النزاع بين المسلمين في موضوع الاستغاثة بين التوحيد والشرك

#معالجة_بعض_المفاهيم_الخاطئة_للتوحيد_والشرك_والتي_تسببت_بفتنة_تكفير_المسلمين.

#ملاحظة: كلامي في هذا المقال متعلق بالشرك وعدمه وليس بجواز فعل الشيء وصوابه من عدمه فليس كل ما نفينا أن يكون شركا يكون بالضرورة صوابا أو جائزا.

والاستغاثة بالميت إن لم تكن بالصورة الشركية فهي طريقة بدعية (إن أريد بها اللجوء إلى الله) منافية للعقل والشرع وقد تكون شركية إن اصطحبت بالدعاء وتقديم القرابين والذبح والسجود والخضوع المطلق لغير الله وغيرها من صور العبادة أو اعتقاد السببية الأولى في المستغاث به، كما أنها ذريعة قد تقود للشرك حتى ولو خلت من هذه الصور، كما أن بعض صور الاستغاثة الموجودة واقعيا قد تكون مصحوبة بعبادة وأفعال شركية وإنما كلامي تأصيلي تفصيلي حول العامل المؤثر في جعل الفعل شركا.

#بداية_المقال:

الاستعانة والاستغاثة بغير الله إن كانت على سبيل الاستعانة أو الاستغاثة المطلقة كأن يجعله المغيث والمعين الأول الذي لا يسبقه مسبب فهذا شرك سواء كان المستغاث والمستعان به حيا أم ميتا وذلك لأن الله هو المسبب الأول فلا مسبب قبله ولا معه.

أما إن كان يعتقد في استعانته بهذا المخلوق أيا كان بأنه سبب ثاني معلول بالمسبب الأول (الله)، أي يعتقد أن الله هو المسبب الأول وإنما يكون هذا المخلوق مجرد سبب لا يفعل شيئا إلا بإرادة الله فهذه الاستعانة أو الاستغاثة ليست شركية ولا فرق في ذلك بين مخلوق حي أو ميت فالله الذي يقدر على جعل الميت عاجزا عن الإغاثة يقدر على جعل الحي عاجزا عن الإغاثة أيضا، والله الذي يجعل الحي قادرا على الإغاثة قادر على جعل الميت قادرا عليها، فقد جعل الله عصا موسى سببا في الإعانة والإغاثة وكذلك البحر الذي انشق نصفين وهو قادر على جعل الميت حيا وجعل الحي ميتا والنصوص الشرعية تفيض بذلك وكذلك التأصيلات العقلية.

لكن متى تكون الاستغاثة بغير الله شركا ؟ العلة ليست في حياة أو موت المستغاث به ولا في قدرته وعجزه فنحن نعلم أن المستغاث به لا يغيث من تلقاء نفسه ما لم يأذن له الله، ولا يقدر على شيء ما لم يأذن له الله كما أنه يقدر على ما لا يقدر عليه في العادة لو أذن الله له بالقدرة، فعادة البشر عدم القدرة على إحياء الموتى لكن الله أعطى هذه القدرة لعيسى عليه السلام كذلك الله هو المميت لكنه أعطى قدرة قبض الأرواح لعبده ملك الموت والأمثلة كثرة جدا.

وليست العلة في الاستغاثة الغيبية أو الحاضرة لأن الله أغاث المسلمين بالملائكة رغم أن الملائكة من الغيب بالنسبة لنا وقد يكون الغيب عندنا شاهدا عند غيرنا من المخلوقات.

#الضابط_في_الشرك: هو المقابِل الذي يعطيه المستغيث للمستغاث به، فإن أعطاه مقابل غوثه شيئا من العبادة فذلك هو الشرك أما إن لم يعطه شيئا من العبادة فذلك ليس شركا.

ومن أنواع العبادة الدعاء، فإن كانت الاستغاثة مصحوبة بالدعاء فتلك عبادة سواء كان المستغاث به حيا أم ميتا، وإن كانت الاستغاثة غير مصحوبة بالدعاء أو أي نوع من أنواع العبادة "أي الخضوع والحب والتذلل التام المطلق" وكان صاحبها يعتقد أن المستغاث به لا ينفع من دون الله وإنما هو سبب ثاني لا ينفع بشيء إلا بإذن الله، فهنا لا يكون فعله شركا.

ويجب التفريق بين الاستغاثة والتوسل والتبرك فهذه أفعال يختلف بعضها عن بعض، أما التوسل والتبرك فليس شركا ما لم يكن مصحوبا بعبادة المتوسل به أو المتبرك به سواء اعتبرنا التوسل والتبرك فعلا مشروعا أم اعتبرناه بدعة (فهذا لا يسمى شركا).

فيكون مشروعا لو ثبتت النصوص الدالة عليه ويكون بدعة إن لم تثبت النصوص الدالة عليه.

فإن وردت فيه نصوص توهم تجويزه أو تدل على جوازه إن صجت ثم اُعترِض عليها بتضعيفها فذلك معناه عدم جواز تبديع من يراه جائزا وذلك لأن النص الضعيف عند قوم من أهل العلم قد يكون صحيحا عند قوم آخرين، ثم قد يكون الخلاف حول حجية الحديث الضعيف نفسه فليس الضعيف كالمكذوب إذ يُحتمل أن يكون الضعيف مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فالراوي سيء الحفظ ليس بالضرورة ناسيا لكل شيء وحتى الراوي المتهم بالكذب ليس بالضرورة كاذبا في كل شيء، بل حتى الشيطان يصدق أحيانا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة "صدقك وهو كذوب".

والتوسل ليس فيه دعاء للمتوسل به بل يوجه الدعاء مباشرة لله عز وجل.

كذلك التبرك لا يراد به أخذ البركة منه دون أن يكون الله هو المصدر الأول لتلك البركة.

وكل من التوسل والتبرك أجازه مئات العلماء قديما وحديثا (إن لم نقل آلاف العلماء) رغم وجود الخلاف في المأسلتين بين مجيز ومحرم (لكن الخلاف بين العلماء بعيد عن الحكم على أي من الفعلين بالشرك، إلا إن كان المتبرك يقصد تحصيل البركة من ذلك المخلوق بغير إذن من الله أو كان يعطيه نوعا من العبادة كالدعاء أو تقديم القرابين له فهذا شرك ولا أعتقد مسلما يخالف فيه).

#الخلاصة: إن اتضح ما سبق علمنا جيدا تهور طائفة من الناس إذ ذهبوا يكفرون المسلمين ويتهمونهم بالشرك بل صاروا يكفرون من لا يكفرهم ويكفرون حتى من وافقهم في وصف أفعالهم بالأفعال الشركية لكنه عذرهم بالجهل ثم ذهبت طائفة منهم تكفر من لم يكفر من لم يكفرهم وهكذا دخلوا في سلسلة غير متناهية من التكفير، ونتج على ذلك تفرق المسلمين واستباحة أموالهم وأعراضهم.

بل صاروا يتهمون المسلمين بعدم معرفة معنى "لا إله إلا الله" وعدم دخولهم في الإسلام من أساسه.

ولو سألت الواحد منهم (كيف حكمت عليهم بعدم معرفة لا إله إلا الله لقال) إنهم يقولون (معناها لا رب إلا الله) والصواب (لا معبود بحق إلا الله).

قلت -صهيب- وهل يستحق العبادة غير الرب ؟ وهل هؤلاء الذين يعرفونها بهذا التعريف يعتقدون جواز عبادة غير الله ؟ هل يعتقدون جواز دعاء غير الله ؟ هل يعتقدون جواز تقديم القرابين لغير الله ؟.

صحيح أن كثيرا من المسلمين قد يقعون في أخطاء تصنيفها في أسوأ الحالات يدخل في خانة (البدعة) لكن بأي حق جعلها هؤلاء من صنف (الشرك)؟.

ثم إن الله ذكر الأرباب بمعنى الآلهة تارة في القرآن وذكر الآلهة بمعنى الأرباب تارة أخرى ولعلي أفصل ذلك في مقال لاحق.

هل كل مسلم لم يسمع بتعريف لا إله إلا الله على الشكل الذي يعرفه هؤلاء المكفرون لا يكون عارفا بمعناها ؟

هل وجدتم مسلما منهم يعتقد جواز الشرك ؟

لماذا يقولون (هم وقعوا في الشرك وهو أصل الإسلام وهذا لا يعذر فيه بالجهل لأن الجاهل به لم يدخل للإسلام أصلا ؟) من يسمعهم يظن أن بقية المسلمين الذين يكفرونهم يعتقدون جواز الشرك ويقرون به أو يعتقدون جواز عبادة غير الله أو جواز دعاء غير الله.

ثم إن هؤلاء المكفرون أنفسهم لا يعرفون حدا يضبطون به الحالات التي تجوز فيها الاستغاثة بغير الله من الحالات التي لا تجوز فيها الاستغاثة.

فيقولون تارة (الاستغاثة تجوز بالحي دون الميت) فيقال لهم (وهل تجوز الاستغاثة بالمخلوق الحي أو الاستعانة به على رزق الولد أو توفيقه للنجاح ؟) قالوا (هي الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه أما إن استغيث به فيما لا يقدر عليه فذلك هو الشرك).

قلت صهيب: وهل كان المستغيث بالشيء ليستغيث به لولا اعتقاده أنه يقدر عليه ؟ فذلك استدلال بمحل النزاع، لو كان يسلم لكم بعدم مقدرة المخلوق عليه (بتوفيق من الله) لما استغاث به أصلا وإلا كان بذلك يضيع وقته فيما لا نفع فيه.

فإن قالوا (حتى ولو اعتقده قادرا على النفع وكانت حقيقة المستغاث به عدم القدرة على النفع فذلك هو الشرك).

قلت: ماذا لو غرق رجل في البحر فمر عليه رجل فظنه الغريق قادرا على إغاثته وإنقاذه من الغرق فاستغاث به وكانت حقيقة ذلك الرجل عدم إتقان السباحة "أي أنه استغاث به فيما لا يقدر عليه" فهل يكون المستغيث به مشركا ؟

قد يقال (ليس هذا ما قصدنا) فنقول (لكن التعريف الذي تقدمونه يشمل هذه الحالة فالواجب التعديل على تعريفكم ليكون جامعا مانعا حتى لا يدخل فيه ما ليس منه).

كذلك يقال لهم: إن كان الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه ليست شركا فهل المقصود بذلك ما يقدر عليه المخلوق بغير إرادة الله أم ما يقدر عليه بإرادة من الله ؟ أما الأولى فلن يقول بها مسلم، فلا يمكن للمخلوق أن يقدر على أي شيء إلا بإرادة من الله.

أما الثانية، فإرادة الله وسعت كل شيء لذلك فمجال قدرة المخلوق غير معلوم لأنه معلق بقدرة الله، فالله قادر على جعل الحجر العاجز عن الكلام حاليا قادرا على الكلام إن شاء؛ وقادر على تحريك الجمادات وبث الروح فيهم، وقادر على جعل الطفل الرضيع العاجز عن النطق في المهد ناطقا في مهده، فقدرة الله غير محدودة، وعقلا وشرعا: يقدر الله على جعل الشفاء بيد الطبيب رغم أن الله هو الشافي الأول كذلك يمكنه جعل الشفاء في الدواء أو حتى الجماد.

المهم أن لا تكون الاستعانة والاستغاثة مصحوبة بأي نوع من أنواع العبادة.

أما الاستغاثة بحد ذاتها فمادامت معلقة بقدرة الله وخالية من الدعاء والعبادة وتقديم القرابين وما شابه ذلك فليس فيها أي شرك.

كتبه #صهيب_بوزيدي

النزاع بين المسلمين في موضوع الاستغاثة بين التوحيد والشرك
شارك المقال:

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…