أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

#الصفة_1: الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية.

1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على المخالفين قاسية لا تخلو من تكفير أو تبديع أو تفسيق.

2 _ ونجد نوعا آخر من الناس: لا يهتمون بالخلافات الدينية ولا المذهبية لذا تجدهم متساهلين في أحكامهم ولا يحررون محل الخلاف فيميلون للرحموية مع المخالف كما يميلون إليها مع مذهبه أو دينه.

3 _ أما أنا: فإني أفرق بين المسائل المجردة وأعيان الأشخاص فأميل للدقة في تحرير المذهب مجردا وعدم مجاملة المخالف وأنا أظهر نقض مذهبه بالحجج والبراهين إلا أني في الوقت نفسه أميل للنفس الإعذاري والرحموي مع أعيان المخالفين إلا من خالف من بعدما تبيّن له الهدى فذلك أمره إلى الله هو يعلم إن كان قد تبين له الهدى أن لا وأكره المخالف الخبيث الذي يظهر من طباعه وأفعاله المكر والخبث (كهؤلاء الذين يريدون الإيقاع بالدكتور هيثم طلعت ويؤذوه بالسجن لأنه مخالف لهم) أو ذاك الملحد الذي ناظره وصار يسأله عن رأيه في الفنانين فقط لأنه أراد الوقيعة بينه وبين الفنان مدير المناظرة (هذه الحيل الرخيصة والخبيثة أكرهها خاصة وأني أفهم شخصية أصحابها وأفهم طرقهم وهي طائرة كما يقال)

فالجمع بين الشدّة في الطرح المجرد والرحموية والإعذار في الأحكام العينية قلّما تجتمعان في الشخص الواحد.

#الصفة_2: النقل أو العقل في الشريعة ؟

1 _ نجد صنفا من الناس يميلون إلى النقل ميلا تاما حتى يكاد الواحد منهم يبغض سماع كلمة "عقل" ويراها زندقة وخروجا عن الجادة.

2 _ وفي المقابل نجد صنفا آخر جعلوا عقولهم ميزانا يعرضون عليه النصوص الشرعية فما وافق عقولهم أخذوا به وما خالفها ردّوه وكأنهم عكسوا قاعدة (نعرض آراءنا على الكتاب والسنة فما وافق أخذناه وما خالف تركناه) فجعلوها (نعرض الكتاب والسنة على آرائنا فما وافق آراءنا أخذنا وما خالف تركناه).

3 _ أما أنا فأرى العقل آلة الإدراك التي بها نستدل على صحة الإسلام من الأساس وبالعقل نفهم الإسلام فنجعل عقلنا باحثا عن الحق مدافعا عنه ونوقن أن الحق في الإسلام ومنه فالعقل عندنا خادمٌ مطيع وعبدٌ مخلص لربّه يعمل على إرضاء خالقه وفهم دينه والعمل به والدفاع عنه ضد من لا يؤمن به وتبليغه للعالمين فندافع بالعقل عن الدين ليستقر في النفوس الاطمئنان إليه ولنزيل الشبهات عن المؤمنين ونير درب التائهين من المتشككين وغير المسلمين ونثبت به قلوب المهتدين وفي الوقت نفسه نفهم منه مراد ربنا.

#الصفة_الثالثة: التكبر والتواضع.

1 _ نجد فئة من الناس تصنّف الآخرين وفق طبقات معينة وتعطي لنفسها الحق في اعتلاء أعلى طبقة ممكنة ثم يمارسون دور الساكن في برجٍ عاجي يخاطبون الناس من الأعلى إلى الأسفل ويظنون أن كلامهم مع الشخص شرفٌ له ومجالستهم له منّةٌ منهم عليه بل ويعتقدون أحيانا أن غيابهم قد يسبب اختفاء الأوكسجين أو انفلات الأرض من مسارها الفلكي أو بالأحرى يرون أنفسهم مركز الكون "ليس بالإقرار الصريح وإنما بلسان حالهم" فهؤلاء أعجبتهم أنفسهم فتصرفوا بناء على ذلك وهذا عين الكبر الذي ما يلبث صاحبه إلا أن يسعى في السعي وراء إهانة وإذلال الناس الذين يظن أنهم أقلّ منه شأنا ثم ما يلبث الواحد منهم أن يعطي المجال الوحيد الذي تفوّق فيه الأهمية القصوى بل يجعله أهم مجال في الوجود فيحاكم كل الناس إليه فإن كان مجالا علميا فكل من لم يتقنه فهو العامي وإن كان عالما في مجال آخر وإن كان لغة يتقنها فكل من يخطئ في تلك اللغة فهو المتخلف المتلعثم الذي لا يحسن الكلام وإن كان بارعا في غيرها وإن كان غنيا جعل المال أهم شيء في الحياة ولا قيمة للعلم ولا الأخلاق ولا حتى سائر المواهب وإنما معك دينار فقيمتك دينار ومعك مليار فقيمتك مليار وإن كان بارعا في القتال حوّل الناس إلى مقاتلين أقوياء وضعفاء وهكذا كلٌّ يحاكم الناس لمجاله وأقدرُ الناس على الإنصاف بين أصحاب هذه المجالات هو من يجمع بين التفوق والنجاح في جميعها فيجمع بين الغنى والتدين والتفوق العلمي والقتالي وتجتمع له مواهب مختلفة ثم حتى في العلوم لا يقتصر على مجال واحد فعندها لا يحاكم الناس لمجال بعينه لأنه في حد ذاته متمرس في عدد كبير من المجالات فلا يحتاج إلى الانحياز كما أنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى التصنيف والتكبر لأنه يعلم أنه فوق كل ذي علم عليم وفوق كل ذي قوة قوي وفوق كل ذي مال من هو أغنى منه وأن الله وحده على قمّة الموجودات يعلوها جميعا وكل من سواه مخلوقات لله لا يتنفسون ولا يتحركون ولا يحيون ولا يموتون إلا بإذنه.

2 _ ونجد فئة أخرى تفهم من التواضع إنكار الذات وذمها أو إظهار التواضع المتصنع "المكذوب" كأن يقول "أنا لا أعلم شيئا" وهو يعلم أن الناس يصفونه بالعالم فهذا قد يكون رياءً في التواضع أو أنه يحسب التواضع مذلة فيسمح للسفهاء بإذلاله والانتقاص من مكانته وهو مظهر الرضا عن هذا باسم التواضع وهذا من سوء فهم هذه الكلمة، فبين التواضع والمذلة خيط رفيع كما بين العزة والتكبر خيط رفيع فالتواضع ليس بانتقاص الذات ولا السماح بانتقاصها وإنما في المعاملة الحسنة بين الناس، وكذا التواضع لا يعني أن تجبر نفسك على مخالطة كل من هب ودب فإن في الناس الحسود والحقود والخائن والغادر ومفشي الأسرار وجليس السوء والسلبي والجاحد والمعاند والكذاب والمخلف بعوده ورفيق السوء والتافه الذي لا يفيد ولا يريد أن يستفيد "إلا بالنهج الاستغلالي المادي المصلحجي الذي يريد فيه أن يأخذ ولا يعطي، وكأنه يحسبها شطارة وذكاءً ويحسب الناس حمقى ومغفلين لا ينتبهون إلى استغلاليته" فهؤلاء لا يضر المرء لو ظنوا به الكبر إذ وجب التفريق بين التكبر على عباد الله الذين فيهم بذرة الصلاح وإن لم يتفوقوا في مجالات معينة وبين الترفع على الأنذال الذين لا خير فيهم ولا هم يريدون الخير.

3 _ أما أنا فكالمرآة أعكس سلوك الشخص معي وأنتهج سياسة المعاملة بالمثل: من يقدّرني أقدّره ومن يريد استنقاصي يرى مني الوجه الآخر الذي يصفونه بالكبر والغرور.

إن شكرتُ في نفسي شيئا فإني أريد ألا أكون جاحدا مع ربي في نعمته عليّ أفرأيت لو كان لأحدكم ولدا أو زوجة أو أخا أو صديقا وكان الواحد منكم ينفق عليه ويجزل عليه بالكرم والعطاء بلا حساب ثم وجد ذاك الشخص يشتكي باستمرار ويقول (ما نلتُ شيئا، ليس معي شيء، ما ذقت سعادة ولا نعيما...) ألن تعتبروا ذلك جحودا لفضلكم عليه وإن لم يتكلم عنكم ؟ فكذلك أفهم قول الله ((وأما بنعمة ربك فحدّث)) فلا تعني بالضرورة أن تكشف أسرارك فيما يؤذيك أو يجلب لك أذى الحساد والماكرين "وليس ذلك مقتصرا على العين فقط وإنما يشمل السعي في أذيتك حتى بالطرق المادية والطبيعية" ولكن في الوقت نفسه لا أحب أن أشتكي أو أقتصر على ذكر الجانب السلبي أو الابتلاءات وإنما أستحي أن أسمي شيئا من الشر إن مسني ابتلاءً فإني لو قارنته بكرم الله ونعمه التي لا تحصى استحييت أن أسميه ابتلاءً بالشر، فأحب الإقرار بابتلاء الخير وأكره التذمر من ابتلاء الشر فإن سُمّي هذا غرورا فعندها يجب إعادة تحرير معنى هذه المصطلحات لنعرف الإيجابي من السلبي وكذلك هناك نوع من عشاق الافتخار والمظاهر باسم "حمد الله" يتعالون على خلق الناس أو يتعمدون استهداف طبقات قُدِر عليها رزقها أو كانت أوضاعها أسوأ فيستعرضون عليهم قوتهم لغرض إبهارهم (فهذا ليس مثل ذاك) مع حب الإنسان للتفاخر ولكن إن تفاخرتَ في مجال معين فكن مستعدا لأن تكون فيه يد العون لمن هم أضعف منك فيه ولو بالقدر الذي تقدر عليه وإلا فالصمت أولى، إن أردت أن تكون صاحب علم فانشر علمك ولا تبخل به وإن أردت أن تظهر على أنك صاحب مال فكن عونا للفقير (وهنا مغالطة أخرى من الفقراء حيث يحسبون الغني أحيانا لا يعرف في الدنيا سواهم فإن لم يساعد أحدهم على وجه الخصوص فإنه لا يتصدق ولا يساعد الفقراء، لذلك جعل الله في الصدقات صنفين أما الزكاة فكلف بها ولي الأمر الشرعي يأخذها من الأغنياء ليصرفها في مصارفها الشرعية ولم يأمره بأخذ الضريبة منه في المقابل فمن أخذت عنه الضريبة عنوة من الحاكم وفاقت نصاب زكاته "وهي تفوقه بلا شك" فيجوز له اعتبار الزكاة جزءا من تلك الضريبة المأخوذة عنه حسب ما أفتي به ومعذرة على الاستطراد فأعود قائلا: وأما الصدقات فبين العبد وربه وهي من المستحبات والله أعلم بمن تصدق خاصة وأن هذه العبادة يحبذ أن تمارس في السر (تعطي يمينه ما لا تعلم به شماله) ويتحسب أن يعطى بعضها جهرا أحيانا (ولو الجهر المضيق بدائرة من الثقات) لأجل إحياء سنة الصدقة والتشجيع والتحفيز عليها خاصة في عصر الأنانية المادية لمن قدر على تجريد قلبه من الرياء تجريدا تاما وذلك بأن يتجاهله تماما كأنه غير موجود فلا ينويه ولا يصاب بوسواسه.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…