بعدم فناء النار لتُعرض وجهة نظرهم ويُعلم أن قولهم معتبر على الأقل إن لم نقل بصحته، وقد بادرت بنقل أقوال ابن القيم حتى يعلم القارئ أن الخلاف موجود متحقق قديما.
وينبغي التنبيه إلى أن خلود الكفار في النار ليس محل النزاع ولا خلاف فيه وإنما الخلاف حول خلود النار نفسها، فإنه يوجد فرقٌ بين الخلود في الشيء وخلود الشيء نفسه، فإن الخلود في الشيء هو البقاء فيه مادام ذاك الشيء باقيا فإن بقى فيه حتى فنى ذاك الشيء المحل فيه سمي ذلك خلودا فيه، أما خلود الشيء نفسه فيقتضي أبديته وليس في النصوص القرآنية ما يدل على خلود النار ولا على خلود أهل النار لذاتهم إنما يوجد ما يدل على خلود الكفار في النار، فهذا الخلود مضاف وليس مطلقا، فإننا لو قلنا (السمكة خالدة في البحيرة، ثم جفت تلك البحيرة وفنت فماتت السمكة أو بقيت حية بدون بحيرة فإن ذلك الخلود قد تحقق لها لأنها بقيت في البحيرة ولم تخرج منها حتى فنت البحيرة نفسها، وعدم خلودها فيها معناه خروجها من البحيرة رغم بقاء البحيرة وعدم فنائها).
كتبه #صهيب_بوزيدي
