سلسلة الطريق إلى الجنة سهل

#الحلقة_الأولى:

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ((نزَع رجُلٌ لم يعمَلْ خيراً قطُّ، غُصْنَ شوكٍ عن الطَّريقِ، إمَّا كان في شجرةٍ، فقطَعه فألقاه، وإمَّا كان موضوعاً؛ فأماطه فشكَر اللهُ له بها، فأدخَله الجنَّةَ)) (صحيح ابن حبان)

#قلت_صهيب: من نظر إلى هذا الحديث عَلِم أن رحمة الله أوسع مما يتصوره بشر، فتخيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ)) (صحيح مسلم).

فغفر الله عز وجل لرجل لم يعمل عمل خير قط إلا أنه أماط الأذى عن الطريق رغم أن إماطة الأذى أدنى شُعب الإيمان فكيف بمن فعل ما هو أعلى من ذلك مرتبة في شعب الإيمان ؟ ولا شك أن ذلك صح للرجل بعد أن كان مسلما يقول لا إله إلا الله وهي أعلى شُعب الإيمان.

ولكي لا يجعل المسلم بينه وبين شكر الله له أفعال الخير البسيطة فعليه أن يجتنب ظلم المخلوقات فإنه عظيم عند الله ويحاول اجتناب كبائر الإثم لأن الحديث ذكر رجلا لم يعمل خيرا قط لكنه لم يذكر أنه ما ترك شرا إلا فعله، فهذا الرجل كما أنه لم يفعل خيرا فلعله لم يرتكب شرا كبيرا أو واضحا أو لعل حسناته عدلت سيئاته فلم يبق في رصيده لا حسنة ولا سيئة فدخل الجنة بهذه الحسنة البسيطة وهذا أشد ما يمكن أن يُشرح به الحديث وإلا فإن الظاهر منه أن الله غفر له لأنه شكر له الموقف في حد ذاته ويعضد هذا الفهم قول النبي صلى الله عليه: ((بينما كَلْبٌ يطيف بركية ، كاد يقتله العطش ، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ، فنزعت موقها ، فسقته فغفر لها به)) (رواه البخاري ومسلم).

وفي رواية أخرى للبخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم ((غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ)).

فهذه المرأة كانت بغيًّا ومومسة كما في لفظٍ آخر أي أنها كانت مدمنة على الزنا تمارسه وهو كبيرة وتأكل من ثمنه وماله حرام كما أنها مجاهرة به لأن معنى البغيّ كما في معجم المعاني الجامع هي ((الفَاجِرَة تتكسّب بفجورها)) ومعنى المومس في نفس المعجم ((الْمَرْأَةٌ الَّتِي تَتَعَاطَى الفُجُورَ جِهَاراً)).

فرغم هذه المعاصي الكبيرة إلا أن الله شكر الله سقيها للكلب إذ حملته إليه في حذائها الذي لم تجد غيره، فكان السبب في مغفرة الله لذنوبها موقف الرحمة الذي بدر منها تجاه الكلب والله أرحم منها بعباده وأكرم ويُفهم من الحديث بطريقة الاستدلال بالنقيض أن الله كما يجازي العبد لرحمته بالمخلوقات فإنه قد يدخل الإنسان في عذاب شديد إن هو ظلم الآخرين ولم يرحمهم، فإن كان البر بالحيوان يستحق عليه صاحبه غفران الذنوب فكيف هو البر بالإنسان خاصة إن كان مسلما وكان صالحا أو كان ممن يرجى لهم الدخول في الإسلام كالمؤلفة قلوبهم والرحمة قد تكون بأي شيء بسيط يقدر عليه العبد والله هو الشكور لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (رواه الترمذي وصححه الحاكم بشواهده).

وبالفعل فإن الله الذي في السماء رحم هذه المرأة لما رحمت هي هذا الكَلب الذي في الأرض.

ومصداقا لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إنَّ رجلاً لَم يعملْ خَيرًا قطُّ، وكان يُدايِنُ النَّاسَ، فيقولُ لرَسولِه: خُذْ ما تَيَسَّر، واترُكْ ما عَسُرَ، وتجاوَزْ، لعلَّ اللهَ أن يتجاوَزَ عنَّا، فلمَّا هلَكَ قال اللهُ: هل عمِلتَ خيراً قطُّ؟ قال: لا، إلَّا أنَّه كانَ لي غلامٌ، وكنتُ أُدايِنُ النَّاسَ، فإذا بَعَثْتُه يَتقَاضَى قلتُ لهُ: خُذْ ما تَيَسَّرَ، واترُكْ ما عَسُرَ، وتجاوَزْ، لعلَّ اللهَ أن يتجاوَزَ عنَّا، قال اللهُ: قد تجاوَزتُ عنكَ)) (الجامع الصغير للسيوطي، وصححه الألباني في صحيح الجامع)

فكذلك يا ويل الظالمين الذين قت*لوا الأبرياء بغير حق وسجنوا المظلومين أو عذ*بوهم أو أخذوا أموال الناس بالباطل أو غيرها من الأفعال الظالمة إن لم يستسمحوا من ضحاياهم ويأخذوا منهم العفو ويعوضوهم عما يمكنهم تعويضهم "إن رضي الضحايا بتلك التعويضات أن يسامحوهم بها عند الله" فإن الشرك رغم كونه أعظم ذنبا من ظلم الناس بالنسبة؛ لمن قامت عليه الحجة وبلغه الإسلام الصحيح بأدلته وبراهينه لا المشوه بأفكار خارجة عنه؛ لأن المشرك كالذي يريد ظلم رب الناس والله قوي لا يقدر أحد على ظلمه إنما يظلم المشرك نفسه ويضر بها، فإن الشرك مع ذلك أسهل في التوبة من ظلم الناس لأن الله أشد عفوا من العباد فيعفو في حقه ولكن الناس لا يسامحون في الغالب في حقوقهم ومن عدل الله أنه لا يتخطى المظلومين حتى يقتصوا من ظالميهم، فعلى كل من يريد دخول الجنة أن يتجنب طريق الظلم وكل ما سوى ذلك يسهل حله برحمة الله، وعلى المسلم أن يكثر من الطاعات والمواقف التي يحس المرء فيها أنها تجعل الله يرحمه ومن أراد النظر في رحمة الله فيكفيه أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد أن العين التي تبكي من خشية الله والتي تحرس في سبيل الله لا تمسسهما النار ولا يمكن لمن يبكي من خشية الله أو يحرس في سبيل الله أن يكون ممن يظلم خلق الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله)) (رواه الترمذي وقال حديث حسن، وصححه الألباني).

ويكفي وعد الله الذي قال فيه ((إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا)) وحاشَ أن يخلف الله وعده، بل هو الذي قال ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) وقال ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)).

والفرق بين الآيات الثلاث ما يلي:

1 - الأولى في مغفرة الله لما دون الكبائر حتى ولو من غير إقلاع عنها إن اتبعت السيئات بالحسنات والاستغفار، فجعل الله مغفرتها سهلة وكلما كثرت حسنات المرء ومواقفه كلما سهل محو سيئاته لقوله تعالى ((وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ))

2 - الثانية: أن الله قد يغفر حتى الكبائر التي مات عليها الإنسان إن كانت دون الشرك والكفر ولكن مغفرتها ليست بنفس سهولة مغفرة الصغائر كما أن الكبائر يختلف حالها فليست الكبيرة التي صُحبت بظلم للناس كالكبيرة التي بين العبد وربه فالأولى سبق التفصيل فيها ووردت فيها نصوص الوعيد الشديد أما الثانية فغفرانها أسهل والمؤمن الفطن الحريص لا يجازف بنفسه فيما يحتمل مغفرته من عدم مغفرته بل يجتهد في الطاعات ويعمل على النجاح في الدرجات العليا في الجنة كما يعمل المجتهد في المدارس والجامعات على تحصيل أعلى العلامات لا الاكتفاء بمجرد السعي إلى النجاح بأصغر المعدلات.

3 - الثالثة: أن الله قد يغفر للناس حتى الشرك لكن بشرط التوبة منه والإقلاع عنه والدخول في دين الإسلام (لمن بلغه الإسلام صحيحا غير مشوه أما من لم يبلغه ذلك فيعاد امتحانه يوم القيامة كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم) أما بغير توبة فإن الشرك لا يُغفر.

كتبه #صهيب_بوزيدي.

سلسلة الطريق إلى الجنة سهل
شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

فكر ومجتمع وتأملات

الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية. 1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على…

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…