نقض قواعد التكفير والتبديع بغير حق
من القواعد الباطلة التي فرّقت الأمة وتسببت في انتشار الإر*هاب بمختلف أنواعه حتى ظهرت لنا الحازمية وبعض الفراخ الذين تطاولوا على أئمة الهدى فكفّروا الإمام أبو حنيفة النعمان أول الأئمة الأربعة وكفروا النووي وابن حجر وابن حزم، ومنهم من كفّر ابن تيمية وابن القيم ومنهم من كفّر من المعاصرين الألباني والقرضاوي والشعراوي وغيرهم، ومن أفسد هذه القواعد:
1 - من لم يكفر الكافر فهو كافر.
2 - من لم يبدّع المبتدع فهو مبتدع.
(والمقصود هنا جعل هذه القواعد في الأعيان كأن يقال إن لم تكفر فلانا فأنت كافر، ولست أتكلم على من جعلها في أحكام العموم كأن يقال من لم يكفر البوذيين فهو كافر بعد أن تتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع ويكون الكلام عن عدم تكفير الكفار الأصليين عموما لا السعي وراء الأفراد في تكفيرهم)
والعجيب أن بعض من أراد الاعتدال حاول تصحيح القاعدتين مع وضع بعض الضوابط لها ومعلوم أن القاعدة لا تسمى قاعدة إن كانت تحتوي على الاستثناءات التي تمسّ بكلّيتها فتجعلها حقيقة نسبية لا مطلقة.
ولا تكون العبارة قاعدة إلا إن كانت كلّية مطلقة، مثل قاعدة (النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان) فليس فيها أي استثناء وإنما وضعت وحدات التناقض لضبط لفظ التناقض نفسه ومعناه لا لضبط القاعدة.
أما الكفر فهو لفظ معلوم مضبوط لا يحتاج إلى ضبط، فما الذي يريدون ضبطه في هذه القاعدة ؟
#بطلان_القاعدتين:
1 - أولا ليس هناك دليل على صحة القاعدتين لا من العقل ولا من الكتاب أو السنة وإنما ابتدعها في الأعيان بعض الأفراد الذين صاروا رموزا لبعض الطوائف
2 - ثانيا لا يوجد أي دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من العقل على أن الإنسان مكلّف بإطلاق الأحكام العينية على الناس، ومن زعم التكليف في ذلك فليخبرنا (هل سيسأل الله كل فرد يوم القيامة عن رأيه في البشر جميعا ؟ وهل نحن مكلفون بمعرفتهم حتى نعرف حالهم ؟) فإن قيل إن التكليف لا يشمل كل البشر قلنا فما هو حده إذًا ؟ من يشمل ؟ أبناء البلد كله ؟ أم العائلة ؟ أم المشاهير دون غيرهم ؟ أم الأصدقاء دون غيرهم ؟ أم كل من سمعت بهم ؟ وما دليل هذا التكليف وما دليل هذا الحد أو الضابط ؟ ويلزم منه أنك لو عرفت بائع خبز للزمك أن تتحقق من عدم كفره فإن حكمت عليه بالإسلام واتضح أنه فعل ما يكف*ره صرتَ أنت الكا*فر (منطق عجيب).
3 - وردت نصوصٌ في التحذير من الخطأ في تكفير الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما قال أحدهم لأخيه يا كافر إلا وقد باء بها أحدهما) ولم يرد أي دليل يتوعد من يخطئ في الكا*فر فيحسبه مؤمنا، بل الله قال عن المنافقين للنبي صلى الله عليه وسلم ((لا تعلمهم الله يعلمهم)) وقال ((لا تعلمهم نحن نعلمهم)) فعدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بكفرهم لم يضره بشيء وهو نبي فكيف يحاسب عليه من كان دونه ؟
4 - الأصل في القواعد الحكمية (لأن تخطئ بالعفو خير من أن تخطئ بالعقوبة) ولم ترد أي قاعدة شرعية تفضل الخطأ بالشر والعقوبة على الخطأ بحسن الظن.
5 - قال الله ((يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا)) فحثت الآية المؤمنين على اجتناب سوء الظن، ومعناه أنك لو أحسنت الظن بمن ظاهره الإسلام فحكمت عليه بذلك وكانت حقيقته الكفر فإن ذلك أنجى لك من أن تظن به السوء ثم تكون مخطئا في ظنك.
6 - قد يقال بأن عدم تكفير الكافر معناه ارتضاء كفره واعتقاد عقيدته، وجواب ذلك "أنه لا يلزم لا بالشرع ولا بالعقل" لأن الذي لا يكفر الواقع في الكفر قد يكون عاذرا له بالجهل أو الإكراه أو عدم القصد أو الجنون ...إلخ أو أنه ولو لم يعرف حاله يقول (لعل له عذرا من هذه الأعذار وأنا لا أدري فعدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه، وبما أن الاحتمال قد طرأ على كف*ره فقد بطل لزومه).
7 - قد تكون المسألة التي يعتقد بعض الناس أنها مكفرة غير مكفرة على الإطلاق بل قد تكون هي الصواب، فقد اعتقد المعتزلة قديما كفر من يقول بعدم خلق القرآن وكانوا هم المخطئين فذهبوا واستباحوا دماء العلماء وسجنوا وع*ذبوا من عذ*بوا وكذلك سُجن ابن تيمية بتهمة التجسيم واستحل بعضهم قتله وهاهي اليوم الطائفة التي تنهج هذه القواعد التكفيرية الباطلة تنتسب إليه وتشيد به، فإلى متى يحاكم المسلمون بعضهم بعضا وفقا لفهومهم الخاصة للدين، ومن يضمن أن الصواب معه حتى يجري عليه أحكاما متعل*قة بسفك الدماء ؟ وحتى ولو ضمنت أن الصواب معك فهل يعرف الشخص الآخر بأنه واقع في الكفر ومع ذلك تعمده ؟
8 - البدعة ما يكون محدثا في الدين مما لا أصل له أما من فهم من الدين شيئا أو اعتمد على رواية لم تصح فهذا لا يكون مبتدعا وإنما هو مخطئ في المسألة يظن أنه وافق الشرع حيث أخطأه، والمبتدع هو من يعلم أن الشرع لم يشرّع تلك المسألة ثم يشرعها من عنده ووجه القبح في فعله أنه يجعل نفسه شريكا لله في التشريع فقال الله ((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الصحابي الذي كان نصرانيا عن قول الله ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) فقال (إنا لا نعبدهم يا رسول الله) فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أوليسوا يحرمون الحلال فتحرمونه ويحلون الحرام فتحلونه، قال بلى، قال فتلك عبادتهم) فدلّ هذا النص أن الذي يكفر هو الذي يعلم أن الله حرم المسألة ثم يرى رأيا غير قول الله فيقول (بل هي حلال) أو يفعل العكس فيجد أن الله قد أحلها فيذهب ليحرمها من عنده، وليس المشرع مع الله هو الذي يخطئ في فهم مراد الله فيحكم بخلافه وهو يقصد الحق "وهو أهل له" وليس الذي يعبد العالم من دون الله هو الذي يعتقد أن العالم قد أصاب حكم الله ثم يخطئ العالم فيخطئ المقلد معه وإنما الذي يعلم أن حكم العالم مخالف لحكم الله لكنه يتبعه فذلك يكون قد أشركه مع الله في التشريع.
ودليل ذلك أن الرجل أجاب النبي قائلا (بلى) أي أنه كان يعلم بأن رهبانهم يحلون ما حرمه الله ويحرمون ما أحله الله، وإلا فلو كان يظن أنهم أصابوا حكم الله في المسألة لما قال (بلى) لأنه سيقول (بل يحلون ما أحله الله ويحرمون ما حرمه الله فنتبعهم على ذلك) فوجب التنبه على هذه النقطة المهمة جيدا.
كتبه #صهيب_بوزيدي

