الاستغاثة ومبدأ التواطؤ في الصفات
من بين الأدلة التي نثبت بها وجود الله استدلالنا على وجوده بقاعدة مهمة [لماذا لم يخلقنا العدم ؟] لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعدم فاقد للوجود والحياة والعلم والصفات التي نتصف بها فكيف يعطينا صفات لا يملكها ؟ وبما أن الله قادرٌ على الإغاثة وإجابة الطلب كان قادرا من باب أولى أن يخلق من هو قادر على ذلك، إلا أن قدرة الله تامة وقدرة مخلوقاته ناقصة، كما أن صفات الله تامة وصفات مخلوقاته ناقصة ولكن من الذي وهب مخلوقاته تلك الصفات ؟
الواجب أن الله غير فاقد لتلك الصفات التي وهبنا إياها مما يقتضي وجوب وجود التواطؤ بين صفات الواهب والموهوب فالله معلّم القرآن لقوله تعالى ((الرحمن علم القرآن)) ومن البشر من هو معلّم للقرآن أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم ((خيركم من تعلّم القرآن وعلمه) لكن التواطؤ بينهنا من نوع المشكك وهو الاشتراك في الكلية مع التفاوت في قوّة الأفراد فالله تام مطلق والمخلوقات جميعا ناقصة. والله هو القائل ((ليس كمثله شيء)) لكنه أتم الآية بقوله ((وهو السميع البصير)) لكي لا يُتوهم من نفي التماثل نفي جنس التواطؤ وإنما نفى به التواطؤ الخاص الذي هو الاتحاد في الكلية مع التساوي في قوة الأفراد وهذا هو التماثل المنتفي المقصود، ومثاله لما تحدى الله الكفار بأن يأتوا بسورة من مثل القرآن لم يكن المقصود أن يأتوا بصورة تشبهه من حيث كلماتها العربية ولا حتى من حيث نظمها وإنما قصد التماثل الجامع بين بديع العبارات والنظم المنفرد والطرح العقلي الدال على العقيدة الإسلامية وما جاء القرآن في برهانه إضافة للتنبؤات الحاصلة والتشريع المثالي والحِكَم والعلم تأثيره في الشفاء وبقائه محفوظا بغير تحريف وعلوّه على سائر الكتب المقدسة إلى آخره، وكذلك قال الله ((فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)) فدل على أن المخلوق المسلم بأمر من الله يعلم هذه المعلومة والله من قبله يعلمها فعلمهما بنفس هذه المعلومة يسمى تواطؤا، ولكن الله علمها منذ الأزل والمخلوق علمها متأخرا، الله هو الذي شاء إن يعلمها المخلوق وهو الذي نقلها إليه والمخلوق نُقلت إليه بمشيئة من الخالق، الله يعلم حقيقة هذه المعلومة ويعلم كل شيء عن نفسه وغيره بينما المخلوق علمه ناقص عن نفسه فضلا عن نفس الله فضلا عن غيره وعلم الله عموما تام مطلق وعلم المخلوق ناقص.
ونفي جنس القدر المشترك يلزم منه نفي وجود الله وحياته وعلمه وقدرته لأن المخلوقات متصفة بهذه الصفات أيضا، ولكن نقول وجود الله تام ووجود المخلوقات ناقص وحياة الله تامة حياة المخلوقات ناقصة وعلم الله تام وعلم المخلوقات ناقص وقدرة الله تامة وقدرة المخلوقات ناقصة، وكما وقع الاشتراك في هذه الصفات يقع الاشتراك في غيرها من الصفات الإيجابية ويُنزّه الله عن الصفات السلبية كالعجز والمرض والموت والنسيان وكذلك يُنزّه عما حرمه على نفسه كالظلم.
والله الذي جعلنا لا نعلم كل شيء حتى عن أنفسنا فيمرض الإنسان ولا يعلم ما سر مرضه حتى يستعين بطبيب آخر وأجهزة الكشف هو الذي لا نحيط به علما وإنما ندرك منه بعض المفاهيم التي مكننا من إدراكها لذلك قال تعالى ((ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)) فنقدر على إثبات وجوده أمام الملحد ونقدر على معرفة بعض صفاته كما أخبر عن نفسه.
ليست لدي مشكلة في التأويل أصالةً ولكن إن كان له داعٍ [وجود القرينة الصارفة أو الدليل الصارف] أما التأويل بغير دليل أو التأويل بدليل وهمي لا حقيقة له فهذا لا أقتنع به حتى ولو كنت أحترم من يقتنع به.
والخلاصة: فإني أعتقد أن تصور المسلمين عن الله متشابه حتى ولو اختلفوا في التعبير عن ذلك، وكثير من المسلمين لا يلتزمون بمقتضيات ما يقرونه تنظيريا، فتكون المشكلة غالبا في الألفاظ وعدم فهم معانيها ولوازمها لا في التصور الحقيقي.
فحتى القائلون بالتجريد لا أتصورهم يعتبرون الله مجرد شيء معنوي وإنما في قرارة أذهانهم يتصورونه متعينا، والقائلون بأن صفة الإعانة والإغاثة مما اتصف بها الله فلا ينبغي لغيره أن يتصف بها وقعوا في مغالطة عدم التفرقة بين الصفة التامة والناقصة، بين الاستقلال والتبعية، لم يعلموا أن ذلك يناقض ما أقروه في سائر الصفات التي أثبتوا فيها التواطؤ بين الخالق والمخلوق ولم يعتبروه شركا، وكذلك وقعوا في مغالطة اعتقادهم أن كل فعل خارق يُنسب للمخلوق فهو من باب تأليهه وهذا غير صحيح، فالله خلق كثيرا من المخلوقات الخارقة وهم ليسوا بالآلهة وتخيلوا لو كانت هناك نملةٌ منعزلة عن البشر وكانت بعقلية إخواننا هؤلاء وقالت لها نملة أخرى إني رأيت كائنا عظيم الخلقة يقدر على الدوس علينا بإصبع واحد ويقدر لو يشاء أن يهبنا قمحا وشعيرا وخبزا وأكلا بالأطنان كما يقدر لو شاء أن يغرقك في السعادة ويجلب لك جيشا من النمل ولو شاء لطار بك من بلاد إلى بلاد وإنه يستطيع رؤية عدد كبير جدا من النمل في آن واحد، بل يرى نملتين تبعد كل منهما على الأخرى مسافة 30 متر ويقدر على تفجير كيلومترات من الأراضي، عندها ستقول لها تلك النملة، يا مشركة يا كافرة ألا تعلمين أن هذه من صفات الله وحده ؟
وذلك لأن تلك النملة ستعتقد بكل بساطة أن الله هو كائن نطاق قوته يبدأ بعد الارتفاع فوق قوة النمل بقليل فحسب، فنسبة الخوارق لأي كائن تعد عندها من الشرك والكفر والتأليه لذلك الكائن وبالمثال يتضح المقال، لو كشفت لنا قدرات جبريل مثلا بالتفاصيل لاعتبره كثير من الناس إلها، ويكفي أن يقطع مئات الملايير من السنوات الضوئية في أقل من ليلة واحدة، وهل يفعل هذا مجرد المخلوق ؟ نعم يفعله لأن الخالق التام هو المبدع التام قادر على خلق مخلوق خارق وفوق كل مخلوق خارق يخلقه يقدر على خلق مخلوق خارق يفوقه وتكون كل تلك المخلوقات مجردة عن صفة الألوهية رغم كل ذلك فالعظمة وحدها لا تدل على الألوهية إنما يدل عليها التمام المطلق بينما المخلوق ناقص
كتبه #صهيب_بوزيدي
