هل الإجماع حجة في غير الدين
(بقلم #صهيب_بوزيدي)
#الجواب_المختصر: لا يكون الإجماع حجة إلا في الدين وأما أمور الدنيا فلا يُحتجّ به.
#ملاحظة: قد كتبتُ المقال كعادتي "منذ آخر سنتين" بالهاتف دون مراجعة له فيُحتمل أن تكون فيه بعض السقطات المطبعية نظرا لطوله نوعا ما.
#الجواب_المفصل_وذلك_من_عدة_أوجه:
#الوجه_الأول: السنة وهي أعلى مرتبة من الإجماع ولا يُحتجّ بها في غير الدين إلا إن جزم النبي صلى الله عليه وسلم بها على أنها الحق من ربه.
والإجماع أقل مرتبة من السنة النبوية في التشريع فترتيب مصادر الشريعة (القرآن؛ السنة؛ الإجماع؛ القياس) والقرآن والسنة هما الأصلان الذي يتفرع عنهما الحكم المجمع عليه أو المقاس عليه؛ فإن كان أحد الأصلين لا يُحتج به في غير الدين فمن باب أولى ألا يكون الفرع عنه أقوى وأشمل حجية فيشمل ما لا يشمله الأول.
#الأدلة_على_جواز_الخروج_عن_السنة_ما_لم_يجزم_بها_في_أمور_الدنيا:
#الدليل_من_القرآن:
1 - قول الله ((عفا الله عنك لمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين))
2 - قول الله ((عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذّكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى فأنت له تصدى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى ))
3 - قول الله (( يا أيها النبي لمَ تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاتَ أزواجك والله غفور رحيم))
#الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يخطئ في طريقة الدعوة "ويسدده الوحي" وقد يحرم على نفسه "دنيويا" ما أحله له الله دينيا وينزل الوحي ليصحح له مع أنه لم يحرم ما أحل الله له "دينيا" بل يعلم حكمه ومنعه وحرمه على نفسه دنيويا.
ومنه وجب التفريق بين حجية السنة في الدين وفي غير الدين ما لم يكن قد جزم بها أو فصل فيها الوحي.
#الدليل_من_السنة: حديث تأبير النخل وأنقله بطرق ثلاثة وفي كل طريق منها شاهد والحادثة واحدة يمكن الجمع فيها بين كل الطرق التي رويت بها لتكتمل الدلالة فيها.
1 - في( صحيح مسلم 2361) وغيره:
((عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ : ( مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟ ) فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَهُ ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا ). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : ( إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ )))
2 - في (صحيح مسلم 2362) وغيره:
((عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : " قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ ، فَقَالَ : ( مَا تَصْنَعُونَ ؟ ) قَالُوا : كُنَّا نَصْنَعُهُ ، قَالَ : ( لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا ) ، فَتَرَكُوهُ ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ ، قَالَ : فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) قال عكرمة : أو نحو هذا )).
3 - في (صحيح مسلم 2363) وغيره:
((عن عائشة : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ : ( لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ) ، قَالَ : فَخَرَجَ شِيصًا ، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : ( مَا لِنَخْلِكُمْ ؟ ) قَالُوا : قُلْتَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ))).
#ملاحظة: "نص طرق الحديث الثلاثة مقتبس من موقع إسلام سؤال وجواب للشيخ صالح المنجد"
#الشاهد_الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرّق بين ما يُخبر به عن الله وما يخبر به من تلقاء نفسه البشرية "بالظن" فأمر بالأخذ بالأول (في الآخرة أو الدنيا) ولم يُلزِم بالثانية.
#الشاهد_الثاني: إن النبي صلى الله عليه وسلم فرّق بين ما أمر به في الدين وما أمر به من رأيه البشري.
#الشاهد_الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال للبشر غير المعصومين (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل نفسه حجة في الدنيا ما لم يكن كلامه وحيا من الله ونُفرق بين الوحي وغيره إن جزم النبي صلى الله عليه وسلم وألزَم به فهو وحي ولو كان حديثا فإن كان ظنا وقاله من عنده فهو غير وحي؛ أما في الدين فكل ما يقوله فهو وحي.
#الأدلة_على_أن_السنة_أرفع_مرتبة_من_الإجماع:
1 - قال الله: ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول))
فكان ذلك هو الأصل في الاحتجاج قبل الإجماع والأدلة الحاثة على اتباع السنة أقل من أن تحصى وكلها مقدمة على الإجماع ولا يكون الإجماع إلا بمستند له "مستند الإجماع" وهو الدليل الشرعي الذي اعتمد عليه العلماء في الإجماع إذ لا يمكن للإجماع أن يخرج عن نص الكتاب والسنة أبدا فهو بذلك فرع تابع لهما.
2 - قال الله ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا))
#الشاهد_منه: قدّم الله مشاققة الرسول على مشاققة إجماع المؤمنين فإن كان يجوز الخروج عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا فهو جائز من باب أولى في الإجماع.
#الدليل_بالإجماع_على_أن_السنة_تغني_عن_الإجماع:
قال الآمدي رحمه الله: "وإجماع الموجودين في زمن الوحي ، ليس بحجة في زمن الوحي ، بالإجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي صلى الله عليه وسلم" انتهى من الإحكام للآمدي (1/ 109)
#الشاهد_من_كلامه: أن النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أغنوا عن الإجماع فلذلك لم يكن يمكن الاحتجاج بالإجماع والنبي حي فهو يغنيهم عن الإجماع.
ومنه فإن كانت السنة نفسها "وهي الأصل الثاني في التشريع" لا يُحتج بها في أمور الدنيا ما لم يقع بها الجزم والقطع بالوحي فمن باب أولى ألا يُحتجّ بالإجماع الذي هو فرعٌ عن السنة؛ وإن كانت السنة التي تُغني عن الإجماع لا يُحتج بها في الدنيا بالتفصيل الذي ذكرته فمن باب أولى ألا يكون ذلك في الإجماع.
#تعذّر_الإجماع_بخلاف_سهولة_الوصول_إلى_السنة:
ورغم أن الإجماع حجة إلا أن تحققه متعذّر صعب وتكثُر فيه الدعاوى الباطلة المستندة على عدم العلم بوجود خلاف في المسألة وعدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه بخلاف السنة فيسهل الوصول إليها مما يدل على أن السنة عقلا مقدمة على الإجماع والوصول إليها أسهل من الوصول إلى الإجماع فما لم يمن لازما فيها فهو بالضرورة غير لازم للإجماع "وإن كان الإجماع متعذّرا في أمور الدين المقيدة بالكتاب والسنة فهو أولى بالتعذّر في أمور الدنيا والرأي والتخطيط والسياسية والحكم على العلوم الكونية والعقلية التي لا تتعلق بالدين ولا تصادمه" وهذه أقوال كبار الأئمة في تعذر الإجماع في الدين فكيف بما هو دون ذلك:
#الأول: قال الإمام الزركشي رحمه الله :((قال في رواية ابنه عبد الله : من ادعى الإجماع فقد كذب ، لعل الناسَ قد اختلفوا ، ولكن يقول : لا يعلم الناس اختلفوا إذ لم يبلغه قال أصحابه : وإنما قال هذا على جهة الورع ؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه ، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف ؛ لأن أحمد قد أطلق القول بصحة الإجماع في مواضع كثيرة..)) (البحر المحيط 6/45)
#الثاني: يقول الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله : (( دعوى الإجماع دعوى عسيرة الثبوت، لا سيما عند من يشترط في ذلك التنصيص من كل قائل من أهل الإجماع على الحكم ولا يكتفي بالثبوت، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ من ادعى الإجماع فقد كذب )). (شرح الإلمام 1/224).
#عدم_جواز_رد_السنة_بدعوى_الإجماع
قال ابن القيم: "وليس مراده – أي: الإمام أحمد – بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بُلُوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبين الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها". "مختصر الصواعق" (506).
#الشاهد_من_قوله: إن كان لم يجز رد السنة بدعوى الإجماع فهذا دليل على أن السنة أعلى مرتبة من الإجماع وما لم يكن لازما في السنة لن يكون لازما في الإجماع من باب أولى
فلو كان تحقق الإجماع أسهل من الوصول إلى السنة أو مستغنيا عنها لجاز للناس رد السنة بدعاوى الإجماع "وكل من أراد المخالفة يجمع مجموعة من أقوال الناس ويدعي الإجماع" ولكن كانت السنة مقدّمة على الإجماع فإن كانت السنة حجة في الدين دون الدنيا ما لم يرد جزم بها فالإجماع من باب أولى حجة في الدين دون الدنيا وإن كانت السنة التي يُعقد عليها الإجماع غير قطعية فيما أُجمِعَ عليه من الحكم على مسألة دنيوة فلا حجية في الإجماع من باب أولى.
ولو زعم الناس بأن الإجماع في مسألة دينية وكان رأيهم ظنيا وثبت بالقطع أن المسألة دنيوية فلا حجية في الإجماع.
#أمثلة_على_دعاوى_الإجماع_في_غير_أمر_الدين:
#المثال_الأول: لو نظرنا للعصور الفائتة فإننا نجد المسلمين اختلفوا في كون الأرض ذات سطح كروي "لا إقليدي" أم ذات سطحٍ مستوٍ "إقليدي" ولكننا لا نجد منهم من قال بأن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس والشمس تدور حول نجم أكبر منها أو حول الثقب الأسود وإنما نجدهم متفقين على أن الشمس هي التي تدور حول الأرض وهذه مسألة ظنوا أنها متعلقة بالدين وما كان استنتاجهم إلا ضربا من الظن فاستنتجوا من قول الله (والشمس تجري لمستقرٍّ لها) على أن الشمس هي التي تدور حول الأرض بينما لم تحدد في الآية جهة الجريان أتجري في خط مستقيم أم دائري؛ ألا يوجد غير الأرض تدور حول حوله الشمس أم يمكن أن تدور حول نجم آخر أو شيء آخر.
وكذلك ما اعتبروه شروقا وغروبا باعتبارنا نحن المعلم المقاس عليه جعلوه باعتبار معلم خارجي عن الجسمين (الشمس والأرض) وهذا لم يرد فيه أي دليل قطعي.
فهل يحتج بمثل هذا الاتفاق اليوم ؟ أم يقال بأنه اتفاق في مسألة دنيوية ظنوها أخروية ولعله قد كان في عصرهم من لم يوافقهم على هذه المسائل فعدم علمنا بوجود المخالف لا يعني العلم بعدمه فلا يُحتج بذلك في جميع الأحوال.
#المثال_الثاني:
دعوى اتفاق أهل السنة على أن الحق كان مع علي في شأت ما اختلف فيه مع معاوية وبيان هذه المغالطة من عدة جهات:
#الجهة_الأولى: كيف يحدث إجماع وقد تعذر وقوعه في عصر الصحابة المعنيين بالأمر وقد ذهب بعضهم لاعتزال الفتنة وبعضهم الآخر لترجيح كفة علي وبعضهم لترجيح كفة معاوية وكان المعتزلون مئات الآلاف وأصحاب علي مئات الآلاف وأصحاب معاوية مئات الآلاف؛ فإن تعذر الإجماع في عصر الصحابة وهم الأعلم بالحق ممن جاء بعدهم وهم الذين شهدوا الوقعة عيانا دون مشاكل الروايات وضعف أو صحة الأسانيد وكثرة الطرق وغير ذلك فكيف يمكن أن يتحقق الإجماع عند من جاء بعدهم؟
والنصوص النبوية التي استدلَّ بها على أن الحق مع علي لم تكن قطعية الدلالة وقد تحدثتُ عن دلالتها في مقالات سابقة ولكن موضع الاحتجاج هنا "أن أطراف النزاع لم يجمعوا على دلالتها" والأقوى من ذلك إن معتزلي الفتنة من الصحابة لم تترجح عندهم طائفة دون أخرى حتى بعد سماعهم لهذه النصوص فإن لم تكن هذه النصوص قطعية الدلالة عند الصحابة ومن كان معهم فكيف صارت قطعية عند من هو دون علمهم وفضلهم "ولم ير الوقعة رأي العين مثلهم".
#الجهة_الثانية: كيف يُزعم وقوع الإجماع من بعد الصحابة في نفس الوقت الذي يدعي مبغضو معاوية أن عليا كان يُسبّ على منابر بني أمية؟ "هذا خاص بالشيعة بكل فرقهم".
أما أهل السنة فيعلمون أن الدولة الأموية كانت ماضية على حب معاوية واعطائه الأولوية فمتى انعقد الإجماع وقد كانت الدولة الأموية ترى الحق مع معاوية وقد استمرت قرونا في المشرق ولما سقطت قامت في الأندلس واستمرت على نفس المنهج.
#الجهة_الثالثة: حتى في زمن الدولة العباسية كان أهل الشام يحبون معاوية بل يبالغون في حبه وقد قدم عليهم الإمام النسائي فألف في فضائل علي رضي الله عنه ليوازي الكفة عندهم فطلبوا منه تحديثهم بفضائل معاوية؛ وهو يراهم أساسا غلاة فيه لا يحتاجون لمزيد من الجرعات وقد ثبت عنه الدفاع عن معاوية وحبه وحب الصحابة جميعا لكن عندما رأى الغلو فيهم ذكر ما رأوه منقصة في معاوية فقال (وهل أحدثكم بلا أشبع الله بطنه) فطعنوه حتى قتلوه "قبحهم الله وقبّح ما فعلوه".
أما حديث لا أشبع الله بطنه فيحمل كما حمل حديث "ثكلتك أمك يا معاذ" فهل يفهم منه الدعاء على معاذ بالموت أم هو ما يجري على ألسنة الناس جميعا وقد أرسل في طلب صديق لي فيقول أخوه بأنه نائم فأقول "لا أقامه الله" ولا أعني بذلك دعاء السوء ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليظلم أحدا فهو عندما أرسل إليه ابن عباس ووجده يأكل لم يخبره ابن عباس بأن النبي يطلبه وإنما رآه يأكل فلم يشأ أن يقطع عليه أكله فرجع للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وكذا فعل في الثانية "تماما كما لم يخبر الأخ الذي أرسلته لأخيه ليوقظه بأني أطلبه وإنما وجده نائما فلم يشأ قطع نومه عليه" ولو كان يُستدل بمثل هذا لكان الأولى الاستدلال بقول العباس عن علي بن أبي طالب بأنه "الكاذب الآثم الغادر الخائن" كما ورد في الصحيحين ولكن هذا من الكلام الذي يصدر من النفس البشرية ولا تقوم به الحجة الدينية.
والشاهد في القصة: إن الذين قتلوا النسائي حمية لمعاوية كانوا أيام الدولة العباسية بعد انقضاء حكم الدولة الأموية مما يدل على قناعتهم بذلك دون ترهيب من الأمويين الذين قد ذهب ملكهم في الشام آنذاك والشاهد الأقوى أن الرواية ذكرت أهل الشام مما يدل على أن أهل الشام جميعا أو معظمهم كانوا يوالون معاوية وإن غلا بعضهم لدرجة قتل النسائي اذي استفزهم في ما رأوه استنقاصا من معاوية فإن فعل هذه الفئة لم يكن ليمثل كل أهل الشام.
#الجهة_الرابعة: كيف يزعم زاعم الإجماع على أن الحق مع علي وهم الذين صنفوا كل من قال بأن الحق مع معاوية في خانة النواصب فهل أجمع من سموهم بالنواصب على أن الحق مع علي أيضا أم أنهم غير داخلين في الأمة الإسلامية فضلا عن أهل السنة؟ وهل كل من يحب معاوية ويرى الحق معه يصبح ناصبيا وإن ترضى عن علي ؟
لو كانت القسمة بهذا الشكل فما أسهل أن يُصنف الطرف الآخر كل من قال بأن الحق مع علي في جهة الشيعة والروافض ثم يخرجهم عن الأمة ويكتفي بإجماع "من يسمون بالنواصب".
وفي هذه المسألة مغالطة الدور السبقي القبلي الممتنع التي يستعملها المداخلة فيقولون (هات لنا عالما واحدا معتبرا يطعن في ربيع) فلما تأتيهم بعالم يطعن في ربيع تجدهم يقولون (هذا مبتدع لا نقبل كلامه) ثم يقولون (أجمع العلماء على عدم الطعن في ربيع) وليت شعري لو كان الأمر كذلك فما أسهل أن يقول لهم الروافض (هاتوا لنا عالما واحدا يطعن في الخميني) فإن جاؤوا به قالوا هذا ليس معتبرا عندنا ثم قالوا أجمعت الأمة على حب الخميني ثم يلزمونك بهذا الإجماع.
#الجهة_الخامسة: إن العلماء الذين اشتهر عنهم جعل علي أولى بالحق من معاوية أنفسهم اختلفوا أعلي أولى بالحق من المعتزلين للفتنة أم المعتزلون لها أولى بالحق من علي فأين هذا الإجماع الذي يدعون؟ فلو كان في الأمر نص قطعي لما اختلفوا بين المعتزلين للفتنة والمشاركين فيها.
ومن الغرائب أن يُحتج بقول ابن عمر بأنه ود لو شارك مع علي في الحرب وترك بقية المعتزلين الذين لم يتراجعوا عن موقفهم؛ فهل يحتج بقول صحابي واحد ويُترك الآلاف منهم ويضرب بهم عرض الحائط؟ بل هل يعقل أن يحتج بقول ابن عمر على من لم يلتزم برأي علي نفسه وهو أفضل من ابن عمر وأيقن من موقفه منه أفيترك المتيقن ويستدل بمن ذهب بين قولين يخالف أحدهما الآخر؟
ثم هل تغييره لموقفه يدل على تغير الحق بتغيير رأيه؟ فقد يكون الحق معه في موقفه الأول دون الثاني وقد لا يكون الحق لا في موقفه الأول ولا الثاني ويكون مع معاوية ومعه صحابة آخرون.
#الجهة_السادسة: لو سلمنا جدلا بعدم علمنا لمخالفين في المسألة فهل ننزل عن قطعية علمنا بوقوع اختلاف بين الصحابة إلى ظنية الإجماع لمجرد عدم العلم بوجود مخالف؟ وعدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه والإجماع الذي يحتج به هو إجماع علماء الأمة جميعا لا المشهورين منهم فحسب.
#الجهة_السابعة: هل يحتج بالإجماع في مسألة سياسية استراتيجية الخلاف فيها غير متعلق بالدين وإنما بترجيح كفة بشرية على كفة أخرى وكلاهما من الصحابة.
كتبه صهيب بوزيدي.
