الرد على الرسالة الثالثة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا بخير والحمد لله، شكرا على سؤالك عني.
أما سؤالك [العقل أم النقل] فجوابه:
مصادر المعرفة ثلاثة: العقل والحس والخبر [النقل].
أما العقل فيعمل على طريقتين في الاستدلال [الاستدلال المباشر والاستدلال غير المباشر]
والاستدلال المباشر له ثلاثة طرق: القياس، التمثيل، الاستقراء.
والاستدلال غير المباشر له ثلاثة طرق: البرهان بالنقيض، وبعكس النقيض، وبالعكس المستوي.
وأما الحس فيعتمد على الحواس الخمسة، وتُعتبر وسائل العلم التجريبي امتدادا للحواس الخمسة.
وأما النقل، فهو نوعان: [النقل عن الله والنقل عن البشر].
أما النقل عن البشر ففي سائر الأخبار اليومية وما يحدث، فحتى ذهابك للطبيب وسؤاله عما يجري لك فإنك تأخذ معلومتك منه نقلا لأنك لم تفحص وتتأكد بنفسك.
وأما النقل عن الله فهو المتعلق بالوحي، فهذا المنقول إما أن يكون قطعي الثبوت وإما أن يكون ظني الثبوت وإما أن يكون قطعي عدم الثبوت.
فالمقطوع بعدم ثبوته هو ما نقله الدجالون المدعون للنبوة مثل مسيلمة الكذاب وسجاح وغيرهم مما نسبوه إلى الله فهذا قطعا لم يثبت.
والمقطوع بثبوته هو المتواتر، فالقرآن متواتر فهو قطعي الثبوت.
وظني الثبوت هو ما لا نعلم إن كان قد ثبت عن الله أم لم يثبت وذلك كآحاد آيات الإنجيل والتوراة التي لا نعلم إن كان قد مسّها التحريف أم لا.
فإن ثبت الكلام المنقول عن الله قطعا فيُدرس من حيث دلالته أهو قطعي الدلالة أم ظني الدلالة أم قطعيا في عدم الدلالة على مناط الاستدلال المراد.
فإن تكلمنا عن الإسلام بشكل أخص فإننا نجد مصدرا آخر للتشريع غير المصدر القرآني وهو الحديث النبوي:
وهذا منه ما هو قطعي الثبوت كالمتواتر منه ومنه ما هو ظني الثبوت كخبر الآحاد ومنه ما هو قطعي عدم الثبوت كالأحاديث المكذوبة.
وكل ما سبق ذكره من الأحاديث أيضا إما أن يكون قطعي الدلالة أو ظني الدلالة أو قطعيا في عدم الدلالة على مناط الاستدلال المطلوب.
مثلا قول الله ((قل هو الله أحد)) فهذا قطعي الدلالة في أن الله واحد لا شريك له، وهذا ما يعرف في أصول الفقه بالنص
أما ظني الدلالة فينقسم إلى أقسام: الظاهر، المجمل، المؤول.
أما الظاهر فهو ما يغلب على دلالته المعنى المراد.
أما المجمل فهو ما تستوي فيه احتمالات المعاني المطلوبة
أما المؤول فهو ما كان مرجوحا ولا يتم ترجيحه إلا بقرينة مرجحة.
وبناء على كل ما سبق نعلم أن مصادر المعرفة تتكامل فيما بينها ولا تتعارض.
فنحن سمعنا الخبر بالحس وإلا فكيف يمكننا إدراكه ؟ قد قال الله قولا فكيف نعلم أن الله قاله إن لم نسمعه أو نقرأه ؟ فتخيل أنك لا تسمع ولا تبصر ولا تحس حاسة لمس ولا تذوق ولا تشم، فهل تستطيع إدراك أي آية أو حديث أو أي منقول ؟ إذًا فلا يمكن للنقل أن يبلغك بدون حس
وكذلك تخيل أنك بلا عقل، فهل تستطيع فهم ما يُنقل إليه ؟ هل تستطيع الحكم عليه بالصدق أو الكذب ؟ هل تستطيع الإيمان أو الكفر به ؟ بدون عقل فإنك لن تستوعب ما يصلك وستكون كالهاتف الذي تُخزن فيه البيانات دون أن يعرف ما الذي خُزّن فيه تحديدا، بل الهاتف على الأقل قابل لتخزين البيانات، فمن غير حس ولا عقل لن تستطيع حتى تخزين المعلومات المنقولة إليك في ذهنك.
#الخلاصة: العقل والحس والنقل يتكاملون ولا يتعارضون، وجعل العقل مصدرا للمعرفة ليس معناه رد الأحكام الشرعية بالعقل وإنما الأحكام الشرعية أساسا لا تخالف العقل بل توافقه، وإنما العقل يدافع عن صحة الإسلام ويفهم الإسلام بشكل صحيح، وحتى القواعد الحديثية المستعملة في التأكد من صحة المنقول كلها قواعد عقلية استعملت لخدمة النقل من جهة الثبوت وكذلك قواعد أصول الفقه العقلية تستعمل لخدمة النقل من جهة الدلالة.
كتبه #صهيب_بوزيدي

