لماذا الخوف من المستقبل

؟ ((بقلم صهيب بوزيدي))

يظل الإنسان خائفا من مستقبله إلى أن يموت وتصبح كل حياته ماضيا.

المستقبل الوحيد الذي لا يضيع الخوف عليه هباءً هو مصير الإنسان في الآخرة، لأنه لن يصبح كله جزءا من الماضي وإنما في وقته يعيش الإنسان حياته الأبدية، أما ما دون ذلك من الحياة الدنيا فلا بأس من التفكير في بناء مستقبل جيد فيها بل هو مطلوب إن لم يكن سببا في نسيان الهدف الأساسي من خلق الله لنا وهو خوض اختبار عبادته.

أذكر أن أحد معارفي قال لي يوما ((إني أخاف من المستقبل)) فقلت له ((على أي شيء تخاف ؟)) فقال ((أخاف من الفقر)) فقلت له ((لا تقلق، لن تكون أفقر مما أنت عليه الآن فأنتَ بلا عمل ولا دخلٍ مستقر ولديك زوجة وأطفال وبلغتَ من الكبَر عتيا وقاربت الأربعين أو تجاوزتها فإن لم يتحسن وضعك فلن يكون أسوأ مما هو عليه)) فقال ((هل هذا جبر للخواطر أم طحن لها ؟)) قلت ((كلاهما معا، فهو جبر للخواطر لدفع الخوف من المستقبل وطحن لها لتفكر في حلٍّ للخروج من وضعك الذي أنت فيه)) وبالفعل مرت السنوات وتحسن ضعه أكثر مما كان.

وكثير من الناس أعرف ماضيهم وحاضرهم كانوا يعيشون الفقر بأبشع حالاته ثم تطوروا وتحسنت أوضاعهم ومع ذلك لا يزالون خائفين من الفقر في المستقبل بالرغم من أنهم عاشوا أسوأ أيامه وتجاوزوها.

التفكير في المستقبل الدنيوي أمر طيب لكن لا يجب المبالغة فيه حتى يصل درجة الهوس والوسواس والتوتر، والشيء الذي نتفق عليه جميعا أنه لم يكن لأحد منا اختيار في إيجاد نفسه فالله أوجدنا وأعطانا كل هذه الصفات والقدرات التي نقدر على السعي معتمدين عليها فكما أعطانا هذه القدرات من غير حول منا ولا قوة فإننا نعيش في كنفه وحمايته وفي أسوأ الحالات سيموت الإنسان ويجد نفسه في نعيم الجنة إن هو أحسن عملا، وهذا مستقبل مضمون خلافا للمستقبل الدنيوي فقد يسعى الإنسان فيه ويكسب وقد لا يتمكن من تحقيق أهدافه، ومن وفقه الله إلى التفوق في الدنيا والآخرة فتلكم الغاية ولكن الفوز بالآخرة مع عدم الفوز بالدنيا أفضل بكثير من الفوز بالدنيا مع خسارة الآخرة وهذه حسبة عقلية منطقية دلت عليها النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، قال الله عز وجل ((ولدار الآخرة خير لو كانوا يعلمون)).

فليراجع كل منا ماضيه سيعلم أن كثيرا من الأشياء التي كان يحلم بالحصول عليها قد حصل عليها بالفعل لكن سرعان ما ينسى الإنسان الطموحات القديمة بسبب انشغاله بالطموحات الجديدة، ومهما بلغت نجاحاته فإن طموحاته لن تتوقف، وهذا أمر جميل يوصل الإنسان إلى النجاح ولكن يجب ألا يهتم ويغتم بكل صغيرة وكبيرة حتى يفسد مزاجه وحياته فإن ذلك قد ينغص عليه الفرح بنجاحاته وما حققه من طموحاته فيكون كالذي رزقه الله 99 نعمة فنسيها وذهب يفتش عن النعمة المفقودة يهتم ويغتم من أجلها.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

فكر ومجتمع وتأملات

الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية. 1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على…

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…