سقف التعصب
عندما ننظر في الأقوال النظرية لكل المسلمين عدا الشيعة نجدهم يقرون بلا استثناء عدم عصمة أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأن كل الناس يؤخذ من قولهم ويُرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كثيرا منهم عند التطبيق يتعاملون مع أقوال البشر على أنها حجج لذاتها يستدلون بها على صحة القول وينكرون على من خالفهم ويختلف السقف الذي يبلغ بهم في هذا التعصب بحسب الأفراد والجماعات التي يتعصبون لها ولكل منهم سقف لا يمكنه تجاوزه.
1 - فالمداخلة مثلا لا يستطيعون تجاوز سقف ربيع المدخلي، أي أن الاستدلال عندهم بكلام ربيع المدخلي هو أقوى أنواع الاستدلال فيكفي أن يتكلم ليكون كلامه دليلا على صحة ما صححه أو خطأ ما خطّأه.
2 - هناك من يتجاوز هذا السقف فيرفض تقليد ربيع المدخلي أو الاحتجاج بأقواله ولعله يتبرأ من المداخلة بالكلية لكنه إذا وصل إلى الفوزان أو اللحيدان بلغ سقفه فلا يستطيع تجاوزه، فتجده يلتزم بأقواله واقعيا حتى ولو قال بعدم عصمته نظريا.
3 - وهناك من عنده القابلية لتجاوز سقف الفوزان لكنه لا يستطيع تجاوز سقف الألباني أو ابن باز أو ابن عثيمين فيكون التعصب عنده هو ما يتعلق بالتمسك بأقوال ربيع المدخلي والفوزان واللحيدان فحسب أما الاحتجاج بالألباني نفسه فلا يراه تعصبا، ولعله يعاني لو سُئل عن تزكية الألباني لربيع المدخلي فيحاول أن يحملها على ألف محمل لا ليبرئ الألباني من المدخلية وإنما لأنه يظن أن تزكية الألباني لربيع لو ثبتت على إطلاقها فإنها تكون دالة على صحة منهج المدخلي، لذلك فهو لا يستطيع أن يقول: حتى ولو أثنى الألباني على ربيع فكلامه مردود مادام ربيع المدخلي على الضلال الذي نراه، فهنا نجده لا شعوريا يعتقد العصمة في الألباني حتى ولو نفاها باللفظ، ولا أقصد إلزامه بلوازمها التي يترتب عليها التكفير أو التضليل وإنما كلامي يراد منه التنبيه على هذه العقلية الخاطئة حتى يتجنبها من يقع فيها بغير شعور منه.
4 - وهناك من يتجاوز سقف ابن باز لكنه لا يتجاوز سقف محمد بن إبراهيم آل الشيخ وهناك من يتجاوز سقف هذا الأخير لكنه لا يستطيع تجاوز سقف مؤلفي كتاب الدرر السنية وهناك من يتجاوز سقفهم لكنه لا يتجاوز سقف محمد بن عبد الوهاب.
5 - هناك من يتجاوز سقف محمد بن عبد الوهاب لكنه لا يستطيع تجاوز سقف الإمام الشوكاني مثلا وهناك من يتجاوز كل هؤلاء فإذا وصل لشيخ الإسلام ابن تيمية تعامل مع كلامه كما يتعامل مع النصوص الشرعية بغير شعور منه، فيصبح الدليل على صحة المسألة المعينة هو كلام ابن تيمية نفسه، ولن تتعجب لو رأيت صراعا كبيرا بين أطراف سلفية من أجل معرفة رأي ابن تيمية في بعض الأبواب الابستمولوجية والأنطولوجية لأنه صار الدليل في حد ذاته، وقد يجبرون غير المتعصب له أحيانا على الاستدلال بكلامه عليهم من باب إلزامهم بما يلتزمونه ولكن هل الصواب أن يكون ابن تيمية نفسه هو المرجعية التي يختصم عندها المختصمون ؟ لو كان الأمر كذلك لقال الله لنا ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ابن تيمية)) ولكنه قال ((فردوه إلى الله والرسول)).
6 - وهناك من يجاوز سقف شيخ الإسلام ابن تيمية لكنه لا يجاوز سقف الأئمة الأربعة أو علماء التابعين أو علماء الصحابة رغم أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول ((يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر قال عمر؟)) فمن قال إن قول ابن عباس رضي الله عنه هنا صحيح فإنه يقر بعدم جواز الاحتجاج بأقوال أفراد الصحابة أنفسهم إذ يكون رافضا للاحتجاج بأقوال أبي بكر وعمر وهما من الصحابة ومن قال إن قول ابن عباس خاطئ فإنه بذلك يقر بعدم جواز الاحتجاج بقول الصحابة إذ أن ابن عباس من الصحابة ومع ذلك يكون المعترض رادا لكلامه مخطّئا له وفي كلتا الحالتين نعلم أن الاحتجاج بأقوال أفراد الصحابة لا يجوز لأنهم غير معصومين فكيف بالاحتجاج بأقوال من هو دونهم ؟
#ملاحظة: إن المقصود من المقال كله ذم التعصب للأفراد مهما كانت منزلتهم وليس المقصود ترك الاستفادة والتعلم منهم وإلا فالعلماء هم نقلة الدين وهم شراحه ولكن التعصب لواحد منهم معناه رد كلام كل من سواه، فلا يلتزم رجل بقول عالمٍ إلا وقد ردّ أقوال علماء آخرين مخالفين له، فإن كان يعتبر عدم قبول المرء الاحتجاجَ عليه بقول ذاك العالم طعنا فيه فإن لازمه الطعن في من سواه من العلماء إذ أن الأخذ بأقوال ذلك العالم والاحتجاج بها معناه تخطئة مخالفيه من العلماء في ذاك القول وغيره وإن كانت مجرد التخطئة عنده دليلا على الطعن فإنه يكون طاعنا فيهم بحسب منهجه.
#ملاحظة_2: قد يقول قارئ المقال في نفسه: إن كل الكلام المذكور في المقال بديهي لا يحتاج لكل هذا الرد والتفصيل، فأقول: صحيحٌ ذلك، ولكن واقع أكثر الناس خلافه، فكثيرا ما تجد الرجل يأتيك معلقا فيقول "كلامك غير صحيح وينسخ لك مباشرة كلام عالم من العلماء ويظن أنه أفحمك" وكثيرا ما يتصارع "المثقفون" فيما بينهم ليثبت كل منهم أن كلامه هو المواقف لكلام الشيخ فلان ومنه فكلامه هو الصح، ثم يكون المخالفون له مسلّمين بأنه لو وافق الشيخ المقصود لكان كلامه صوابا وإنما يخالفونه في ادعائه موافقته فتكون النتيجة المرجوة الأخيرة عندهم "هل الشيخ فلان يقول بهذا القول فعلا أم بذاك؟" ولا يناقشون القول لذاته، بل نجد كثيرا من الحاصلين على شهادات الدكتوراه والماجيستير لا يعترفون بصحة المسألة مهما برهنت عليه بكل الأدلة العقلية والنقلية حتى إذا قلتَ لهم "قالها العالم الفلاني" وجدتهم يسلّمون بصحتها فورا.
#ملاحظة_3: هذا التعصب غير مقتصر على السلفيين وإنما يقع فيه الأشاعرة أيضا فهناك من لا يجاوز سقفه كلام الجفري أو سعيد فودة أو البوطي وهناك من لا يجاوز سقفه الفخر الرازي أو الغزالي أو الجويني وهناك من لا يجاوز سقفه أبا الحسن الأشعري وهناك من لا يجاوز سقفه أحد أقوال الأئمة الأربعة فالتابعون فالصحابة "أفرادا لا جماعة".
كتبه #صهيب_بوزيدي

