الدليل النقلي على صفة العطاء

العقيدة والأسماء والصفات

وفيه رد بعض إلزامت محاوري في المناظرة حيث فهم من الإعطاء لزوم نقل نفس الصفة كما هي دون تحويلها ولا تصويرها بصور أخرى ودون تمييز بين أصل الصفة وما تفرع عنها وبين مراحل الإعطاء (المؤثر _ التأثير _ الأثر _ المتأثر) كما أنه سبق لي التطرق لموضوع التأثر بالتسلسل فمثلا أبناء البشر اليوم بينهم وبين الوصول لأول آدمي تحولات جينية لا تحصى كلها أثرٌ عن أثر عن أثر عن أثر إلى أول من خلقه الله بيديه مباشرة والله قد يعطي مما يملكه (ولكن ما يملكه أول مرة كيف خلقه ؟) قد يكون مخلوقا من مخلوق من مخلوق من مخلوق إلى غاية التسلسل في ملايير المخلوقات ولكن لابد في أول مرة أن يكون الإعطاء صادرا من الله عز وجل في أصل الصفة التي قد تتشكل وتُصوّر وتُحوّر والتي أساسا لا يمكن لغير المتصف بصفة الكمال أن يعطيها لغيره إذ كان الأولى به إعطاؤها لنفسه فلا يمكن لغير الحي أن يخلق حيا لا بقدرة ولا بصفة ولكن يجب أن يكون حيا ليهب الحياة لغيره وكذلك في سائر الصفات.

وكنتُ أرجئ هذا الاستدلال على أنه الهدية الأخيرة من كتاب ربي في آخر المناظرة ولكن بما أني لا أعلم هل وصلنا لآخرها أم لا فإني أذكر الدليل مصداقا نقليا يفيد بصحة اعتقادي في أن الله بالحرف قال ما قلته في القاعدة.

1 _ قال الله: ((ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلْقَه)) " اللام في "خلْقه" ساكنة، قال مجاهد "أعطاه صورته" ولا شك أنه سبق أن شرحنا أن الإعطاء لا يلزم منه إعطاء بنفس قوة المقدار وشرحتُ هذا في المداخلة الأولى ولا يلزم الإعطاء بالنقل نسخا دون تحويل في فرع الصفة وشرحت هذا من البداية وإنما الإعطاء يكون بأصل الصفة "وأصل الصفة صفة" فإن كان لله مكان فإنه يعطي مكانا ولكن ذلك لا يعني أن يصبح مكان المعطَى المخلوق بنفس قوة مقدار مكان المعطي ولذلك فسر العلماء قديما هذه الآية بأن الله أعطى كل شيء خَلْقَه أي صورته ولا شك أن الله هو المصوّر وصفة التصوير تنقل أصل ما يعطيه إلى النسخة التي يصورها الله كيف يشاء (ومحاوري كأنه من البداية يريد إلزامي بغير مذهبي وكأني أنفي عن الله صفة التصوير وأنا أردد من البداية إن الله يحول أصل الصفة لفرعها أي يصورها وقال الله ((هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)) ومع ذلك هذا التصوير لم يمتنع الله عن وصفه بالإعطاء (كما يريد المحاور منعه) بل سماه إعطاءً وسماه تصويرا وأثبت لنفسه في صحيح البخاري ومسلم (الصورة) بل التحول في الصورة (فإن كان الله يحوّل حتى صورته هو بنص حديث "ثم يتحول الله إلى صورته الأولى" وحديث "فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي رأوه عليها أول مرة" أفيعجز عن تحويل الصورة المعطاة لخلقه ؟)

2 _ قال النبي صلى الله عليه وسلم ((واللهُ المُعطِي وأنا القاسِمُ)) [رواه البخاري]

3 _ قال النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)) [البخاري ومسلم]

4 _ من أسماء الله الحسنى (المعطي والمانع) [ممن أثبت لله هذه الأسماء: القرطبي والبيهقي وابن حزم] ومن السلفيين [ابن القيم، السعدي، ابن عثيمين].

والشاهد الأقوى من الاستدلال هو قول الله ((ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلْقَهُ)) في إلزام محاوري لي بأن الإعطاء يلزم منه نقل نفس الصفة كما هي وهي قوله إن أعطى النور وكان نورنا فوتونا فيجب أن يكون نوره فوتونا (وهذا لا يلزمني) فالله وصف نفسه قائلا (أعطى كل شيء خَلقه) ومما خلقه الله الإنسان والحيوان والحشرات فهل نقول إن لازم قول الله أن يكون الله على صورة هذه المخلوقات إذ استعمل لفظ (أعطى كل شيء خلْقَه) أي صورته وخِلقته ؟ فإن قال لا يلزم من الإعطاء نقل نفس الصورة كما هي أقول فذاك قولي فلماذا تلزمني بما لم أعتقده وإن قال يلزم ذلك فقد وقع هو في التمثيل الصريح الذي أسميه أنا أيضا تمثيلا وجاوز قدر التجسيم بل ذهب عندها إلى التجسيم التمثيلي فيصبح الله على صورة مخلوقاته جميعا وهذا نقص في حق الله وعدم تفريقٍ بين أصل الصفة وما يحصل عند العطاء من تحويل الهِبة والله هو الوهاب.

في الأخير: الله يعطي المخلوقات بقدرته على العطاء نعم ولكن مربط الفرس هل يمكن لمن يفقد الصفة أن يقدر على إعطائها ؟ لا تعتمد على ما أسلّم به لأني أسلم به وفق القاعدة فإن أنكرتها لزمك إنكار القدرة على الإعطاء فمن ينفي عن الله الحياة لا يمكن أن يقول إن الله قادر على إعطاء الحياة وهو ليس حيا ومن ينفي عن الله العلم لا يمكنه القول إن الله يقدر على إعطاء العلم وليس حيا ومن ينفي عن الله القدرة نفسها لا يمكنه القول إن الله قادر على إعطاء القدرة وهو غير قدير ومن ينفي عن الله الوجود لا يمكنه القول إن الله يعطي الوجود وهو غير موجود ومن ينفي عن الله المكان والزمان لا يمكنه القول إنه قادر على إعطاء المكان والزمان وليس له مكان وزمان (إلا إن أثبتَ أن المكان والزمان هما صفتان متحولتان عن أصلِ صفة كلية تفرعا عنها ومن المعلوم أن المكان والزمان هما ركنا تعريف الوجود عند المتصف بهما فلا يثبتان إلا ركنا تعريف للوجود وإلا فلا يثبتان من الأساس "لذلك حسب مذهبي لا وجود لمن لا مكان وزمان له وحسب مذهب محاوري فلا وجود لموجود جسم لا مكان ولا زمان له" فلا أقل أن يكون المكان والزمان صفتان لازمتان لكلية الوجود الجسمية عند المحاور ولازمتان لكلية الوجود كله عندي "بما أني لست نافيا للتجسيم" ومحل النزاع هل الله متصف بهما أم لا قائم على هل الله "ليس جسما" كما يقول أم أن نفيه للتجسيم والحجم والمكان والزمان والجهة والحد ولا هو خارج العالم ولا داخله ولا هو فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال ولا من أمام ولا من خلفه ولا له يدين ولا وجه ولا صورة ولا قابل للحركة ولا السكون بل وألزمه (ولا هو أزلي ولا حادث) لأن إثبات الأزلية معناه إثبات اللانهائية في قوة مقدار الزمان فنفي الزمان مع إثبات الأزلية تناقض وهو يشبه من يقول إن الله فوق العرش وفي نفس الوقت ليس له مكان وهم من يصفهم محاوري بمن لا يفهمون مذهبهم "ومعه حق في وصفه ولكن لزمه في الزمان ما لزمهم في المكان".

كتبه #صهيب_بوزيدي

No photo description available.

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

هل يكفر منكر الجن والسحر

العقيدة والأسماء والصفات

سأنقل كلام المعترض كما قاله بأخطائه الإملائية واللغوية (عدم الإيمان بالجن والسحر أصبح كفر ؟ هو ده بقي ركن من أركان الإسلام) "تعليقه مصور أدناه". نعم،…

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…