الله يتحكم في قوة صفة الخالق
#إنكاره_يلزم_منه_القول_بنظرية_الفيض
اليوم وفي طريقي مع الأخ عماد الدين زيور تكلمت معه في موضوع تحكم الله في قوة أفراد صفاته ثم وصلنا لموضوع التحكم في صِفة "الخالق" وكنتُ قد استدللت سابقا بيني وبين نفسي على ذلك بلزوم القول بالفيض الذي يقول به الأسكندرانيون ومن وافقهم من الباطنية من أمثال ابن سينا وهو قولهم بفيض العقول العشرة والأنفس الفلكية التسعة وذلك غاية ما يمكن صدوره عن العلة التامة إذ فاضت وجوبا لا اختيارا ولا يمكن للعلة التامة أن تفيض ما هو أقل من ذلك ولا ما هو أكثر منه؛ فالعقل الأول فاض عنها ثم تولّد عنه العقل الفعال الثاني والنفس الفلكية الأولى وهكذا وصولا للعقل الفعال العاشر والنفس التاسعة.
فقلت: إن نفي تحكم الله عز وجل في صفة الخالق وفعل خلقه يلزم منه أنه لم يكن قادرا على خلق ما هو أفضل من هذا العالم ولا ما هو أقل منه فضلا وكمالا وهذا لازمه أن هذا العالم واجب الوجود إذ لم يتحكم الله في قوته في الخلق ففاض عنه العالم بغير اختيار ولا قصد ولا إرادة إذ خلقه مضطرا لذلك لا مختارا فيكون خالقه له وجوبا فعندها يكون وجوب المعلول ملازما لوجوب العلّة وهذا هو عين تقرير الأفلاطونية المدحثة القائلة بنظرية الفيض بغض النظر عن ماهية الكون الفائض أهو جزء من العلة فاض عنها أم يُسمى خلقا؛ فوجه المقارنة هنا في نفي الاختيار والقدرة والإمكان واستبدالها بالوجوب
كذلك لازمه أن الله لا يقدر على خلق البشر أقوى مما هم عليه ولا أضعف لأن قوته في الخلق والإبداع أفضت إلى هذا الموجود وهذا ما يعبر عنه في العاجزين بالعبارة العامية "هذا ما حلبت البقرة" أي هذا ما يمكنها إعطاؤه فيلزم عندئذ أن يكون الله عاجزا محدود القوة ليس له إرادة ولا مشيئة؛ سيكون مثل بركان هائل القوة يهيج فلا يستطيع أحد إيقافه ولا هو يستطيع إيقاف نفسه؛ هو بهذا مثل سيارة مسرعة لا تملك فراملا للتوقف؛ إن خلق مخلوقا جميلا فلا يستطيع أن يخلق من هو أجمل منه ولا من هو أقبح منه لأنه بزعمهم لا يتحكم في قوة أفراد صفاته فهو لا يتحكم في القوة التي يهبها لمخلوقاته ولا يتحكم في الحياة التي يعطيهم إياها.
والسؤال: هل كان يمكن لله أن يخلقني أطول مما أنا عليه أو أقصر أو أذكى أو أغبى أو أجمل أو أقبح مما خلقني عليه؟ نقول "لا شك في ذلك؛ فهو قادر على ذلك".
إذا فهو اختار لي قوة معينة في أفراد صفاتي فاختار أن يخلقني بهذه النسبة من قوة الأفراد وكان بالإمكان أن يخلقني بنسبة أقل أو أكثر مما خلقني عليه؛ إذا هو تحكم في قوة إبداعه.
نقول: "أ" رسم لوحة فنية واستعمل مهارته في الرسم كاملة فكانت اللوحة في أبهى صورة يمكنه أن يرسمها.
ومنه يمكن وجود "ب" بحيث يرسم رسمة أبهى من رسمة "أ" علما أن هذا الأخير قد بلغ ذروته التي لا يستطيع الزيادة عليها فيكون "أ" ناقصا غير تام.
لكن لو قلنا: "أ" أبدع اللوحة "س" وهو قادر على إبداع "ع" بحيث تكون "ع" أفضل من "س" فمعناه أنه تحكم في قوة إبداعه ولم تكن "س" ناتجة عن أقوى ما لديه من الإبداع بل هو خفف من قوته ليرسم "س" ثم لو أراد لرسم "ع" وهي أقوى من "س"
فلو فرضنا وجود موجود يستطيع أن يخلق بعد كل مخلوق من هو أكمل منه وأفضل منه فنقول:
هو خلق أ1 الذي قيمته 1000
وقادر على خلق أ2 الذي قيمته 10000
وقادر على خلق أ3 الذي قيمته 100000
وقادر على خلق أn الذي قيمته n وهي أي عدد محدود مهما كانت قيمته
وقادر على خلق أn+1 الذي قيمته n + a
وهكذا كل مخلوق يخلقه فهو قادر على أن يخلق مخلوقا أكمل منه فيكون واجبا لكل مخلوق أن تكون قوته محدودة ولكن في نفس الوقت يمكن خلق مخلوق أقوى منه فتصبح عدد احتمالات خلق مخلوقات بعضها أقوى من بعض لا نهائية ويمكن أن يخلق مخلوقات لا نهاية لعددها ويكون كل مخلوق منها أعلى من سابقه وكل مخلوق منها مهما علت قوته فإن بينه وبين قوة الله ما لانهاية وذلك أن n مهما كانت قيمته المحدودة فعند تقسيمها على اللانهائي تؤول إلى الصفر وكذلك عند النظر في المجال بينها وبين اللا نهائي "ما لانهاية ناقص n تساوي ما لا نهاية" ومنه فإن مالا نهاية ناقص 1 تساوي ما لا نهاية ناقص مليار أو ناقص n مهما كانت قيمته.
فكذلك 1 قسمة ما لانهاية يساوي مليار قسمة ما لانهاية ويساوي n قسمة ما لانهاية.
فهنا نجمع بين استحالة وجود مخلوق تام مطلق مثل الله وذلك لأنه بمجرد أن يُخلق يكون محتاجا لخالق والمحتاج لا يكون تاما "مستغنيا" فلا يمكن أن يكون محتاجا ومستغنيا في آن واحد فهذا تناقض يدل على استحالة القضية لذاتها.
لكن في نفس الوقت فإن الله قادر على خلق ما لا نهاية من المخلوقات وخلق ما لا نهاية من المستويات المختلفة عند المخلوقة في قوة أفراد صفاتها فيكون كل مخلوق منها أقوى من الآخر وأضعف من الخالق بما تؤول قوته إلى الصفر مقارنة به وبذلك تتم لله صفة التمام المطلق في كونه الخالق وذلك بقدرته على خلق مخلوقات بالعدد الذي يشاء والقوة التي يشاء ومعنى ذلك أنه يتحكم في إبداعه واختياره لمخلوقاته ومنه فهو يتحكم في قوة أفراد صفاته وقد ركزتُ في هذا المقال على صفة الخالق تحديدا.
بالنسبة للأخ عماد فلم أخبره قبل لقائي به بكل هذا الكلام ولكن عندما صادفته قلت له "اعترض بعض المنتسبين للسلفية علي في قولي بقدرة الله على تحكمه في قوة أفراد صفاته" ثم بدأت أستدل على كل صفة فتحدثت عن صفة الخالق فقلت "إن لم يكن الله قادرا على التحكم في قوة أفراد صفة الخالق" قال هو "فهذا لازمه القول بالفيض".
فقلت له: ما دمت قد وصلت لهذه النقطة لوحدك فلا خوف عليك إن شاء الله؛ ثم تأملت فوجدت سبب قوته ليست في قراءته مجلدين من درء تعارض العقل والنقل وإنما في خلفيته العلمية الأكاديمية فالحديث معه سهل جدا بلغة الرياضيات ولا أحتاج حتى لتبسيطها كما بسطتها في هذا المقال معه والمشكلة عند الآخرين هي قفزهم من المجال الأدبي للمجال المنطقي الرياضي لذلك فكثير منهم يعاني من فهم مسائل تعتبر عندنا من أبسط المسائل وأسهلها.
ثم فكرت فوجدت في الأدبيين من يفهم هذه المسائل جيدا وذلك لقوة ذكائه واختياره للمجال الأدبي لم يكن عجزا منه عن المجال العلمي وإنما كان محض اختيار "لعله لحب الشريعة مثلا" فعندما أشرح هذه المسائل له يفهمها بسهولة تامة ثم يقدر على الكتابة فيها بنفسه بل ويضيف أدلة من عنده فيكتمل عنده تصور الموضوع ومثال ذلك الأخ فؤاد لهلالي وأخٌ آخر من دولة أخرى لعل أهله لا يفضلون أن أذكر اسمه "فرج الله عنه"؛ هؤلاء برهنوا على أن الأمل مازال موجودا في الجيل الصاعد ولعل مجدا عظيما يستقبل هذا الجيل فيحدثون ثورة فلسفية عقائدية على الأصول العقلية الصحيحة التي يؤيدها النقل ولا يعارضها.
كذلك طرحت مسائل يتصبب منها كثير من الناس عرقا أمام زميل قديم لي في الدراسة تخرج مهندسا في الوقاية والأمن الصناعي ففهمها بكل سهولة ووضوح رغم عدم تعمقه في المجال العقائدي كثيرا فأدركتُ أن المشكلة التي عند المعترضين هي دخولهم لمجال غير مجال تخصصهم فهم أدبيون بل مقلدون حتى في المجال الأدبي وأرادوا دخول باي العقليات ببضاعة مزجاة لذلك تجد غاية مناهم الوصول إلى مستوى فهم كلام ابن تيمية لتقليده والسلام؛ ومن فرط جهلهم يتحدثون عن مسائل رياضية ومنطقية وهندسية بعبارة "من سبقك إلى هذا" والمشكلة في عدم معرفتهم بالمادة فكيف يعرفون السابق واللاحق فيها ؟ هم يريدون سابقا في النتيجة بمقدماتها؛ يريدون رجلا تنسخ وتلصق كلامه كما هو؛ يريدون أربابا من غير الله لا نفهم كلام الله إلا بما قالوه حرفا؛ وحتى ولو وافقناهم معنى فهم لا يرضون بذلك؛ ناس أضاعوا عقولهم أو حجروا عليها يتكلمون في غير ما يحسنون فأتوا بالعجائب؛ ومادام المجتمع المحيط بهم مكون من جهلة أمثالهم فلن يستفيقوا أبدا؛ لكنهم لو تكلموا في أوساط علمية حقيقية لوجدوا أنفسهم أضحوكة.
كتبه #صهيب_بوزيدي.

