هل يستطيع العقل الوصول إلى معرفة الصفات
#لا_تخلطوا_بين_الكلي_والجزئي
#تفصيل_حول_موضوع_الكيف_مجهول.
هل يمكن البرهان على صفات الله "تحققا أو إمكانا" بالعقل أم لا ؟ تجد بعض المتناقضين هنا يمنعون ذلك بينما "كلامهم باطل وإلا لزم عجز المسلمين في مناظرة الملحدين" إن قيل نناظرهم في وجود الله لا في صفاته قلنا: وهل مشكلة الملحد في مجرد لفظ "الله" أم في الخالق التام في كل صفاته ؟ فالملحد لا ينكر جنس الخالق بدليل اعتباره للإنسان خالقا للسيارة وإنما ينكر الملحد الخالق المستحق للعبادة وهو التام في كل صفاته وقبل أن تثبت له التمام وجب عليك إثبات صفاته التي تريد وصفها بالتمام؛ فإن لم تفعل فإنك ستثبت له محض ذات مجردة بلا صفات "وهذا ما حاول الميتافيزيقيون فعله".
ثم بمجرد أم تثبت له وجود الله فإنك تثبته أزلي الحياة والوجود خالقا لكل شيء عالما بكل ما خلقه قادرا فاعلا وهكذا تستخرج كل صفة من صفة مثلها فبما أنه عليم تام فهو حكيم تام وبما أنه على كل شيء قدير فهو فعال لما يريد وبما أنه موجود في الحقيقة فكل موجودان إما متباينان أو متحايثان فإما أن يكون داخل العالم وإما أن يكون خارجه فبما أنه أكبر من العالم فلا يمكن أن يحيط الأصغر بالأكبر فيكون بداهة خارج العالم؛ ووصف الخارج هذا يشير إلى المكان والعلو المطلق إذ المحيط بالشيء عال على المحاط به وبما أن صفاته تامة والذات هي مجموع الصفات فذاته تامة أيضا؛ وحتى الصفات الخبرية والفعلية "فقد لا تعرف آحادها لكنك تعرف إمكان جنسها" فنعلم عقلا أن كل موجود لا يكون إلا ثلاثي الأبعاد ومنه "عقلا؛ يمكن أن يكون لله يدين وقدمين حتى ولو لم يرد النص فيهما فيمكننا معرفة إمكانهما عقلا" ثم النص يحدد لك المزيد من التفاصيل.
فبالنسبة للذات فكل صفة تعتبر من التفاصيل وكل صفة تكون كلية بالنسبة لجزئياتها ولتوضيح قضية الكلي والجزئي بدون حساسية نوضح المعنى في المخلوقات فنتحدث عن ذات رجل ما: الذات كلية؛ والوجه جزئية من الذات؛ فلما يكون الوجه هو الموضوع يصبح هو الكلية وتصبح العين هي الجزئية ولما تكون العين هي الموضوع تصبح العين هي الكلية وبؤبؤ العين جزئية وهكذا....
كذلك لما نتكلم عن جنس كلام فلان فيصبح موضوع الكلام هو الكلية وأما آحاد كلامه "هي الجزئيات".
ومعلوم أن الكيف متعلق بالجزئية؛ لذلك فقد يكون الكيف معلوما في كلية دون أخرى وفي جزئية دون أخرى.
ونفي الكيف عن جزئية معينة غير معلومة أمر طبيعي يوجد حتى في المخلوقات فلو أننا تحدثنا عن إنسان لا نعرف عنه شيئا فإننا نثبت له الكلي المشترك بين الناس لكننا سنجهل كيفية تفاصيله "لون بشرته؛ لو عينيه؛ مقياس طوله؛ وزنه؛ قوته" فهذه التفاصيل قد تكون مجهولة لدينا وقد نعلم بعضها دون بعضها الآخر فنعلم أنه ذكي من خلال قراءتنا لكتاباته لكننا لا نعلم لون بشرته فعلمه لا يدل على لونها فيكون الكيف معلوما في مسائل دون مسائل.
فعندما نقول: هذا الإنسان ثلاثي الأبعاد؛ فإن هذه الكلية لها جزئيات وهي اليد؛ القدم؛ العين إذ كلها تشترك في ثلاثية الأبعاد؛ فلما تكون اليد هي الموضوع نتحدث عن تفاصيل اليد؛ ومنه فإن قلنا إن لليد أبعادا لا نعلم كيفها فذلك معناه عدم معرفة بقيمة كل بعد من هذه الأبعاد فهنا نثبت مجرد الكلي لليد ونفوض الكيف "حتى في يد المخلوق الذي لم نعرف مقدار أبعاد يده"؛ لكن لو قيل لما إن حجم يد هذا الإنسان هي 5 سم أس 3 فعندها نقول قد علمنا كيفية اليد.
ومنه فمن الجهل الفاضح الخلط بين إعطاء قيمة معينة للأبعاد وبين إثبات مجرد الكلي منها؛ فيكون التكييف عندما تقول حجم هذه اليد هو كذا وكذا وطولها كذا وعرضها كذا؛ أما عندما تقول "لها حجم لا نعلم مقداره" فأين التكييف هنا ؟.
ثم قد نعرف بعض الكيف في بعض الصفات وذلك ليس ممتنعا لذاته فنقول "حياة فلان بدأت منذ ولادته سنة 1970 ومات سنة 2000" فنعلم أن حياته استمرت لثلاثين سنة.
هنا عندما نتكلم عن الله فلا يمكننا أن نقول مجيبين ب"لا نعلم" عن سؤال "ما هو مقدار حياة الله" لأننا لو قلنا "لا نعلم" فإننا نفترض إمكانية أن تكون حياة الله محدودة ولذلك يكون الجواب: مقدار حياة الله لا نهائي "منذ الأزلى إلى الأبد (أي أنه سرمدي)" فهنا بالنسبة لكلية الحياة فالمجيب عن هذا السؤال يكون قد دخل في بعض الكيف ودخولها هذا واجب.
كذلك في كلية كلام الله نحن نعلم بعض الكيف في بعض كلامه "فها هو القرآن أمامنا" وإن لم نعلم كيف قاله ولم نسمع صوت الله في نطقه إلا أننا علمنا كلماته وألفاظه وكثيرا من معانيه وعلمنا بذلك هو علم ببعض الكيف.
كذلك نعلم أن الله يعلم بأن "1 + 1 = 2" وهذه جزئية من علم الله نعلم كيفها ولو سئلنا كيف علم الله ذلك "فمن غير الممكن أن نقول له لا ندري متى علم وكيف تعلم لأن جوابا كهذا قد يؤدي بنا إلى الطعن في الله" بينما الصواب أن نقول " الله يعلم ذلك منذ الأزل" إذا فنحن نعلم بعض الكيف وهو "أن علم الله بها ليس حادثا بل أزلي".
ويوم القيامة يرى المؤمنون ربهم فيعلمون عنه من الكيف ما كانوا يجهلونه عنه الآن.
فقول الإمام مالك في جوابه عن "كيف استوى الله" فقال "والكيف مجهول" أو "والكيف غير معقول" لا يمكن إخراجه من سياقه ليصبح قاعدة في غير ما اعتبره الإمام مالك نفسه قاعدة فيه وذلك من عدة أوجه:
1 - المقصود بالسؤال "كيف استوى" يعني هل هو جالس أم واقف أم متكئ؛ وهذه هي كيفية الإستواء والتي لا يمكننا تحديدها بالعقل إذ العقل يعطينا مجرد احتمالات كلها ممكنة والله قادر عليها وأما المتحقق فهو ما أراد الله أن يجعله متحققا ونحن لا نعلم ما اختاره الله إلا إن أخبرنا هو بذلك سبحانه؛ وبما أنه لم يخبرنا فنحن لا نعرف الجواب؛ غضب الإمام مالك من هذا السؤال لأنه أولا لا يفيد صاحبه بشيء سوى مجرد الفضول؛ ثانيا: لأن معرفة كيفية الإستواء لا يتعلق بها رد شبهة ولا الانتصار لحقٍّ ولا التعبد بها كما أن الكلام فيها يكون على الله بغير علم.
2 - عندما قال الإمام مالك "الاستواء معلوم" أثبت العلم بالمعنى وهذا العلم بالمعنى هو علم بكيفية جزئية في الله؛ فذاك الكلي المشترك المعلوم بالنسبة لكلي أعم منه يكون جزئيا؛ فعندما يكون الموضوع هو الاستواء يكون هو الكلي وعندما تكون الذات هي الكلية فالاستواء يكون جزئية إذ لو لم يخبر الله بها لما علمنا تحققها ولأدخلناها فيما نجهله عن الله.
كذلك ثبت لله السمع فهل يسمع بأذن أم بغير أذن؟ بما أننا لا نعلم فإن هذا بالنسبة لنا صار موضوعا متعلقا بالكيف إذ يمكن السماع بأذن ويمكن السماع بغير أذن؛ لكن لو ورد نص صريح يثبت لله الأذن لأثبتناها وانتقلنا من القول بالتفويض فيها إلى الجزم بها.
فكل جزئي يكون الكيف فيه مجهولا ما لم يكن فيه قطع بالعقل أو النص أو الحس (هذا عام في كل الموجودات) وكل كلي يكون معلوم المعنى فهناك إدراك لكيفية الكلي منه؛ فنقول "لفلان كرة معينة" فنحن ندرك منها الكلي وهو ثلاثية الأبعاد والشكل الكروي ولكننا نجهل تفاصيلها فلا نعلم كم هي أبعادها بالذات ولا شكلها الكامل المتضمن لألوانها وربما التصاوير الموجودة على سطحها ومادة صنعها ...إلخ فهذه هي التفاصيل التي لا نعلمها.
فمن الخلط العجيب أن تجعل الكلي جزئيا والجزئي كليا ثك تبني كل أدلتك على ذلك وتظن أنك قد جئت بإلزام ليس عليه أي جواب.
كتبه #صهيب_بوزيدي.
