تفسير قول الله وفي أنفسكم أفلا تبصرون

القرآن والتفسير

#الرد_على_بعض_الشبهات_الشيطانية_الإلح_ادية

بينما أنا جالسٌ الآن غصتُ في تفكيرٍ عميق حول أسرارٍ كثيرةٍ أجدها في نفسي لا أستطيع البوح بها للناس وكثيرٌ منها قد يبدو جنونيا بالنسبة للأطراف المستمعة إلا أنَّ كل مستمعٍ لها حتى ولو أنكرها سيجد في نفسه أسرارا غيرها بحيث أنه لو قالها لغيره لخشي أن يكذّبوه، وأحيانا قد يكون السرّ في الإنسان عظيما إلا أنه يُخدمه بعدم الالتفات أو الانتباه عليه أو ملاحظته، وقد يتأوله على ما تعوّده من مظاهر طبيعية إلا أنه لا يسعى إلى تفسيره بحلقاتٍ متسلسلة من المقدمات والنتائج.

بل إن كثيرًا من هذه الأسرار وُضعت لها أمثالٌ وحكمٌ تدل على تواترها في الناس غير أنهم لا يمعنون النظر فيها، ومثال ذلك المثل المعروف (اذكر الكلب وجهّز العصا / اذكر القط يأتيك وهو ينطّ، اذكر السّبع يهدف "يأتي"، عمرك طويل "تقال للإنسان الذي بمجرد أن تكلم عنه الحاضرون ظهر لهم لحظيا ولو بعد طول غياب، وأحيانا يكون ذلك لمجرد التفكير فيه، قد تتذكر إنسانا لم تره منذ سنة كاملة بل ربما منذ سنوات فبمجرد التفكير فيه يظهر).

وهذه الظواهر بلا شك كثيرة لدرجة عدم إمكان تفسيرها جميعا بالصدفة لأن الأصل في الصدفة هو ترجّح احتمالٍ واحد من أصل ما لا نهاية من الاحتمالات ونسبة وقوهها 1 على ما لا نهاية والنتيجة تؤول إلى الصفر (0+).

ومن بين الأسرار التي يجدها الإنسان في نفسه تلك المشاهد التي يمرّ بها في الواقع فيحسّ وكأنه قد رآها قبل ذلك ولا يذكر كيف وأين وقع ذلك، وقد يكون المشهد مع شخصية جديدة لم يكن يعرفها من قبل ومع ذلك يحس أنه رأى هذا المشهد بتفاصيله الصغيرة، وقد يكون طول هذا المشهد بضع ثوانٍ أو دقيقة واحدة، فبالنسبة لي أُدرِك جيدا أني أرى تلك المشاهد في أحلامٍ سابقة أو في أوقات ما بين اليقظة والمنام والحلم نفسه عبارة عن دخولٍ في عالمِ الأرواح مهما حاول الناس تفسيره بيولوجيا (فستبقى تفسيراتهم مليئة بالثغرات) كذلك من يحاول تفسيره سيكولوجيا (نفسيا) فإن كثيرا من التساؤلات لن يستطيع تجاوزها، إذ ما هي النفس أصلا ؟ هل يراد بها الجانب الروحي والبيولوجي أم الجانب البيولوجي وحده ؟ فإن أريد بها المادة العنصرية البيوكيميائية فالواجب إلغاء علم النفس وجعله فرعا تابعا للبيوكيمياء أو البيولوجيا بحيث يتم شرح كل خطواته بيولوجيا، ما هو العامِل النفسي ؟ ما هو اللاشعور ؟ نريد تفسيراتٍ بيولوجية دقيقة مصحوبة بالبراهين الخاضعة للنظام الابستمولوجي التجرباني، إضافة إلى الإجابة عن سؤالٍ جدّ مهم "لماذا نجد من ينكر مبدأ السببية والعلية أكثر الناس بحثا عن تفسير الظواهر الخارقة تجربانيا ؟ لماذا نجد فيهم ضرورة البحث عن أسبابٍ لتلك الظواهر بينما مبدأ السببية عندهم حقيقة نسبية أي أن تلك الظواهر يُفترض أن تكون من المتعينات التي ليس لها سببٌ حسب تأصيلاتهم المعرفية.

لماذا صار العقل البشريّ مرجعا لكلِّ المعارف "وهذا حقّ" فالعقل هو الذي يحكم على المنقول بالصدق أو الكذب أو الإمكان على الأقل وهو الذي يفسّر المحسوسات وهو الذي يجرّد منها القواعد الكلّية أو يطبّق عليها قواعده الكلّية ؟ من الذي أعطاه هذه القدرة الدقيقة المحكمة ؟ لماذا يوجد النظام المناعي في جسم الإنسان ؟ لماذا تعمل خلايا الماكروفاج والخلايا اللمفاوية LTc و LTm و LB4 وLB8 بكلّ دقة كأنهم جنودٌ داخل دولةٍ بل داخل إمبراطورية عظيمة هي جسد الإنسان، فيه وزارة الدفاع "المناعة" وفيه وزارة الاقتصاد "تخزين الدهون أو الاستخراج منها أو منع استخراجها عند إحساس الجسد بالخطر على نفاذ المخزون ...إلخ، كما فيه وزارة البيئة والنظافة وتصفية الدم، وفيه وزارة النقل "الدم الذي ينقل الأكسجين" وفيه وزارة الطاقة وملايير أو ترليونات الخلايا والأعضاء التي يعمل كلٌّ منها في مجاله يحكمهم قانونٌ دقيق " من الذي وضعه ؟" لماذا لم تقع الصدفة في الإنسان على أن يكون غير قادرٍ على التنفس أو الأكل والشرب أو إخراج الفضلات أو التكاثر ؟ لماذا وُجدَ في نظامه الجسدي ما يحفّز على كل ذلك كالشعور بالاختناق أو الجوع أو العطش أو الرغبة في الذهاب إلى دورة المياه أو الرغبة الجنسية ؟ لماذا لم يكن مسدودا من الأسفل بحيث ينفجر لو أكل دون أن يجد ما بقي من طعامه مخرجا ؟ لماذا يرسل جسد الإنسان الكثير من الكالسيوم إلى العظم المكسور كي يُجبر كسره؟ ولماذا يشفى الجرح فيلتئم ؟ ولماذا يملك الجسد نظاما عصبيا ينذره بالخطر فيشعر بالألم عند المرض ليبادر بإنقاذ نفسه بالعلاج ويستعمل تلك الأعصاب في الحواس الخمسة المعروفة التي يعيش بها حياته.

فبينما غصتُ في هذا التفكير استحضرتُ قول الله عز وجل ((وفي أنفسكم أفلا تبصرون)) وقوله ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)).

#ما_جاء_في_تفسير_العلماء_للآية: وقد انتقيت التفسيرات المختلفة وتجنبت التكرار فاخترت منها ما يلي:

1 - قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وفي سبيل الخلاء والبول في أنفسكم عِبرة لكم، ودليل لكم على ربكم، أفلا تبصرون إلى ذلك منكم" ......وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفي تسوية الله تبارك وتعالى مفاصل أبدانكم وجوارحكم دلالة لكم على أن خلقتم لعبادته.........والصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: وفي أنفسكم أيضا أيها الناس آيات وعِبر تدلُّكم على وحدانية صانعكم، وأنه لا إله لكم سواه، إذ كان لا شيء يقدر على أن يخلق مثل خلقه إياكم (أَفَلا تُبْصِرُونَ) يقول: أفلا تنظرون في ذلك فتتفكروا فيه، فتعلموا حقيقة وحدانية خالقكم" (تفسير جامع البيان للطبري ج: 22 / ص: 420)

2 - وقال الثعلبي في تفسير الآية "وقال الحسن وأبو بكر الوراق: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)} يعني: في تحويل الحال من الضعف إِلَى القوة، ومن القوة إِلَى الضعف، وقهر المنية، وعجز الأركان، وفسخ الصريمة، ونقض العزيمة" (تفسير الكشف والبيان للثعلبي ج: 24 / ص: 531 - 532).

3 - وقال النسفي "(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)

{وَفِى أَنفُسِكُمْ} في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما نتحير فيه الأذهان وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها دع الاسماع والابصار والاطراف وسائر الجوارح وتانيها لما خلقت له وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف النثني فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز وإذا استرخى أناخ الذل فتبارك الله أحسن الخالقين" (تفسير مدارك التنزيل للنسفي ج: 3 / ص: 374)

4 - قال الشيخ الشعراوي "وهو القائل سبحانه: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ... } وانظر إلى نفسك تجد العلماء وهم يكتشفون في كل يوم شيئاً جديداً وسِرّاً عجيباً، سواء في التشريح أو علم وظائف الأعضاء. وسوف تعجب من أمر نفسك، وأنت ترى تلك الاكتشافات التي كانت العقول السابقة تعجز عن إدراكها، وقد يُدرَك بعضها الآن، ويُدرَك بعضها لاحقاً وإدراكُ البعض للمجهول في الماضي يُؤذِن بأنك سوف تدرك في المستقبل أشياء جديدة.

وإن نظرت خارج نفسك ستجد قول الحق سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ... } ومعنى {سَنُرِيهِمْ ... } أن الرؤية لا تنتهي؛ لأن» السين «تعني الاستقبال، ومَنْ نزل فيهم القرآن قرءوها هكذا، ونحن نقرؤها هكذا، وستظل هناك آيات جديدة وعطاء جديد من الله سبحانه إلى أن تقوم الساعة" (تفسير الشعراوي ج: 12 / ص: 7163 - 7164)

وقال الشيخ الشعراوي في موضع آخر "وقد تكلم سبحانه لنا - أولاً - عن الآيات المحيطة بنا والتي بها قوام حياتنا من فلق الحب والنوى، وبعد ذلك تكلم عن الشمس والقمر، ثم تكلم عن النجوم، كل هذه آيات حولنا، ثم يتكلم عن شيء في ذواتنا ليكون الدليل أقوى، إنه - سبحانه - يأتي لك بالدليل في ذاتك وفي نفسك؛ لأن هذا الدليل لا يحتاج منك إلى أن تمد عينيك إلى ما حولك، بل الدليل في ذاتك ونفسك، يقول سبحانه: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: ٢١] .

أي يكفي أن تجعل من نفسك عَالَماً، هذا العلم موجود فيه كل ما يثبت قدرة الحق، وأحقيته بأن يكون إلهاً واحداً، وإلهاً معبوداً" (تفسير الشعراوي ج: 6 / ص: 3816).

#قلت_صهيب: هذه آيات الله في أنفسنا بشقّيها البيولوجي والروحاني، فهذه التفسيرات ذكرت جانبا من الآيات البيولوجية والتي سبق أن تطرقتُ إليها قبل نقل هذه الأقوال كما توجد آيات روحانية يعلمها الإنسان من نفسه ويختلف ذلك من شخصٍ لآخر فمن الناس من استطاع رؤية الجن ومنهم من كلّمهم ومنهم من تعاون معهم ومنهم من استجيب له كثيرٌ من الأدعية التي وجهها إلى الله عز وجل في لحظة شعر فيها ببرد اليقين وعلم أنه لولا دعاؤه لما حصل له ما حصل، ثم لا يكاد يمر على ذلك زمن قصير إلا وقد نسي الإنسان فضل ربه عليه وقال فيه ما يقوله البشر في حق البشر وهم يشاهدونهم بالحواس (ما رأيت منك خيرا قط) ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) وذلك لأن الجحود مع الإنسان وهو محسوسٌ تراه بعينك أولى بأن يدفعك إلى الجحود في الغيبيات التي تحتاج منك إلى قوة العقل والإيمان لتستحضر اليقين الذي عشته أثناء إجابة دعائك، ثم ما يلبث الشيطان أن يوسوس له لينسيه فضل ربه عليه فيقول له (لماذا لا يستجاب دعاؤك دائما ؟ لعل الحظ حالفك لا الدعاء؟ إن كان الدعاء مستجابا دائما فحاول اختبار الله بدعاء صعب وانظر هل يُستجاب لك أم لا ؟ فإن تحقق دعاؤك فقد يكون ذلك من باب الصدفة أيضا فكرر المحاولة إلى أن لا تتحقق استجابة دعائك عندها تتأكد من عدم وجود الله لأن إجابة الدعاء لم تكن سوى ضربا من الصدفة وإن تكررت) فأقول ردا على هذه الشبهة: إن الشيطان يعتمد هنا على مقدمات مغلوطة يبني عليها استدلاله كله وهي:

1 - جعله الدعاء محل اختبارٍ من الإنسان بينما الدعاء عبادة والعبادة هي اختبار من الله للإنسان لا العكس، إنما يخاطب الله الناس بقوله: ((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)) ليدلّ على إجابته دعاء المضطرّ لا المختبِر له، ولذلك لم يتحدى اللهُ الناسَ في موضوع الدعاء ولم يقل لهم مثلا: (حاولوا أن تدعوني وأتحداكم بإجابة دعائكم فإن لم تستطيعوا دعائي بشيء لا أستجيبه ولن تستطيعوا فاتقوا النار ....) كما تحداهم بالإتيان بسورة من القرآن إذ قال ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)) فلو تحدى الله الناس بذلك لصح استدلال الشيطان وطلبه، أما وأنه يخاطب الناس بما يعلمونه من أنفسهم إذ يجيب الله دعاءهم وقد انتشر في الآونة الأخيرة مقطعٌ لرجل تركي دخل الجسر وسط إعصار مرعب وهو ملحد فخرج منه وهم مسلم، وذلك لأنه علٍمَ من حالته مع الله تلك أثناء الاضطرار والشدة ما لم يعلمه وقت الرخاء وفي مثل ذلك قال الله ((فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون)) والكفر بما آتاهم الله هنا هو جحوده ونكرانه ونسيانه وتركه وتجاهله كمثل قول الله ((نسوا الله فنسيهم)) أي تركوه وأهملوه فتركهم وأهملهم، ومن معاني النسيان الترك والإهمال، إذ يقال لمن يراد تحقير شأنه ((نسيتهُ أصلا)) ويستعمل هذا اللفظ الأصحاب والأحباب الذين تفارقوا بخصومة شديدة فيقول الواحد منهم عن الآخر (نسيته أصلا) فهو لا يقصد أنه لم يتذكره وإلا لما تكلم عنه وإنما يقصد بأنه أهمله وتركه.

2 - قد لا يستجيب الله دعاءك لأنه يعدّ لك ما هو أفضل منه أو لأنه يعلم شرا في استجابته لك كمن يطلب وظيفة فلا ينالها ثم يقع حادث مروع في ذلك المكان الذي قصده أو من يريد الزواج بفتاة أو تريد الزواج برجل ثم لا يقع له ذلك ولو حصل له لربما وجد منه ما يجعله يندم أو تندم على قرارها أو يريد السفر إلى بلدٍ معينة ولو ذهب إليها لسُجن أو قُت*ل أو يريد شراء سيارة ولو اشتراها لأصابه حادث ...إلخ فقال الله ((وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم))

3 - المغالطة الثالثة في خلط الشيطان بين الدعاء الذي يكون من الأدنى مرتبة إلى الأعلى مرتبة "من العبد لربه" وبين فعل الأمر الذي يوجب الاستجابة له وهو ما يكون من الآمر إلى المأمور من الأعلى مرتبة إلى الأدنى مرتبة، فنحن عباد الله الذين نستجيب لأمره وجوبا وليس العكس هو الصحيح حتى نجعل أدعيتنا بمثابة أفعال الأمر التي يجب الاستجابة لها، فالله يستجيب الدعاء تفضّلا منه ولو شاء لما استجاب لنا أي دعاءٍ، بل لو شاء لما خلقنا أصلا ولما أعطانا القدرة على دعائه ولما ألهمنا لذلك أو حثنا عليه.

والشاهد:

إن الشيطان بمثل هذه الوساوس يبرهن على وجوده ويبرهن على صدق ما أخبرنا الله من عدائه لنا إذ قال ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) وقال ((وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) وقال تعالى وهو ينقل كلام إبليس بأسلوبه في القرآن ((لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)) ولنلاحظ جيدا قوله (ولا تجد أكثرهم شاكرين) وهذا من عمل الشيطان، إذ ينسيك نِعم الله عليك واستجابته دعاءك وإنعامه عليك من حيث لا تشعر أو تشعر وقد ذكرت عبارة (بأسلوبه في القرآن) لأن أحد النصارى المشاهير المعادين للإسلام واسمه رشيد ذهب يقول (لو قارنتم كلام الشيطان الذي نقله الله في القرآن وكلام الله لوجدتموه بنفس الأسلوب) ولا أدري كيف يفكر هذا الجويهل الذي يظن الشيطان قد قال كلامه بنفس الصيغة والأسلوب الذي نقله الله في القرآن، ومعلومٌ أن الله ينقل كلام مخلوقاته بأسلوبه لا بنفس الصيغة التي نطقوه بها.

من حيث يريد إضلالك فيستمر في إلقاء الشبهات حتى يدلّك على وجوده، إذ أن النفس البشرية وحدها رغم تفكيرها بالشر من غير الحاجة إلى الوسوسة لن تجد ذلك التعزيز والدعم الذي يشعر به الإنسان وهو يتلقى الوساوس الشيطانية، فمعلومٌ أن كثرة الآراء مؤثرةٌ على نفسية الرجل في اتخاذ قراره وقد خبرنا ذلك من وسوسة شياطين الإنس للأنس وهي واقعٌ محسوس، قال الله ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)).

قلت -صهيب-: بينما أحاول تدبّر الآية أقول في نفسي: كيف للشياطين أن يوسوسوا لبعضهم بعضا، فقد فهمنا وسوسة الشيطان للإنسان الصالح حتى يضله عن الطريق المستقيم الذي يسكله فما الحاجة إلى وسوسة الشيطان إلى شيطانٍ مثله سواء كان إنسيا أم جنيا ؟.....ثم ما لبثتُ أن وصلتُ إلى الجواب: إنه لغرض تعزيز موقفهم في الضلال وذلك لأن قول الثاني يعزز قول الأول وقول الثالث يعزز قول الثاني ثم تتكاثر الأقوال حتى يصير الكلام مشهورا وقد يحاولون نشره ليبلغ درجة الاستفاضة أو يوهموا الناس ببلوغه حد التواتر لولا أنه واقعٌ فيه التواطؤ على الكذب وهو مانعُ تحقق التواتر.

والتعزيز في اللغة التقوية وقد قال الله ((إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ)) فجاء في تفسير الوسيط ((وقوله: فعززنا بثالث أى: فقو بنا الرسالة برسول ثالث، من التعزيز بمعنى التقوية، ومنه قولهم: تعزز لحم الناقة، إذا اشتد وقوى. وعزز المطر الأرض، إذا قواها وشدها. وأرض عزاز، إذا كانت صلبة قوية. ومفعول فَعَزَّزْنا محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: فعززناهما برسول ثالث)) وبمثل هذا التفسير قال بقية المفسرون (التعزيز هو التقوية).

فكما يصح التعزيز في الخير يكون في الشر وتلك هي فائدة الشياطين في الوسوسة، وحتى في مصطلح الحديث يكون السند غريبا إن كان من طريقٍ واحد فقط ويكون عزيزا إن كان من طريقين أو ثلاثة ثم يرتقي إلى مرتبة المشهور ثم المستفيض ويبلغ التواتر إن تحقق فيه شرط استحالة التواطؤ على الكذب، ويتحقق هذا الشرط بكثرة الرواة الصادقين أو بعدم قدرتهم على الكذب وإن قصدوه كعدم التقائهم مع بعضهم البعض فيكون بعضهم في العراق وآخرون من مصر وآخرون من الشام بحيث استحال أن يجتمعوا ليتفقوا على الكذب "في عصرٍ لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة" كما يجب أن يُغلب على الظن عدم قصد كثيرٍ منهم الكذب فلا تواتر يقع من طبقة كل رواتها كذابون في الواقع.

أما شياط*ين الإنس والجن اليوم فيحاولون تزييف العلم ليقنعوا الناس بأنه مخالف للإيمان فيتواطؤون على ذلك ويخفون الحقائق التي ضدهم أو يؤولونها ويلوون أعناقها أو يحاولون تفسيرها بفرضيات غير متسلسلة في مقدماتها ثم يروجون ذلك للناس على أنه قول العِلم، بل ويخلطون ابستمولوجيا بين العلوم فيقحمون علوما في علومٍ أخرى حتى يسلم لهم المقلدون بصحتها نظرا لتفوقهم في تلك العلوم التي اشتهروا بها، فتجده يناقش مسألة فلسفية باسم البيولوجيا أو الكسمولوجيا ولا يصرح للناس بأنها مسألة فلسفية أو ميتافيزيقية (وِفق مفهومها الابستمولوجي ولا أعني مفهومها الأنطولوجي).

كتبه #صهيب_بوزيدي

تفسير قول الله وفي أنفسكم أفلا تبصرون
شارك المقال:

من نفس الموضوع: القرآن والتفسير

العقل والقلب في القرآن

القرآن والتفسير

الذي انتهى إليه رأيي في تفسير هذه الآية الكريمة أن معنى القلوب هنا هو القلب الروحي المسؤول عن الإيمان الذي نقول فيه (الإيمان ما وقر في القلب وصدقه القول…

آية تعزز نبوة المصطفى وتقطع بالجنة لأزواجه

القرآن والتفسير

قال ابن كثير في تفسيره للآية: ((هذا أمر من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن ، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة…