بعض أسباب الخلافات الفقهية بين المذاهب

الفقه وأصوله

((بقلم صهيب بوزبدي))

تنتشر عقلية خاطئة بين أتباع المداخلة في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب وأسبابه فتجدهم يرددون عبارة [لعل العالِم لم يصله الحديث، لم يصله الدليل] وهذه العبارات المنتشرة تدل على سذاجة فقهية عميقة لدى هذا التيار وهو ضريبة من لم يدرس الفقه لا أصولا ولا فروعا على أي مذهب من المذاهب.

وذلك لأن أسباب وقوع الخلاف كثيرة أهمّها الاختلاف في بعض القواعد الفقهية فأصول الفقه عند الأحناف تختلف عنها عند المالكية والشافعية والحنابلة، فمن يرى عمل أهل المدينة حجة سيختلف حكمه عن الذي لا يراه حجة ومن يرى قاعدة سد الذرائع بغير نصٍّ حجة تفيد الوجوب يختلف عمن لا يراها كذلك، كذلك الأصل في فعل الأمر النبوي هل يُحمل على الوجوب في كل الحالات أم على الاستحباب مطلقا أم يكون الأصل فيه الوجوب إلا في حالات استثنائية، وهذه الأمثلة تدل على أن الخلاف بين المذاهب لا يكون بالضرورة بسبب عدم بلوغ أحد النصوص لبعضهم.

بل قد يخفى الناس على عالم معين لكن كيف يخفى على مذهب كامل وفيه كتيبة متكاملة من العلماء ؟

وقد يكون الحديث أو النص قد بلغ ذلك العالم لكنه ضعّفه، أيضا قد يكون سبب الخلاف في الحكم مبنيا على الخلاف في العمل بالحديث الضعيف من عدمه، فبعض الأحكام الفقهية بُنيت على أحاديث ضعيفة مثل توقيت إخراج الزكاة بدوران الحول.

ثم إن من العلماء من يميل إلى الترجيح بين النصوص لمجرد صعوبة الجمع بينها ومنهم من لا يضطر للترجيح إلا إذا استحال الجمع بينها، ومن العلماء من يميل إلى تضعيف النصوص بناء على النظر في متنها ومنهم من يركّز على جهة الإسناد أكثر ومنهم من يجمع بين هذا وذاك، وهنا بالذات أقصد الواقع العملي للتصحيح والتضعيف ولا أقصد التنظير لأنهم يتفقون على أن التضعيف قد يكون بسبب المتن كما يكون بسبب السند نظريا، لكن عمليا نجد بعض العلماء يتشددون في التضعيف بسبب الإسناد ويتساهلون فيه من جهة المتن وآخرون قد يصنعون عكس ذلك.

تلعب الظروف النفسية والاجتماعية للعالم دورا كبيرا في التأثير على فتاواه في كثير من الأحيان، وهذا قد يحتاج تفصيله إلى مقال مستقل، فكثير من الفتاوى قد يضع العالم لا شعوريا ميولاته وقناعاته العرفية فيها فيميل إلى تحريم ما يستقبحه في نفسه أولا ثم يحاول البحث عن نصوص تحرّمه أو يفعل العكس وليس هذا معناه اتباعه للهوى وإنما قد يقع فيه لا شعوريا.

ويرجع الاختلاف في أصول الفقه نفسه إلى التفاوت في شخصيات العلماء ومستوياتهم العقلية والمعرفية فالعالم الذي عنده مكانة عالية بين أصحابه ولم يجرب مخالطة المخالفين أو الاصطدام بهم يكون أبعد وأضعف في الاستدلال من العالم الذي خالط المخالفين ولم تكن عنده حضوة كبيرة بين الناس لأن الأول لا يجد نفسه محتاجا لكثرة الاستدلال والحجاج ولا الإقناع بينما الثاني يحتاج كل ذلك.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…

مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع: الحلقة 3

الفقه وأصوله

نقض الجزء الثاني من الدليل الأول. قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق..)) لا علاقة لهذه الآية بحجية الإجماع ولا…