الجواب على سؤال أين كان الله قبل خلق المكان

#مقدمة: #فقه_الخلاف_وآدابه: هذا المقال يُراد منه تحرير الجواب على سؤال انتشر واشتهر بين الناس، واحترامي لجميع المسلمين بمختلف مدارسهم الفقهية والعقائدية لا يمنعني من إظهار ما أراه صوابا في المسألة، وحتى المدارس اللادينية التي أجزم بكفرها لا أجد أي منفعة في مناقشتها بطريقة همجية تنفّر الناس عن الحق الذي نريد دعوتهم إليه، وقد قال الله عز وجل لموسى وهارون ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى)) وقال الله ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم)) ففرق الله بين الكافر المسالم الذي يُدعى بالتي هي أحسن والكافر الظالم المعتدي الذي يُستثنى من الخطاب اللين، لأن اللين مع الظالم يُفهمُ ضعفا وخوارا، ولذلك أمكن قياس ذلك على المسلمين فيُجادل المسلم المحترم بالتي هي أحسن، أما من لم يحترم مخالفه وبدأه بالظلم والعدوان فيُستثنى من هذا الطرح، وفي موضوع الصفات والعقيدة بالذات يصعب علينا اتهام الناس باتباع الهوى، وذلك لأن هذه المواضيع ليس لها أي تأثير على ملذات الدنيا إلا في حالات نادرة، لذلك فالأرجح أن يكون المتكلمون فيها يريدون الحق سواء أصابوه أم أخطؤوه، وإني أتكلم بهذا الكلام رغم ثقتي التامة بصحة الطرح الذي أتبناه ويعلم الله أني لا أخاف في ذلك استنكارا ولا طعنا وإنما الغرض من مقالاتي نشر الفوائد والتركيز على فقه الخلاف فائدة من الفوائد أيضا، ولا أدعي لنفسي علما غاب عن غيري وإنما أقول ما في جعبتي وأحتسب أجري لله وأدعوه أن يتقبل مني، ولعلي أستطيع تقسيم مراتب الناس التي تعي فقه الخلاف إلى ثلاثة مستويات:

المستوى الأضعف: هو المستوى الذي يجعل صاحبه يطعن في مخالفيه دون أن يعذرهم بالتأويل ومحاولة الوصول إلى الحق أو يضع احتمال أن يكون هو المخطئ أو احتمال أن يكون مخالفوه افترقت طرقهم معه بسبب الألفاظ لا المعاني، فيقوم بتبديعهم أو تكفيرهم أو تضليلهم وهذا المستوى لا بد أن يتجاوزه عامة المسلمين فضلا عن المنشغلين بالعلم.

المستوى المتوسط: هو مستوى من بلغ به وعيه احترام مخالفيه لكنه يرى أن مقتضى الاحترام هو عدم الخوض في هذه المسائل أصلا، وقد يكون مضطرا لذلك بسبب تشنج بعض متابعيه وتحسسهم من هذه المسائل ويكون محقا في اجتنابه لهذا الطرح، لكن قبول الخلاف لا يعني أن نسكت عن المسألة فيه وإنما أن نتقبل الأقوال الأخرى رغم طرحها، مادام الجميع يريد بذلك رضى الله.

المستوى الأعلى: هو من يتقبل الخلاف ولا يتحسس من الخوض فيه دون أن يفقد احترامه للطرف المنازع له إن كان متحليا بآداب الخلاف غير متجاوز لحدوده، لأن صاحب العقل الأجوف يظن أن صراخه وسبه وشتمه سيضغط على الكاتب المخالف له ليدفعه إلى الانسحاب أو التراجع عن قوله، والواقع أن الذي يتأثر بمثل هذا النوع من الضغط إما أن يكون ضعيف الشخصية أو يكون حريصا على سمعته أكثر من حرصه على نشر الحق.

#تحرير_المقال: مكان الله غير مخلوق ومكان المخلوقات مخلوق لأن المكان صفة للشيء فمن كان مخلوقا كانت صفاته مخلوقة ومن لم يكن مخلوقا لم تكن صفاته مخلوقة.

كذلك وجود الله غير مخلوق لأن الله غير مخلوق وكلام الله غير مخلوق لأن الله غير مخلوق وحياة الله غير مخلوقة لأن الله غير مخلوق بينما وجود ومكان وحياة وكلام المخلوقات مخلوق لأن حكم الصفة يتبع حكم الموصوف والذات تساوي مجموع الصفات (لا تساوي الذات كل صفة بعينها بل تساوي مجموعها) فتجريد الذات من الصفات يجعلها عدما.

والله له مكان (حتى ولو لم يثبته لنفسه في القرآن) لأن الوجود أساسا يقتضي المكان.

يقول المخالفون في هذه القضية: (الله لا داخل العالم ولا خارج العالم) وذلك لأنهم نفوا المكان عن الله وعلموا أن كلمتي (الداخل، والخارج) تفيدان المكان ولأنهم جردوا الله عن المكان وعن كل صفة حسية (مما يلزمهم أن ليس في صفات الله أي صفة حسية فيكون الله نفسه غير حسّيٍ وبما أن كل صفاته معنوية عندهم فالله نفسه مجرد شيء معنويٍّ مثل مبدأ عدم التناقض أو قوانين الفيزياء) وقبل أن نبين وقوعهم في التناقض الذي توفرت فيه كل وحداته الثمانية نلزمهم بما أنكروه، فهم ينفون عن الله أن يكون له داخل وخارج كما ينفون أن يكون داخل أي شيء أو خارجه، ومع ذلك يقرون معنا أن الله موجود خارج الذهن "رغم أن الذهن شيء" فنقول لهم: إما أن يكون الذهن حسيا فتكونون بذلك قد أقررتم بوجود الله خارج شيءّ حسيٍّ ومعلوم أن الذهن جزء من سائر العالم "من المخلوقات" فتكونون بذلك قد أثبتتم المكان لله ووصفتموه أنه خارج شيءٍ حسيٍّ رغم قولكم مسبقا (ليس لله داخل وخارج) وإما أن تقولوا بأن الذهن شيءٌ معنويٍ غير حسيٍّ فنقول قد ناقضتم أنفسكم فجعلتم للشيء المعنوي خارجا (فقلتم الله خارج الذهن، فمعناه أن الذهن له خارج)، وإما أن تقولوا (الله والذهن كلاهما غير حسيٍّ وكلاهما معنوي) فنقول (وهل يمكن للشيء المعنوي أن يكون خارج شيءٍ معنويٍّ آخر في نفس الوقت الذي يكون وجود كلٍّ منهما حقيقيا ؟ فكيف نجمع بين كون الشيء معنويا وحقيقيا في آن واحد ؟

أما الإلزام الثاني: نقول لهم أليس معنى كلمة (خارج) يساوي (لا داخل) فيصبح قولكم (الله لا "داخل" العالم ولا "لا داخل" العالم) ومعلوم أن السالب ضرب السالب يساوي الموجب (لا لا داخل العالم = داخل العالم) فالنفي مرتان عبارة عن إثبات، فيصبح كلامهم (الله لا داخل العالم وداخل العالم في آن واحد) وهذا جمعٌ بين النقيضين.

لذلك فرفعهما للنقيضين ابتداءً ممتنع لأن رفع النقيضين هو جمع لهما مع تغيير الإشارة.

كذلك يقرّ المخالفون معنا أن الله موجود خارج الذهن

أما من النقل فقد أثبت الله لنفسه العلو وصفة العلو صفة جزئية بالنسبة لصفة المكان (فكل علو يكون مكانا وليس كل مكان يكون علوا) كما أن الحياة (جزئية بالنسبة لكلية الوجود فكل حي يكون موجودا وليس كل موجود يكون حيا) لذلك نستطيع إثبات المكان لله حتى ولو لم يرد إثباته لفظا في القرآن أو السنة كما استطعنا إثبات الوجود له رغم عدم ورود أي لفظ في الكتاب أو السنة يثبت الوجود لله (بهذا اللفظ).

فإن قيل (لكن الله أثبت لنفسه الحياة والحياة فرع عن الوجود) قلنا (كذلك أثبت لنفسه العلو والعلو فرع عن المكان) فلا يمكن إثبات العلو إلا بعد إثبات المكان كما لا يمكن إثبات الحياة إلا بعد إثبات الوجود.

ومن لا مكان له لا علوّ له، كما أنه من لا وجود له فلا حياة له.

كتبه #صهيب_بوزيدي

الجواب على سؤال أين كان الله قبل خلق المكان
شارك المقال:

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…