مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع

الفقه وأصوله

#الحلقة_الثالثة: نقض الجزء الثاني من الدليل الأول.

#هو_1: قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق..))

#أنا_1: لا علاقة لهذه الآية بحجية الإجماع ولا بحجية السلف وبيان ذلك يأتي في عدة أوجه:

#الوجه_الأول: عندما نقرأ ما قبل الآية وبعدها نجد الله يقول ((وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا)) أي أن الله يرد على أهل الكتاب عندما ربطوا الهداية باليهود أو النصارى فرد الله عليهم ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)) أي لا تكون الهداية باتباع اليهودية ولا النصرانية وإنما باتباع دين الإسلام وليس لهذا أي علاقة بموضوع الاستدلال بالإجماع بين المسلمين أنفسهم.

#الوجه_الثاني: قال الله ((بمثل ما آمنتم به)) وهذي الآية تشمل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ولا شك أن من يخالف هؤلاء المخاطبين بالآية فيما آمنوا به فإنه يكون كافرا لأنه سيكون مؤمنا باليهودية أو النصرانية أو البوذية إذ لا يمكن أن يقول عاقل (اختلفت مع رسول الله في مسألة فقهية) فالنبي صلى الله عليه وسلم مشمول بالآية وهو رأسهم فكيف يستدل ب(الرسول+ المسلمين الذين اتبعوه جميعا على الأقل في عصره) على حجية (اتفاق علماء عصر ما على مسألة ما) والتي يخرج منها (الرسول صلى الله عليه وسلم) و(جل المؤمنين إنما يُقتصر على جزء منهم).

#الوجه_الثالث: قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به)) فتكلم الله هنا عن الإيمان أي العقيدة الإجمالية وأركان الإيمان ستة وليس الكلام عن الأحكام الشرعية والفقه في هذا الموضع، وخير دليل على ذلك قوله قبل هذه الآية مباشرة ((قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)) ثم مباشرة قال ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)) أي الإيمان بالله وما أنزل إلى النبي وإلى الأنبياء جميعا من قبله.

والشواهد من هذه الآية:

1 _ كلكم تعرفون تفريق العلماء بين الإسلام العام (في الإيمان أي العقائد) وهو الذي يتواطؤ عليه دين كل الأنبياء ويشتركون فيه ليس فيه نسخٌ ولا اختلاف ولا تبديل وبين الإسلام الخاص (لكل نبي شريعته وأحكامه الفقهية الخاصة التي يجري عليها النسخ وتختلف من دين لآخر) فدل ذلك على أن الأمر متعلق بالعقيدة التي يشترك فيها كل الأنبياء وغير منوط بالفقه بينما الإجماع عند الأصوليين شامل لكل ما في الشريعة، ومنه فإن المقصود بالآية (الإيمان بالله ودين الإسلام العام الذي يشترك فيه كل الأنبياء) ولا علاقة لهذا بالتأصيل للإجماع مصدرا تشريعيا لمعرفة الأحكام الفقهية.

2 _ لما يجتزئون الآية عن سياقها ؟ قد ذكرت الآية الإيمان النازل على كل الأنبياء قبل أن تذكر المؤمنين فكيف يستدل بهذا على حجية الإجماع والآية تتكلم عن إجماع الأنبياء جميعا على دين واحد وليس هذا ما نجادل فيه أصلا وإنما نتكلم عن اتفاق علماء غير معصومين ولا ذكر الله أسماءهم ليلزمنا باتباعهم بل اختارهم الناس عواما وحكاما وبعضهم يزكي بعضا (سواء كان ذلك بالحق كما هو ديدن أهل الحق أو بالباطل كمن يزين بعضهم لبعض أقبح السوء ولذلك تجدون كل فرقة تزكي مشايخها وعلماءها فللروافض علماء يزكيهم شيوخهم وللصوفية شيوخهم وللسلفية شيوخهم وهكذا). فكيف يطالبني الله بأن أستقي ديني من رأي عالمٍ قد أكون أعلمَ منه بمفاوز ؟ ثم إذا لم يستطع مجادلتي بالحجج والبراهين وكسل عن الاستدلال سهل عليه أن يدعي الإجماع ليسكتني به حتى لا أتحدث وينتهي الموضوع.

بالله عليكم، لو كان الإجماع فعلا مصدرا للتشريع فهل يمكن لمصادر التشريع أن تتعارض ؟ فإن زعمت أن قولا ما يعارض كتاب الله معارضة بينة وأراد هو الاستدلال عليه بالإجماع دون فك التعارض بين إجماعه وما أدعيه من معارضة كتاب الله أفليس يريد الإخبار بأن دين الله يقبل التناقض ؟ فإن أصر على التمسك بإجماعه وأصررت على القرآن دون أن ينقض وجه التعارض بينهما فكأنه يريد تصوير الإسلام على أنه دين متناقض، أما إن حاول فك التناقض فقد دخل لميدان الاستدلال بالقرآن فإن اتفقنا على دلالة القرآن لم نحتج إلى الإجماع فقد استطاع برهان وجهة نظره بالقرآن نفسه وإن لم يستطع فك الإشكال في القرآن أو السنة فالأولى أن يقدمهما على الإجماع لا أن يجعله قاضيا عليهما فيكون الإجماع في قوة التأثير مقدما على القرآن والسنة إذ به يُفصل الكلام وهذا معارض حتى لدعوى تصنيفه المصدر الثالث للتشريع فإنه الثالث بالاسم والأول بالفعل ودليله أنهم يقولون (الإجماع حجة في فهم القرآن) أي أنهم لو زعموا الإجماع فلا يجوز لك أن تناقش النص القرآني فقد صودر فهمه وصار ختمه بيد الإجماع فالقرآن كالورقة الإدارية المكتوبة الجاهزة التي تريد أن تستلمها فيقول لك الموظف (لم يوقعها ويختم عليها المدير بعد) وذلك الختم هو الإجماع فعندها لا حجية والعياذ بالله للقرآن إن زُعم الإجماع وإنما يكفي نقله ليكون حكما وقاضيا على القرآن بينما القرآن عندهم لا يكون قاضيا على الإجماع فهل نزلت هذه الآية ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)) حول هذه المسألة ؟

#أخيرا: لو اجتمع الصحابة كلهم 114 ألفا حسب تعريفهم للصحابة على قولٍ ومعهم رسول الله سأعتبره حجة لأنه سنةٌ مضى عليها عمل كل المسلمين المعاصرين لرسول الله.

ولكن المشكلة أنهم سيحتجون فيما بعد بقول واحد أو ثلاثة من الصحابة ولا ندري أقالوا قولهم أم لا وإنما هي روايات آحاد وكثيرا ما يكون في سندها من لا يوثق به أصلا أو ممن اختلف في توثيقه فيريدون إلزامك بقول ذاك الصحابي ثم يقولون (ولم ينقل لنا قول مخالف له) ليتخذوا قول الصحابي حجة على أنه الإجماع، فلاحظ أنهم يستدلون بنصوص لو حملناها على الإجماع لكانت في المؤمنين جميعا وتارة في المؤمنين والنبي بل والأنبياء عليهم السلام جميعا معهم ثم عند التطبيق يجرونك للإجماع السكوتي وإجماع الفرقة والطائفة أو إجماع أربعة علماء ونحو ذلك حتى صارت لكل فرقة إجماعها الخاص الذي لا يعتد بغيره وقد يعقدون الإجماع لرأي ثلاثة أو خمسة أو عشرة ويقولون أجمعت الأمة لذا تجد الإجماع على الشيء ونقيضه عندهم وتجد كثرة الدعاوى في الإجماع بما يفسد الذوق الفقهي.

كتبه #صهيب_بوزيدي

مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع
مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…