سوء فهم قضية التواضع

#التواضع_المزيف:

يعتقد الناس أن التواضع هو أن يقول الرجل عن نفسه (ليس لي شيء من العلم؛ أنا لا شيء؛ لا أعرف إلا القليل) وبذلك يتم أركان التواضع فيفعل بعدها ما يشاء ويوالي ويعادي في نفسه ويجرح من لم يستجب لأوامره ويجعل نفسه من الذين يمتحن بهم السني والبدعي ولو ذكرت لأي شخص من أتباعه مقولته في نفسه التي توهم التواضع لقال (إنما قالها تواضعا)؛ إذا فحتى مقولته هذه مع أعماله التي تفيد التكبر لا تُعدّ سوى تواضعا متصنعا "لكي يقال فلان متواضع" وهو يعلم أن الناس تصفه بالعلامة وحامل لواء كذا وكذا وسماحة الوالد ... إلخ؛ فهو من جهة يقول لهم (يا إخواننا لا أحب ألفاظ المديح) ومن جهة أخرى يستطيع الواحد منهم أن يصل للملك ويكلمه ولا يستطيع أن يكلم هذا الشيخ المتواضع بل ثبت عن بعضهم أن أناسا حاولوا الحديث معهم فتجاهلوهم وما ردوا عليهم وقد كانوا أمامهم في المسجد وبعضهم يتصل بهم السائل ليسأل سؤالين فيصدونه ويقولون (سؤال واحد فقط) ثم يجيبونه بنعم أو لا دون تفصيل ومنهم من سافر إليه السائل ليصلي عنده الجمعة وبعد أن سأله سؤالا واحدا قال له عد في الجمعة القادمة واكتب سؤالك في ورقة الأسئلة ورغم أن السائل ترجاه كثيرا وأخبره عن ظروفه فقال (أنا فقير وأسكن بعيدا وجئتك من أجل هذا السؤال وأريد جوابا مختصرا "يجوز أو لا يجوز فقط") مع ذلك أصر هذا الشيخ "المتواضع" على صده ولم يسمع منه سؤاله؛ وتجدهم عنيفين جدا مع أتباعهم ومؤيديهم فعلى المتكلم معهم أن يختار ألفاظه بعناية ويا ويله ويا سواد ليله لو أخطأ ولو من غير قصد (قد يقوم جنوده "طلابه" بإخراجه عنوة من المجلس ولو اعتذر له ألف مرة).

إن كان له فيسبوك فهو لا يرى التعليقات ولا الرسائل ولو رآها فإنه لا يرد حتى ولو كان التفاعل مع حسابه شبه منعدم (ليست مشكلة انشغال؛ هو يرى أنه برده على المُرسل يشرفه ويرفع من مقامه).

وإن اتصل به سائلا قال له الشيخ "المتواضع" سجّل كلامي وخذه لفلان وقل له إن الشيخ يأمرك أن تفعل كذا وكذا أو تنتهي عن كذا وكذا "فإن لم يستجب فحذروا منه واهجروه".

وبعضهم حتى ولو حاول التواضع تجده يبين جيدا معنى كلامه كمن قال لهم (لستُ إماما في الجرح والتعديل إنما أنا ناقد) وأتباعه لا يعلمون أن درجة الناقد التي وصف بها نفسه أعلى من درجة "المُحدّث" وكان العلماء القدامى من أمثال الذهبي يعتبرونها من ألفاظ التزكية والثناء العظيم ويطلقونها على كبار علماء الحديث؛ ثم يقول لهم "أنا لا أحب هذه الألفاظ (إمام الجرح والتعديل) كما أني لا أحب عندما يقال ابن خزيمة إمام الأئمة أكره هذه الألفاظ" وبذلك يتضح المعنى الذي يريده جيدا (هو يرفض أن يسميه أتباعه إمام الجرح والتعديل كما يرفضها في ابن خزيمة)؛ ما شاء الله على التواضع (هو لم ينف عن نفسه إلا ما نفاه عن ابن خزيمة) أساسا بهذا الكلام يضع رأسه برأس ابن خزيمة وأتباعه يقولون (ما شاء الله على التواضع) يقولونها حقيقة وأقولها بدوري متهكما

#التواضع_الحقيقي:

أن تكون متواضعا هو أن تكون بسيطا مع الناس تبتسم دون تكلف وتضحك دون تكلف تجلس مع الناس وأنت تعتقد أنك واحد منهم ومهما تفوقت عليهم علما فقل (لعل منهم من يكون عند الله خيرا مني) وقد تظن نفسك أعلم منهم ويكون منهم من هو أعلم منك دون أن تدري ولعلك تكلمت معه في مجالك وفي غير مجاله فكان متواضعا فاستمع لك وأخذ منك ولو تكلم معك في مجاله أو المجالات التي يتقنها لأغرقك في محيطه وأدخلك في غياهب لجّة لن تجد مخرجها أبدا.

ومن جاءك يحترمك لعلمك أو مما رآه من ظاهر خير فيك فإنه لا يعلم عن سلبياتك ما قد ينفره عنك لذا فلا تغتر بتزكية الناس فإنما يحكمون عليك بظاهر ما يرون والله يعلم حقيقتك.

التواضع يكون في قلبك بينك وبين نفسك قبل أن تتصنعه للناس؛ التواضع يكون لله ومع الناس (وليس للناس بل مع الناس) والتواضع الأصلي يكون لله لأن العبد وضيع أمام ربه ومهما بل من قوة في أفراد صفاته فإن قوة صفاته تؤول إلى الصفر أمام الله لذلك كان التكبر صفة نقص في الإنسان لأنه لو تكبر لخالف واقعه وحقيقته وكان التكبر صفة كمال في حق الله لأن الله تام مطلق ولو تواضع لكان كاذبا مخالفا لحقيقته التامة المطلقة فالتكبر عند الله واجب التحقق فهو التام المطلق لو أنقص من قدره مثقال ذرة لخالف الواقع فيكون بذلك مناقضا لصدقه التام المطلق وتمام صدق الله منوط بتمام علمه فهو عليم بكل شيء وصادق في كل ما يعلمه ولا يمكن للصادق أن يصف نفسه بخلاف حقيقته.

فكذلك الإنسان أصله النقصان فلو تكبر لوصف نفسه بغير حقيقته فكان ذلك منقصة له ولذلك يكون التواضع لله؛ أما الناس فيكون التواضع معهم لأن خالقك هو خالقهم وهم جميعا معك يخوضون اختبارا الهدف منه النجاة يوم القيامة وليس في الدنيا شيء يستحق أن تغتر به وكلها فانية بائدة وأنت هنا لخوض الاختبار وليس لعاقل أن يتكبر على غيره قبل إعلان نتيجة الاختبار (تخيل أنك تخوض امتحانا في الجامعة ومعك أناس يخوضون هذا الامتحان ألست تلاحظ أن الجميع مهتم بجوابه لينجو بالنجاح وعدم الرسوب؛ فماذا لو انشغل الواحد منهم عن أجوبته وذهب ينظر يقارن لباسه بلباس الناس وطاولته وقلمه بقلم وطاولة الناس ويقارن كرسيه بكرسي الناس ويتفاخر بذلك ثم إذا أعلنت النتائج وجد نفسه من الخاسرين فما يغنيه تكبره ذاك ؟.

#التواضع_لا_يعني_الذلّة.

أيضا؛ يجب التعامل بما يجب مع من جاوز حده وأراد انتقاصك غيرة وحسدا أو لمرض في نفسه فلا يجب التواضع مع هذا النوع أبدا ولو أدّبتَ الواحد منهم وألزمته حده فليس ذلك من التكبر في شيء.

ليس التواضع أن تسمح للناس بإهانتك وليس التواضع هو الذل والدوس على كرامتك بل المؤمن عزيز بإسلامه وليس التواضع أيضا أن تنزل إلى مهاترات من يؤخرك عن دينك؛ وقد سألني صديق لي فقال (كنت لا أصلي وكان لي أصدقاء لا يصلون ثم من الله عليه بأن هداني للصلاة فحاولت معهم لدعوتهم فاستجاب بعضهم ولكن منهم من صار يسخر مني ويضحك علي بسبب صلاتي ويستفزني في ديني فصرتُ أتجنب الجلوس معهم ففهموا من ذلك أني أتكبر عليهم) فقلت له: بل خيرا ما فعلت؛ من كان رفيق سوء يريد سحبك معه إلى مستنقعه فالترفع عليه واجب؛ كذلك من كان مجلسه تافها لا يحسن إلا الحديث عن المحرمات والغيبة والكلام في المواضيع التافهة التي تضيع الوقت فلا تنزل لمستواه وليس هذا كِبرًا وإنما هو ترفع عن الحرام والشر الذي يصيبك إن أنت جلست معه؛ قال الله ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) فهذا أمر من الله والله لا يأمر بالكِبر بل الترفع عن الشر والباطل والكفر.

كتبه #صهيب_بوزيدي.

شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

فكر ومجتمع وتأملات

الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية. 1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على…

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…