نموذج الفقيه المعاصر المطلوب
لتحرير أي حكم شرعي بطريقةٍ علميّة رصينة بذل العلماء قديما ولا زالوا يبذون حديثا مجهودات جبارة للخروج بعلوم وقواعد تنضبط بها المدارك والمفاهيم لتصلح أن تُسمّى علما، ومعلومٌ أن العلوم العقلية والتجريبية في تطورٍ مستمر أظهرها في مظهر فخمٍ استفادت منه البشرية في كل مجالات الحياة، حتى ساهم هذا التطور نفسه بفوائد لا يمكن الاستهانة بها حتى في المجالات الدينية فجُمعت أكثر الكتب في المكاتب الشاملة والموسوعات وصار منبرا للمقالات والدروس ونشر العلم في مختلف المجالات، لذلك وجب على الأمة الإسلامية أن تحس بمقدار المسؤولية والتحديات العظيمة، يجب أن تنتهي مهازل التهجّم على الفتوى بغير علمٍ ولا فهمٍ ولا تحصيل، ظهرت مؤخرا نوعية من الناس يتصدرون للإفتاء والكلام في أعراض الناس وهم لم يرتقوا حتى لمرتبة الإنسان المعاصر البسيط فضلا عن الإنسان المعاصر المتحضر فضلا عن المطّلع فضلا عن العالمِ الراسخ المؤصل الجامع بين الأصول والفروع المستقرئ التام لكل النصوص المعايش لهذا الزمن المدرك لعلوم الآلة والعقل الفاهم لتطورات الزمن وتحدياته العارف بكثير من حقائق الحياة إقتصاديا وسياسيا وفِكريا واجتماعيا ونفسيا.
#النقطة_الأولى: إتقان علوم اللغة ضروري جدا لمن يريد معرفة الأحكام الشرعية، فلا يمكن لمن لا يحسن حتى الكتابة بلغة سليمة أن يتصدر للفتوى لأن فاقد الشيء لا يعطيه واللغة وعاءُ العلم لأن الذهن يفهم المعلومة ويضع لها لفظا يعبّر عنه، ولا يمكن فهم أي كلامٍ إلا بمعرفة اللغة التي كُتب بها.
#النقطة_الثانية: الأصل في الأحكام الشرعية أن تكون مستمدة من الكتاب والسنة، قد أفنى العلماء أعمارهم في كتابة قواعد وأصولٍ لاستنباط الأحكام من النصوص النقلية، وسمّيت هذه العلوم بعلوم الآلة، يتفاوت العلماء في مدى توسّعهم في دراستها وفهمها وإتقانها ولكني أرى أن العالم الأقدر على الوصول إلى نتيجة أفضل في الاستنباط هو الأكثر إلماما وفهما وإدراكا لهذه العلوم، وكلما ازدادت إحاطته بها كلما كان أبعد عن الوقوع في الخطأ، والعكس الصحيح كلما كانت مداركه فيها محدودة كلما كان إلى الخطأ الفاضح أقرب، وفي ميدان العلم لا اعتبار بالمظهر ولا السنّ ولا عدد المؤيدين وإنما العلم تأصيلٌ وإحاطة وتفريع ثم تنزيلٌ للكليات على الجزئيات أو لاستقراء الأحكام العينية للوصول إلى الأحكام المطلقة أو النسبية.
#النقطة_الثالثة: الجامع بين علوم الآلة أنها عقلّية من حيث قواعدها وأصولها ولكنها تستهدف العلوم الحسّية أو الخبرية وأهمها:
1 - أصول الفقه / 2 - علم الحديث: وهذان لدراسة النصوص من جهة الدلالة والثبوت.
3 - الإبستمولوجيا / 4 - الآنطولوجيا / 5 - المنطق / 6 - الأخلاقيات: وهذه لدراسة جنس المعارف والبحث في الموجودات إضافة إلى تحرير القواعد العقلية والاستدلالية ومعرفة المبادئ والقيم الأخلاقية.
#النقطة_الرابعة: قبل أن يصل الإنسان لمرتبة العالم المجتهد المتمكن من الإفتاء مستعملا مداركه ومفاهيمه ومعلوماته وجب عليه أن يمرّ بمرحلة التعلّم والاستفادة من منتوجات العلماء الذين سبقوه، وكلّما كانت دراسته واسعة كلما تحررت عقليته العلمية، فليس من درَس لعشرات أو مئات العلماء كمن اكتفى بالقراءة لواحد منهم فقط، وليس منقد قرأ كتب علماءٍ من عصور مختلفة كالذي قرأ لعلماء عصر واحد فقط، وليس الدارس لمختلف المدارس الفكرية كالذي يتقوقع في مدرسة واحدة.
#النقطة_الخامسة: لا يمكن أن يكون العالم عالمًا مجتهدا وهو ممن لم يسمع بأكثر النصوص الشرعية، بل لا يمكن لهذا أن يتصدر للكلام في الفقه أصلا ولا يُسمح له بغير النقل إن كان مؤهّلا له.
لأن مجرد معرفة الفتاوى الجاهزة لبعض العلماء أو المذاهب لا تجعل صاحبها فقيها إذ لو سُئل عن دليل أي فتوى لتلعثم لسانه وما عرف بمَ يجب.
فلا بد من فهم القرآن جيدا والاطلاع على تفسيره كاملا دون أن تتخلف أي آية منه، حتى ولو استطاع تفسيره بعقله فلا بد له من مطالعة أمهات كتب التفسير، وذلك ليخلو ذهنه من الغلو والشطط والاعتداد برأيه وتعميمه على الأمة، عندما يعلم أن من المفسّرين من قال بقولٍ يخالفه يقلّ إنكاره على مخالفيه، كذلك لا أتصور كيف يمكن لمن لم يقرأ ولو لمرة واحدة صحيح البخاري كاملا أو حتى مختصره الذي حُذفت منه الأسانيد فضلا عن الزيادة عليه بصحيح مسلم وباقي الصحاح والمدارك أن يتصدّر بكل ثقة للفتوى [حتى ولو سلّمنا جدلا أنه درس علوم الآلة] لأن الآلة وحدها لن تستخرج حكما شرعيا كما أن النص وحده لا ينطق بحكم شرعي معين إنما لابد من اجتماع المصدر والآلة، وإن كان هذا حال من درس أحدهما بغير الآخر فكيف بمن لم يدرس لا علوم الآلة ولا المصادر التي يُعمِل فيها هذه الآلة.
إذً فلا بد من استقراء أكبر قدر ممكن من النصوص الشرعية [القرآن والأحاديث] إضافة إلى أقوال المفسّرين وشرّاح الحديث والفقهاء.
#النقطة_الخامسة: على من يريد التصدر لميدان الفقه والعلم أن يكون متأدبا متخلقا متحضّرا متحلّيا بأخلاق البشر الأنقياء التي حثّ عليها الإسلام، لابد أن يكون صاحب مبادئ وقيم عالية ورفيعة.
يكون متعففا عزيز النفس حريصا على كرامته، لأن من يضيّع كرامته لن يستطيع الحفاظ على كرامة العلم الذي يحمله، والأهم من كل ذلك خاصة في عصرنا هذا.
#النقطة_السادسة: على الفقيه المعاصر أن يدرك تمام الإدراك بأنه لا يعيش بمفرده على سطح كوكب غير كوكب الأرض، قبل أن يفتي للناس عليه أن يدرك جيدا عواقب فتواه، قبل أن يقول كلمة (حرام) فعليه أن يعرف عواقبها فقد تتسبب هذه الفتوى بتدمير حياة إنسان أو أسرة أو بلد ثم تكون مبنية على الفراغ لا دليل عليها، وفي المقابل قد يجيب بكلمة (حلال) ثم تتسبب كلمته بإزهاق ملايين الأرواح خاصة إن كانت فتواه موجهة لحاكم جائر، وقد تتسبب فتواه بمظالم ومفاسد كثيرة، فلابد له من تحمل المسؤولية جيدا، وليتعلم الفقيه ذلك يجب أن يطوّر من الأمثلة البسيطة كي يزداد تصوره للمسائل جدّية. فبدل أن يضرب مثالا في البيوع بالبيضة والدجاجة فليحاول ضرب المثال بالمصانع والشركات ثم ليدرك حجم الأرباح أو الخسائر المترتبة على فتواه، وأنا هنا لا أتكلم عمن يفتي لنفسه وإنما المقصود من يفتي لغيره، قبل أن يفتيه بالأحوط وهو لم يجد دليلا على التحريم فليتخيل لو أن هذا المشروع الذي يسأل عنه المستفتي هو مشروع المفتي نفسه، هل كان ليفرط بأرباحه أو يستجلب خسائره بسبب تلك الفتوى التي لا دليل عليها ؟ يجب على المفتي ألا يصرف السائل بالجواب المجمل حيث يجب التفصيل ولا يغلق الباب بدعوى الاحتياط لأنه ليس الإله كي يغلق الأبواب أو يفتحها، إنما الواجب أن يكتفي بنقل ما فهمه من حكم الله في المسألة.
#النقطة_السابعة: لا يجب على العالمِ أن ينسى أنّه مهما علت مكانته ومرتبته بسبب علمه فإنه أولى بغيره بالعلم بفضل الله عليه فيتواضع ويجعل علمه خالصا لوجه ربه لا يبغي به أي مصلحة دنيوية سواء كانت مادية أم معنوية، إنما الأنقى والأطهر له أن يفصل بين أعماله التي يسترزق منها أو يحصّل بها شأنا في الدنيا فتكون أعمالا دنيوية ويترك الدين نقيا غير مدنّس بالأطماع وميولات النفس، لأن العلم الذي لا يورث في القلب والجوارح خشية الله علمٌ لا خير فيه.
كتبه #صهيب_بوزيدي
