مناظرة افتراضية حول فهم التوحيد والشرك والعبادة

#مقدمة:

هذا حوار افتراضي وبعض أقواله مقتبسة من ردود حقيقية لإخوة حاورتهم حول مفهوم العبادة والشرك، اخترت أجوده ولأني حاولت الدفاع عن القولين بكل قوة اخترت للطرف المخالف لي في هذه النقطة أجود ما عنده "وأضفت له من حججي التي في صالحه أقواها" ثم ناقشت هذه الأقوال بحيث لا أترك فيها ثغرة إلا وناقشتها فمن وجد ممن قد يخالف في هذه المسألة قولا أقوى مما ذكرته فليقله في موضعه مثلا (في الجولة رقم كذا في الرقم كذا رددت بدل المخالف بالرد كذا وعندي رد أحسن مما اخترته له وهو كذا وكذا) فبهذه الطريقة المنظمة أستطيع التجاوب مع الردود ومناقشتها، أما أن يأتي المعلق الكريم فيترك كل النقاش ليتكلم كلاما مجملا أو يكرر ما تعود على تكراره مما قد أكون ذكرته بنفسي ورددت عليه أو يحكم بحكم عام مجرد عن أي دليل فما هكذا يكون النقاش.

#المحور_الأول: مفهوم الشرك

1 - قلت: متى نعتبر الفعل أو القول شركا بالله ؟

- قال: قد يكون الشرك في الربوبية وقد يكون في الألوهية وقد يكون في الأسماء والصفات.

2 - قلت: أليست الألوهية والربوبية من صفات الله أيضا ؟ ذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ونحن إن أردنا وصف الله قلنا "سميع، بصير، عليم، رحيم....إلخ" ثم نقول "وهو إله أي أنه مستحق للعبادة" ونصفه بالرب أي أنه السيد أو الموجد أو المؤثر فهذه أيضا صفات كما هي صفة الخالق والرازق.

- قال: لكن العلماء قسّموها إلى ثلاثة أقسام فلماذا تريد إعادة تقسيمها ؟

3 - قلت: لا مشكلة عندي في الترتيب ولا التقسيم ولا الاصطلاح كما أن هذا التقسيم اشتهر به شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ به أتباعه لكنه ليس تقسيما مجمعا عليه عند الأمة الإسلامية إلا إن كنتم تخرجون كل مخالفيكم منها ولا أظن العاقل منكم يفعل ذلك.

- قال: هل تقصد خلاف الصوفية والأشاعرة والماتريدية لنا ؟ فخلافهم غير معتبر والعبرة بالعلماء المعتبرين

4 - قلت: إن ما تقولونه لم يقله حتى شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه فمن قرأ كتبه يعلم أنه كان إذا ادعى الإجماع في مسألة لم يقل (ونخرج من الإجماع الأشاعرة لأن خلافهم غير معتبر) بل إن الإمام ابن تيمية كان في خلافه مع الأشاعرة يحترم علماءهم ورموزهم حتى وإن خالفهم ويعدّهم من أهل الإثبات وما كان بإمكانه فعل غير ذلك لأنهم كانوا أكثرية المسلمين في عصره وكان ابن تيمية هو المتفرد بمخالفتهم أو لنقل هو رأس المخالفين لهم في عصره وكانت القوة أيضا في يد الأشاعرة لذلك لجأ الغلاة منهم إلى السلطان لقمع ابن تيمية بالسجن، ومع ذلك فقد جاهد ابن تيمية معهم ضد العدو من المغول والتتار فطبّق عمليا قاعدة (نتعاون على ما اتفقنا فيه "مجاهدة التتار" ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) وكان يعذر مخالفيه حتى في المسائل التي يراها شركا فيعمل بقاعدة (ليس كل من وقع في الكفر وقع عليه إنما لابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع) لذلك كان يبرئ حتى عوام الإسماعيلية من الكفر فضلا عن الشيعة الإثناعشرية وهؤلاء عندهم ما عند الصوفية وزيادة مما يعتبره ابن تيمية شركا وبدعا.

- قال: بعيدا عن كل هذا، نحن نتفق على أن الشرك قد يكون في الألوهية وقد يكون في الربوبية وقد يكون في الأسماء والصفات.

5 - قلت: لنضبط كلامك نقول (وقد يكون في سائر الأسماء والصفات) لأن الإله والرب من الأسماء والصفات، فالشرك قد يكون في صفة الإله أو الرب أو العليم أو القدير أو السميع أو البصير أو العليّ أو الكريم فكل من لدعى أن لبشر ما صفة مماثلة للصفة الله فقد أشرك بالله في تلك الصفة، فمن يدعي أن علم مخلوق ما مساوٍ لعلم الله أو مستقل عنه فقد أشرك به في صفة العلم ومن يدعي أن قدرة مخلوق ما مساوية لقدرة الله أو مستقلة عن الله فقد أشرك به فيها وكذلك من اعتقد أن سيادة رجل ما مساوية لسيادة الله أو مستقلة عنها فقد أشرك به فيها.

- قال: بقي أن تقول "من قال إن ألوهية شخص ما مساوية لألوهية الله أو مستقلة عنها فقد أشرك به" هل ستجيز الألوهية لغير الله إن لم تكن مساوية لألوهيته ؟

6 - قلت: الإله هو الله فقط، لا إله غيره

- قال: إذًا فقد نقضت مبدأك الذي عرّفت به الشرك

7 - قلت: لا لم أنقضه، إنما لو شرحنا كلمة الإله لفهمتَ أنه لا يمكن أن تكون ألوهية أقل من ألوهية أخرى، وقبل الدخول في معنى الإله فهمنا أن الشرك بالله إما أن يكون بعبادة غير الله وإما أن يكون بمماثلة أحد مخلوقاته له في أي صفة له وذلك بجعل ذلك المخلوق مساويا لله في تلك الصفة أو مستقلا بها عن الله كأن يكون مساويا له في العلم أو مستقلا بعلمه عن الله، أو يكون مساويا له في الخلق أو مستقلا بما يخلق عن الله، أما إن قلنا إن فلانا له علم وهو مما علمه الله له وعلمه مقارنة بعلم الله لا يكاد يساوي شيئا فهذا لا يعد شركا، كذلك لما قال الله على لسان عيسى عليه السلام ((أني أخلق لكم كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)) فبالرغم من أن هذه الأفعال جميعا يفعلها الله إلا أنه بمشيئته وهب عيسى عليه السلام القدرة على فعل جزء منها دون أن يكون فعله مساويا لقوة الله ولا مستقلا عنه لأنه استمد قدرته على ذلك من عند الله أصلا حتى يبرهن للناس نبوته.

وهنا نرجع مجددا لتعريف الإله فما هو تعريفه ؟

#المحور_الثاني: تعريف الألوهية والعبادة

- قال: الإله هو المعبود بحق أو بتعبير آخر: "المستحق للعبادة"

8 - قلت: إذًا فالإله هو المستحق للعبادة، والعبادة هي الخضوع والحمد والخوف والرجاء والحب التام المطلق للمعبود، ولا شك أن الخضوع النسبي الناقص ليس عبادة فقد يخضع السجين للسجان والجندي لقائده والموظف لمديره خصوعا نسبيا رغما عنه ولا يكون في ذلك أي عبادة، بل إن المسلمين مأمورون بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك عبادة له وكذلك الحمد والشكر النسبي يجوز لغير الله بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) فالشكر لله يكون تاما مطلقا ومن كان لئيما يأبى أن يتنازل بما هو حق فيشكر الناس "الشكر النسبي" فكيف له أن يشكر الشكر التام المطلق ؟ وكذلك الخوف والرجاء فقد يخاف المخلوق من الأسلحة أو الحيوانات المفترسة أو غيرها من الأمور الدنيوية فيخاف غير الله خوفا نسبيا لكن الخوف التام المطلق لا يكون إلا لله ومثله قد يترجى الإنسان مخلوقا من أجل تحقيق منفعة له أو دفع مضرة كأن يترجى الأسير سجّانه أن يطلقه أو يطعمه عند الاضطرار فلا يكون بذلك عابدا له أما الرجاء والخوف المطلق فلا يُصرف إلا لله ومثله الحب قد يحب المخلوق مخلوقا آخر ولا يكون بالضرورة عابدا له فيكون حبه له نسبيا مهما علت قيمته، لكن يجب أن يكون الحب التام المطلق لله عز وجل.

- قال: من أين أتيت بهذا التعريف ؟

9 - قلت: حاول نقض التعريف وأعطني حالة عبادة تخرج عن هذا التعريف، وهات لي في المقابل تعريفك الذي ترتضيه ؟

- قال: العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه من قول أو عمل.

10 - قلت: أخي الفاضل، أنا لم أسألك عن تعريف "عبادة الله" أنا سألتك عن تعريف العبادة المجرد وبعد معرفة التعريف نضيف إليها الله فنفهم تعريف عبادة الله ونضيف إليها غير الله لنفهم معنى عبادة غير الله (وهي الشرك) فنحذره، وبما أن أصل النقاش هدفه تعريف العبادة حتى نصرفها لله ولا نصرفها لغيره فلا بد من تعريف العبادة مجردة أولا ثم نأتي للإضافة، فعند التعريف استبدل كلمة الله بكلمة المعبود، فإن كان المعبود هو الله كان حقا وإن كان المعبود غير الله كان شركا.

- قال: طيب، العبادة هي كل ما يرضاه المعبود ويحبه من قول أو فعل.

11 - قلت: هل ترضى لو أعطيتك مالا ؟ وهل تحب ذلك مني ؟

- قال: نعم

12 - قلت: هل أكون بذلك قد عبدتك ؟ فأنت هنا رضيت مني هذا العمل وأحببته وحسب تعريفك فالعبادة كل ما يُرضي من قول أو عمل.

- قال: لكنك لم تنوِ العبادة هنا، عند قولنا ما يرضاه المعبود أي أن تُقدّم هذه الأعمال أو الأقوال بنية العبادة.

13 - قلت: إذًا فأنت تقر معي أن العبادة لا يمكن أن تكون بغير نيّة العبادة حتى ولو كان التصرف داخلا في تعريف العبادة حسب قولك ؟

- قال: نعم لابد من النية.

14 - قلت له: ويؤكد على ذلك حديث "إنما الأعمال بالنيات" والذي فرّق فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين من فعل نفس الفعل (الهجرة من مكة إلى المدينة) فكان هناك من قصد به العبادة فاحتسب عبادة له وهناك من قصد به مجرد الدنيا أو لامرأة ينكحها فكان العمل تابعا لقصده ولم يكن عبادة.

ونحن نتكلم عن أصل العبادة بغض النظر عن تحديد ماهية المعبود، فإن كانت نية العبادة مشترطة فإن عبادة الله يُشترط فيها النية وكذلك عبادة غير الله يشترط فيها النية، وإن كانت النية غير مشترطة لزمك أن تكون عبادة الله غير مشترط فيها النية أيضا وهو ما يخالف نص الحديث.

- قال نعم، لا بد من اشتراط النية.

15 - قلت: هل المسلمون الذين تتهمهم بالشرك وعبادة غير الله عندهم نية العبادة لغير الله ؟

- قال: ليست عندهم هذه النية، ولكن العمل الفاسد لا تصلحه النية الصالحة.

16 - قلت: قد نقضت ما أقررتَه في النقطتين (13 و14) عندما سلّمت لي أنه لا تتم العبادة إلا بالنية، وهنا نرجع لتعريفك الأول (العبادة ما يرضاه المعبود من قول أو عمل ويحبه) فهل بمجرد أن أقول لك أو أفعل معك ما ترضاه وتحبه أكون قد عبدتك ؟

- قال: حسنا، أسحب كلامي السابق، وأستبدل التعريف الذي جئتك به، لنسلّم جدلا بصحة تعريفك الذي قلت فيه ((العبادة هي الخضوع والحمد والحب والخوف والرجاء التام المطلق للمعبود)) ما هي النتيجة التي تريد الوصول إليها ؟

17 - قلت: حسب هذا التعريف فإن الذي يخضع خضوعا نسبيا لغير الله لا يكون عابدا له سواء كان غير الله ذاك حيا أو ميتا أو جمادا وكذلك في الحب والرجاء والخوف.

- قال: قد أسلّم لك بصحة قولك في الحي دون الميت

18- قلت: ولماذا استثنيت الميت ؟ إن التعريف يشمله وأنت سلّمت بصحته فإن كنت تستثني الميت فعليك أن تأتيني بتعريف آخر بدل التسليم به ثم نقضه

- قال: حسنا سنجع قيدا في تعريفك فيكون بهذا الشكل (العبادة هي الخضوع والحمد والخوف والرجاء التام المطلق للمعبود إن كان حيا وهي الخضوع والحمد والخوف والرجاء للميت ولو كان نسبيا).

19 - قلت: أليس النبي صلى الله عليه وسلم ميتا ؟ أولستَ تحبه فهل تكون قد عبدته وِفق تعريفك ؟

- قال: دعنا من تعريفك كله فهو باطل

20 - قلت: أعطني تعريفك الصحيح وبين بطلان تعريفي.

#المحور_الثالث: حول تعريف الدعاء

- قال: تعريفي: العبادة هي دعاء غير الله، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم (الدعاء هو العبادة).

21 - قلت: وما هو تعريفك للدعاء ؟

- قال: الدعاء هو النداء فكل من تناديه ب (يا) النداء فقد عبدته.

22 - قلت: ذاك هو الدعاء لغة بمعنى النداء وليس هو المقصود في قول النبي صلى الله عليه وسلم (الدعاء هو العبادة) إنما قصد الدعاء بالمعنى الشرعي لا اللغوي

- قال: هذا تأويل من عندك وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم قال (الدعاء هو العبادة) ولم يفصّل تفصيلك

23 - قد قال الله ((قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي)) فهل عبد الله إبليسَ لما استعمل معه أداة النداء (يا) وقال أيضا ((وقال يا آدم أنبئهم بأسمائهم)) فهل عبد الله آدم ؟

- قال: حاشَ لله.

24 - قلت: أليس هذا تعريفك ؟ إذًا ينبغي عليك تغيير تعريفك للدعاء الذي يكون عبادة.

- قال: الدعاء يكون عبادة لما يكون نداءً مقترنا بالاستغاثة.

25 - قلت: إذًا لو أن حريقا أحاط بك واستغثت بمن ينقذك من الناس أو كنت غريقا واستغثت بالناس أغيثوني أنقذوني أفتكون بذلك قد عبدتَهم ؟ لأن ذلك ينطبق على تعريفك فقد استعملت يا (النداء) وقرنتها بالاستغاثة.

- قال: تجوز الاستغاثة بالحي دون الميت.

26 - قلت: يا أخي الكريم أنا لستُ أستفتيك هنا لتعطيني مثل هذا الجواب، أنا أسألك عن تعريفك للعبادة فأنت عرفتها بالدعاء فسألتك عن تعريف الدعاء فعرفته لي بما سبق في النقطة (24) فنقضتُ تعريفك في النقطة (25) فهل عندك تعريف جديد للدعاء لنناقشه ؟

- قال: (الدعاء هو النداء الموجه للميت مقترنا بالاستغاثة) وبهذا التعريف أخرجنا الحي فلم يعد ملزما لنا في التعريف.

27 - قلت: ما شاء الله، إذًا فقد أخرجت الله من أوسع الأبواب من التعريف، فحسب تعريفك (الدعاء هو النداء الموجه للميت مقترنا بالاستغاثة) فهل الله حي أم ميت ؟ وهو القائل ((وتوكل على الحي الذي لا يموت)) وقال ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم)) فإن كان الدعاء هو ما يوجه فقط للميت فمعناه أنك لو ناديت الله مستغيثا به فإنك لا تكون قد عبدته أيضا.

- قال: أوليس اعتبارك أن مجرد النداء والاستغاثة لا يعني الدعاء ولا العبادة فيلزمك أيضا أن نداءك الله واستغاثتك به ليست دعاءً فما هو الدعاء عندك ؟

28 - قلت: يبدو أنك نسيت أني أعطيتك تعريفي للعبادة وهي ((الخضوع والحمد والحب والخوف والرجاء التام المطلق)) والدعاء الذي يكون عبادة هو الرجاء التام المطلق لا النسبي، ومنه فإن الفرق بين ما ألزمتك به وما حاولت إلزامي به في موضوع التمام والنقصان، الإطلاق والنسبية، النية وعدم النية.

- قال: وهل يستطيع كل المسلمين الالتزام بالخضوع المطلق لله ؟ أليس المسلم معرضا للخطأ والوقوع في المعصية ؟ أليست المعصية نقيض الخضوع والطاعة ؟ أفيكون من عصا الله عندك كافرا ؟ كذلك قد لا يستشعر كل المسلمين الحب التام لله حقيقة في قلوبهم فهل يكفرون بذلك ؟ وكل المسلمين يقصّرون في حمد ربهم وحمدهم مهما فعلوا فهو محدود فهل يكونون بذلك غير عابدين لله؟

29 - قلت: لذلك قلت إنه لابد من التركيز على موضوع النية والاعتقاد، فإن الأصل في تعريفنا للإله هو (المستحق للعبادة) وتعريفنا للعبادة هو (الخضوع والحب والحمد والرجاء والخوف والحب التام المطلق) فبجمع العبارتين وتعويضهما مكان الكلمتين يصبح تعريف الإله هو (المستحق للخضوع والحب والحمد والرجاء والخوف التام المطلق).

فإن أقرّ المسلم بأنه لا إله إلا الله فإنه يقرّ بأنه لا مستحق لذاك الخضوع التام المطلق إلا الله وهذا لا يكون إلا بنيّة واعتقاد، وبعدها إن قصّر في العمل فإنه مقرّ بتقصيره فيعوض تقصيره بالخضوع بما ينوب عنه من الخوف وهو داخل في التعريف فيستغفر الله ويطلب عفوه راجيا بذلك مغفرته والرجاء داخل في التعريف أيضا، لذلك فإن النقطة المفصلية هنا متعلقة باستحقاق العبادة فالله هو المستحق للعبادة سواء عُبد كما يستحق أم لم يُعبد فإن مجرد الإقرار بذلك هو الإيمان.

كما أن الصفة من حيث هي لا تقتضي أن يكون الله هو المعبود وإنما أن يكون المستحق للعبادة وإلا فكثير من الناس لا يعبدون الله أصلا ويرفضون الخضوع له وذلك لا يضره بشيء وإنما يضرهم لأن الله غنيّ عن عبادتهم.

ولذلك فإن صفة الإله لله تكون على وجه التمام المطلق كما هي سائر صفاته وتمامه لا يمكن لبشرٍ أن يؤثر فيه فينقص منه، لذلك فالله إله تام سواء عبده الناس أم لم يعبدوه فهو مستحق للعبادة سواء عبدوه أم لم يعبدوه وهو أيضا مستحق للخضوع التام سواء خضعوا له أم لا، لذلك كان الإيمان بالشهادة لله بأنه الإله الوحيد أي المستحق الوحيد للعبادة، أي المستحق الوحيد للخضوع التام المطلق وهذا يكفي المؤمن فيما طُلب منه حتى ولو لم يلتزم بكل ما أقرّه عمليا إما لتقصيرٍ أو غير ذلك، ثم كلما كان ملتزما بما أقر به كلما كانت درجته في الإيمان والإسلام أعلى حيث وافق الفعل الاعتقاد والقول وهذا مبحث تحريره في موضوع مسمى الإيمان ولا أظنك تخالف في هذه كلها.

#المحور_الرابع: حول الاستغاثة بغير الله

- قال: هل أفهم من كلامك أن استغاثة الحي بالميت ليست شركا في العبادة عندك إلا إن كانت مصحوبة بالخضوع أو الحب أو الحمد أو الخوف أو الرجاء التام المطلق للمستغاث به ؟ فلا تكون أيضا شركا في القدرة على الإغاثة إلا إن اعتقد أنه مساوٍ لله في تلك الصفة أو مستقلا عنه ؟

30- نعم فهمك لكلامي صحيح ولا فرق بين الحي والميت هنا إن اتفقنا على تعريف العبادة مع أني أرى أن الاستغاثة بالأموات إن أريد بها أنها طريقة في العبادة فهي بدعة دون الشرك وإن أريد بها غير العبادة فهي خرافة إذ لا دليل على أن أولئك الأموات يقدرون على الإغاثة، ثم لماذا أراك تركز على الميت دون الحي ؟ ألا تخاف على الناس الوقوع في عبادة الأحياء ؟

- قال: إن الناس تعودوا على عبادة الأصنام والأموات أما الأحياء فلا يوجد من يعبدهم

31 - قلت: ألم يُعبد فرعون والنمرود من دون الله ؟ قال الله عز وجل عن فرعون ((ثم حشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى)) وقال عن النمرود ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))

- قال: كان هؤلاء يدّعون الربوبية وأمرهم واضح أما نقاشنا ففي الألوهية

32 - قلت: قد قال الله ((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)) فها قد اتخذ الناس عيسى وأمه إلهين وقد كان حيا فماذا تقول؟

- قال: أما عيسى فيعتقد النصارى ربوبيته ويجعلونه مع الله والروح القدس ثالث ثلاثة

33 - قلت: فماذا عن أمه مريم ؟ ثم إنه لا يمكن أن يختل مفهوم الألوهية إلا باختلال مفهوم الربوبية، فالمشرك في الألوهية حتى ولو زعم التوحيد في الربوبية فإنه يخل بتوحيده فهو يعتقد أن الله غير تام في ذاته لذلك استثنى من صفاته الألوهية فجعله غير تام فيها يوم قسّم عبادته بينه وبين غيره فصار الله عنده مستحقا لبعض العبادة لا للعبادة كلها فيحمد الحمد المطلق لغير الله فعلى أي أساس استحق ذاك المحمود ذلك من غير الله لو لم يكن يعتقد أنه نفعه بشيء من غير إذن الله وإلا فلو كان يرى أن الله هو المسبب الأول لكل شيء لما صرف لغيره الحمد المطلق وإنما كان يكفيه الحمد النسبي وذلك لأن الله صاحب الفضل الأول فيما فعله غير الله لذاك العابد.

وهنا أريد تكرار السؤال (لماذا الاستغاثة بغير الله شرك عندك في الأموات دون الأحياء ؟) إن كانت الاستغاثة بغير الله عبادة فلا يجوز صرف العبادة لا للحي ولا للميت ولا للجماد من دون الله وإن لم تكن عبادة في ذاتها فهي ليست لذاتها عبادة سواء كانت للميت أم الحي.

- قال: يوجد تفصيل في هذا: الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه المستغاث به هي العبادة.

34 - إن هذا التعريف لا يُحقّ حقا ولا يبطل باطلا وذلك لأن المستغيث لم يكن ليستغيث بالمستغاث به إلا لأنه يعتقد قدرته على ما فعل طلبه منه، إلا أن يكون مجنونا يطلب الشيء وهو يعلم عدم قدرته على فعله.

- قال: لا يهم ما يعتقده ويظنه وإنما تهم الحقيقة، هل ذاك المستغاث به يقدر على ما طلبه منه ؟ إن كان قادرا حقيقة فليس شركا وإن لم يكن قادرا وظنه قادرا عليه فهو شرك.

35 - قلت: إذًا حسب حدّك وضبطك لمفهوم الاستغاثة الشركية فإنك لو استغثت أثناء غرقك برجل كان قد مرّ بك فظننته قادرا على الإغاثة ثم اتضح أنه لا يجيد السباحة أو أنه يجيدها لكنه لا يقدر على إنقاذ الغرقى فعندها حسب ضابطك تكون قد استغثت بمخلوق فيما لا يقدر عليه فتكون واقعا في الشرك حتى مع ظنك قدرته على إغاثتك.

- قال: أغيّر الضابط فأجعله ((من يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك)).

36 - قلت: أولا إن كل قدرة يمتاز بها المخلوق لم يكن ليقدر عليها ولا أن يتصف بها لو لم يهبه الله إياها وإلا فالمخلوق من عند نفسه لا حول له ولا قوة، ولا استثناء في ذلك بين عمل بسيط أو معقد فما كان المخلوق ليقدر على أي شيء لو لم يهبه الله تلك القدرة ويأذن له بها.

ثانيا: إن الفرق بين قدرات الله وقدرات المخلوقات أن قدرات الله تامة مطلقة ليس فيها أي عجز بينما قدرات المخلوقات محدودة ناقصة فيها الكثير من العجز، إضافة إلى أن قدرات الله أزلية لم يتفضل عليه بها أحد بل هو متصف بها منذ الأزل وقدرات المخلوقات حادثة تفضّل الله عليهم بها.

ثالثا: هل عندك قائمة مكتوب فيها القدرات التي لا يقدر عليها إلا الله ؟ بل أزيدك فأقول: هل هذه القدرات التي قلت إنه لا يقدر عليها إلا الله يقدر الله على هِبتها لأحد المخلوقات أم لا يقدر ؟ إن من المعلوم أن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيلات المركبة من نقيضين لذلك فلا يقال إن الله يقدر على جعل مخلوق ما مساويا له في القدرة لأن ذلك يقتضي تعدد التامين وهذا ممتنع لذاته لتركيبه من نقيضين فعندها لن يصبح الله الملك التام إذ هناك من ينافسه ويشاركه في الملك فيكون ذلك متناقضا ممتنعا لا تتعلق به القدرة كما أن من لوازم التمام في القدرة أن تكون أزلية ولا شك أن المخلوق نفسه حادث فضلا عن حدوث كسبه لتلك القدرة فلا يمكن أن يكون صاحب قدرة تامة أزلية وهي حادثة في آن واحد فهذا تناقض.

رابعا: إنك تحكم على الاستغاثة بالميت في أمور يقدر عليها الأحياء بأنها شرك فلو أن غريقا استغاث بميت أثناء غرقه فإنك تحكم على ذلك الفعل بأنه شرك رغم أن إنقاذ الغريق ليس مما لا يقدر عليه إلا الله فالسباح الماهر أو سائق القارب يستطيع إنقاذه أيضا.

- قال: قد فهمت أن كل هذه التعاريف غير جامعة ولا مانعة لكن بعيدا عن هذه التعريفات والحدود ألا تشعر معي أن الرجل لم يكن ليستغيث بالميت إلا لأنه يعتقد أنه يملك قدرة غيبية خارقة على تلك الإغاثة ؟

37 - قلت: أولا قد اتفقنا على أن الله قادر على أن يجعل أسباب القدرة في الميت كما أنه قادر على جعلها في الحي لو شاء.

ثانيا نحن نتفق على أن الأموات انتقلوا في الحقيقة من عالمنا إلى عالم البرزخ أو العالم الروحي أو ما يُمكن الاصطلاح عليه بعالم الأثير، وهذا العالم يعيش فيه الجن والأموات ويخترقه الملائكة وربما توجد مخلوقات لا حصر لها تعيش في العالم الموازي لنا فضلا عن البعيد عنا مصداقا لقول الله ((ويخلق ما لا تعلمون)) فتكون الاستغاثة بهذا الميت كالاستغاثة بالجن المسلم مثلا.

#المحور_الرابع: حكم الاستعانة بالجن والملائكة

- لكن لا يجوز الاستعانة بالجن ولا الملائكة أيضا.

38 - لا شك أن الملائكة من جند الله وأن الله أعان بهم المسلمين ولأن الملائكة لا يفعلون إلا ما يؤمرون به ولأن الله جعلهم من خاصة جنودهم، فمن باب الأدب مع الله أننا لو أردنا الاستعانة بالملائكة فإننا ندعو الله بذلك ونطلبه منه، لكن من حيث قدرة الملائكة على الإغاثة والإعانة هل هذه القدرة موجودة أم لا ّ؟ أليس الله قد قال ((إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) وهذه الآية عظيمة في فهم التوحيد والتفريق بين ما جعله الله من قدرة وأسباب في مخلوقاته وبين قدرته على الإغاثة بغير وسيط، فالمؤمنون رغم استغاثتهم بالله إلا أنه بدل أن يغيثهم مباشرة بنفسه أرسل إليهم ألفا من الملائكة ثم أخبرهم بأنه ليس في حاجة لإرسال هؤلاء الملائكة ولكن الله أراد أن يبشرهم بهم ويطمئن به قلوبهم ليحسوا بوجود المدد بطريقة أقرب إلى مستوى العقول البشرية فالإنسان مهما كان مؤمنا لله يطمئن بنصر الله إن رأى من الأسباب المادية ما أمده الله به كأن يسخر له من يعلمه أو يعينه أو يساعده فإنه مع علمه بأن كل ذلك يرجع لفضل الله إلا أنه يستبشر لأن علامة النصر قد ظهرت له في ذاك المخلوق.

- قال: إذًا فقد اتفقنا على عدم جواز الاستغاثة بالملائكة مباشرة دون الاستغاثة بالله أو طلب العون منه.

39 - لا شك في اتفاقنا على ذلك ولكن هل الاستغاثة بهم شرك ؟ هذه هي نقطة البحث، هل الاستغاثة بالملائكة الذين أعطاهم الله القدرة على الإغاثة وأعطاهم خوارقا وقوة عظيمة وسرعة عظيم هل هذه الاستغاثة تعني عبادتهم ؟ هل هي شرك بالله ؟

- قال: ليست شركا بالله.

#المحور_الخامس: هل يصح القياس على مشركي قريش؟

40 -قلت: بعيدا عن الميت الآن، تخيل نفسك قد متَّ وكنت من الصالحين أو الشهداء الذين قال الله فيهم ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)) وكنت حيا عند الله تُرزق.

قاطعني: قال الله ((يُرزقون)) ولم يقل ((يَرزقون))

41 - قلت: نعم أعلم، اصبر علي، تخيل نفسك منهم أليس من المتوقع أنك تدعو الله أن يرزقك القدرة على زيارة أهلك وأصحابك وأحبابك في الدنيا فتراهم كما يراهم الجن حتى وإن لم يكونوا يرونك ؟ أليس هذا من رزق الله لك ونعمته عليك وهو الذي وعد المتقين بقولهم ((لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد)) وحتى وإن كانت الآية عند دخول الجنة يوم الحساب فإننا نتفق على وجود نعيم في القبر قد لا تصل درجته نعيم الجنة ولكنه يبقى نعيما وفيه من الميزات ما لا يكون لأهل الدنيا أفليس من الممكن على الأقل أن يُعطى الميت هذه الميزة ؟ أوليس من الممكن أن يُعطى الميت ميزة الدعاء لأهله بالخير وأنا وأنت نتفق على جواز أن تطلب من الحي الصالح الدعاء لك، فعندها لماذا لا نحمل استغاثة أو استعانة بعض المسلمين بالأموات الصالحين كالأنبياء والصحابة وغيرهم ممن يظن فيهم الصلاح على أنهم يطلبون منهم الدعاء لله كما يطلبونه من الحي الصالح، خاصة وأنهم يقرون بعدم عبادتهم ولا يقدمون لهم عبادة مقابل ذلك ولا يخضعون لهم خضوعا تاما ولا يعتقدون فيهم الاستقلالية عن الله ولا أن يكونوا أندادا لله، فحتى ولو قلنا (ما دليلكم على أن الأموات يسمعونكم ويتدخلون بالدعاء لكم) فهل نصف أفعالهم بأنها شرك ؟ هل تجد هنا مظهرا من مظاهر عبادة غير الله ؟

- قال: فما الفرق بين ما تقوله وبين قول المشركين الذي نقله الله في قوله ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى))

42 - قلت: الفرق أن المشركين قدّموا مقابل تلك الخدمة أو الطلب عبادة لآلهتهم وأقروا بعبادتهم وسموهم بصريح العبارة (آلهة) فكيف يقاس هذا على من يشهد أنه لا إله إلا الله ويرفض عبادة غير الله ويرفض الشرك بكل أنواعه ؟

ثم إنك لو طبقت الآية على الأحياء للزمتك عند طلبك الدعاء لك من الأحياء فلو ذهبتَ لصالح تعتقد فيه ذلك فقلت له (يا شيخ ادع الله لي بكذا وكذا) أو كتبت منشورا طلبت فيه دعاء إخوانك لك أفلا يقال لك بنفس منطقك ما الفرق بينك وبين من قالوا ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) ألستَ بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء تريد أن يقربوك بدعائهم إلى الله زلفى ؟ ستقول إن الفرق أني طلبت منهم ذلك دون أن أعبدهم في المقابل، ويكون ذلك منبطقا أيضا على من يطلب مثل طلبك للميت.

ثم لا تنسَ أنك لحد الآن لم تستطع ضبط تعريف للعبادة حتى تتهمهم من خلاله بعبادة غير الله إنما أنا أسيارك في كل الحالات التي تقول بأنها شرك وأنقضها بأمثلة مطابقة لما جئت به مما تقر معي بأنها ليست شركا.

#المحور_السادس: الاستعانة بغير الله

- قال: فكيف نفهم قول الله (إياك نعبد وإياك نستعين) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله).

43 - قلت: يفهم ذلك على الاستعانة التامة المطلقة بالله أما الاستعانة النسبية فأنت تتفق معي على جواز الاستعانة بالمخلوقات كأن تستعين بأحد المارة على دفع سيارتك المتوقفة في الطريق أو تستعين بالعالم وكتبه على التعلم أو يستعين حاكم البلاد بالجيش المكون من عدد هائل من البشر "الجنود" من أجل الدفاع عن البلاد وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالصحابة في نشر دعوته والجهاد في سبيله وسمى الله أهل المدينة بالأنصار لأنهم ناصروا النبي صلى الله عليه وسلم.

- قال: لكن ذلك يجوز في الأحياء فقط.

44 - لا أدري لماذا لا تزال تستثني الأحياء، النص الذي استدللتَ به ليس فيه استثناء للأحياء فمن أين جئت به ؟ قال له النبي (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) ولم يقل له (فاستعن بالله والأحياء) ثم إن نص الحديث الكامل يدل على أنه ورد أساسا في الأحياء لا الأموات فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : ((يا غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف)) (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم عباس التعلق بالله عز وجل وقوله (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) يدل على أن الحديث أساسا يتكلم عن الناس الأحياء ويدل على أن النبي لم ينفِ عن الأمة مطلق النفع وإنما نفى عنهم النفع المطلق ونسبه لله بحق، فذاك هو المقصود من الحديث وفيه الضابط الذي قلته لك، فالاستعانة لا تكون عبادة إلا إن كانت على وجه التمام المطلق أما مطلق الاستعانة فليس شركا في أصله وما لم يكن شركا فليس كذلك لا في الحي ولا في الميت وإلا فما الفرق المؤثر بينهما في التعريف ؟

ولو أنك جعلتَ مطلق الاستعانة بغير الله شركا للزمك أن تكون الاستعانة بالحي شركا أيضا إلا إن كنت تجيز عبادة الحي دون الميت، فإن الاستعانة لو كانت عبادة فعندها لا يجوز أن يُعبد غير الله وإن لم تكن عبادة فهي ليست عبادة في حد ذاتها بغض النظر عن المضاف إليها أهو حي أم ميت.

ثم إنك تستعين بغير الأحياء أيضا ولا تعتبرها شركا

- قال: كيف أستعين بغير الحي ولا أعتبره شركا ؟

45 - ألستَ تستعين بهاتفك وسيارتك وقد استعان موسى عليه السلام بعصاه فهل هذه جمادات أم أحياء ؟

- قال: لكني أحرم الاستعانة بالميت لا الجماد

46 - قد استثنيت الحي ولم تستثنِ الجماد، ثم إن الجماد أعجز في الأصل من الميت على الإعانة وذلك لأن الميت يمكن له لعب دور الجماد فقد تستفيد من جثته في البحوث العلمية وقد تأخذ أحد أعضائه فتزرعها في حي فتنقذه وقد تستعين بعظامه في علم الآثار كما تستطيع صناعة قلائد فاخرة من أنياب فيل ميت وتصنع من جلد التمساح ملابسا تُباع بأثمان باهضة وتصنع من العظام سلاحا حادا يصلح للضرب وغير ذلك فكل ميت له خصائص الجماد لكن ليس كل جماد يملك خصائص الميت، ثم إن روح الميت وإن كنت لا تراها فهي حية عند الله ويمكن لذلك الميت أن يدعو الله لك حتى ولو لم تطلب منه الدعاء فهو أنفع لك من الجماد.

#المحور_السابع ألا توجد تجاوزات واقعية من الناس في هذا الباب ؟

- قال: لكن كثيرا من الناس يتوجهون إلى القبور ويقومون بطقوس منفرة وتجدهم يخافون من أصحاب تلك القبور أكثر من خوفهم من الله وقد يكذب فتطالبه بالقسم بالله فيقسم كاذبا فإن طلبت منه القسم بأحد من يعتبرههم أولياء صالحين لم يستطع القسم به خوفا منه.

47 - قلت: ذلك النوع من الناس خرق التعريفات التي تكلمنا عنها وجاوز الحد الذي نناقشه إما عن جهل أو خلل في اعتقاده ولكن هل كل من يخالفك في هذه المسألة يفعل كفعلهم ؟

- قال: ليسوا جميعا كذلك، لكن أليس فعلهم هذا فيه خروج عن الهدي النبوي ؟ هو لم يعلمنا أن نتقرب إلى الله بطلب الدعاء من الأموات.

48 - قلت: بعض من يفعل ذلك يعتمد على أحاديث ورويات يراها صحيحة وقد نراها ضعيفة وبعضهم يقول إن الأمر غير متعلق بعبادة الله فنحن نطلب منهم الدعاء لنا كما نطلبه منكم فليس هناك دليل على جواز طلب الدعاء من ابن تيمية شخصيا أو النووي أو ابن حجر أو أحد المعاصرين مثلا وإنما هناك ترخيص عام يقاس عليه ما من جنسه.

#المحور_الأخير: هل تستغيث بالأموات ؟

- قال: هل توافقهم على تصرفاتهم ؟ أنت شخصيا هل تستغيث بالأموات ؟

49 - قلت: أما أنا فلا أستغيث بالأموات وأكتفي بالاستغاثة بالله عز وجل وإنما نقاشي هذا كله حتى لا نصف المسلمين بالشرك ونخرجهم من دين الله فهذا خطير جدا، أما أنا فأفرّق بين الممكن والواقع، وإن كان كل ما ذكرته ممكنا في كون الله قادرا على جعل القدرة في الميت وقادرا على جعله يدعو لنا وغير ذلك إلا أن ذلك لا يعني أن الله بالفعل جعل تلك القدرات في الميت فلا دليل عندي على ذلك، لذلك فالميت أكتفي بالتحرم عليه والدعاء له فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن الميت ينتفع بدعاء الحي له.

#ملاحظة أنا ممثل كلا الطرفين في الحوار لكني عندما أقول (قال) أقصد صهيب المخالف وعندما أقول (قلت) أقصد صهيب الموافق لقولي وهذا هو معنى المناظرة الافتراضية.

بقلم #صهيب_بوزيدي.

شارك المقال:

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…