معضلة الأزلية بين الوجود والعدم
تصنيف الموضوع: عقدي، آنطولوجي، منطقي، للرد على الشبهات ، ولأجل تثبيت الإيمان
قبل بضع سنوات قلت في نفسي: إني لا أفهم أزلية الشيء ولا أتصورها فكيف يكون الله أزليا ؟ ثم سرعان ما قلت: "إن لم أفهم هذا الموضوع فما هو أقصى قرار سأصل إليه ؟ الإلحاد ؟" طيب الإلحاد له نوعان من الطرح لا ثالث لهما:
1 _ القائلون بأزلية الكون، أو أزلية الفراغ الكمي، أو أزلية النقطة اللا متناهية في الصغر: فلا فائدة من هروبي من موضوع الأزلية الإيماني لموضوع الأزلية الإلحادي لأن الإشكالية بقيت قائمة.
2 _ القول الثاني: من يقولون بأن الكون مسبوق كله بعدم، وهنا يصبح العدم أزليا قبل أن يحدث الكون، فملا يفيدني الهروب من الأزلية الوجودية إلى الأزلية العدمية لأن الإشكالية عندي في الأزلية نفسها سواء كانت وجودية أم عدمية، ثم إننا نرى تحقق الوجود واقعا اليوم مما يعني أن الذهاب إلى أزلية الوجود خير من الذهاب إلى أزلية العدم إذ سيدخلنا في إشكال آخر (كيف أنتج العدمُ الوجودَ ولماذا لم يستمر على أزليته ؟ العدم ليس له رأي أو قرار ليقرر فجأة إنتاج الوجود كما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فلو كان قادرا على وهب الوجود لغيره لكان أولى به منه، فكيف للاموجود أن يهب وجودا لشيء فيصبح موجودا ؟ وكيف لغير مدرك أن يهب الإدراك لغيره وكيف لغير حي أن يهب الحياة لغيره).
ثم جلستُ ولست أحس أني حللت القضية بعد، فقلت، دعنا من الملاحدة الموجودين، ماذا لو حاولت تبنّي رأي جديد في الإلحاد فأقول مثلا (ماذا لو كان الوجود والعدم متعاقبان إلى ما لا بداية، فيخلف الموجود الموجود أو الموجود العدم ثم الموجود إلى ما لا بداية).
وكان جوابي على ذلك:
1 _ أما التعاقب اللانهائي للموجودات في الأزل فيوقعنا في نفس الإشكالية التي نهرب منها بشكل أفضح وأعمق فقد هربنا من الأزل نفسه والأزلية العددية أصعب فهما من الأزلية الوجودية للذات الواحدة، كما أن هذه الموجودات المسبوقة بعدم جميعا تحتاج إلى موجدات قبلها فإن كانت متسلسلة بعضها سبب وعلة للآخر فهذه مشكلة لأننا نحتاج عندها بالدليل العقلي القطعي أن تتوقف المعلولات عند علة أولى غير معلولة وذلك لأن المشكلة هنا ليست في عدم تصور أزليتها فحسب "وهو ما هربنا منه" وإنما زادت على ذلك أنها ممتنعة عقلا وذلك لأن عدم وجود علة أولى "مسبب أول" معناه عدم وجود الثاني وعدم وجود الثالث مما يعني عدم وجود الموجودات من أساسها وهذا مخالف للواقع، فالتسلسل الدائري ممتنع لأنه دورٌ سبقي قبلي ذو حلقة واسعة يلزم منه التناقض إذ يكون "أ" قبل "ب" وبعده في آن واحد مع الاتحاد في المحمول وسائر وحدات التناقض الثمانية، والتسلسل الخطي اللابدائي ممتنع أيضا إذ يجب بدء العملية الحسابية من العلة الأولى ثم الثانية وعدم وجود الأولى يعني عدم وجود الثانية مما يعني القول بعدم وجود المعلولات في نفس الوقت الذي نقول بوجودها وهذا ممتنع لأنه تناقض توفرت فيه كل وحداته الثمانية (الاتحاد في الموضوع / المحمول / الكل والجزء / القوة والفعل / الشرط / الإضافة / المكان / الزمان).
أخيرا: بما أن كل الاحتمالات لا تخرج عن وجوب وجود الأزل وكل الاحتمالات الأخرى ممتنعة بالتناقض إلا أزلية الذات الواحدة التي نسميها بالله فإننا سنحكم بالاضطرار العقلي على أنه الاحتمال الوحيد الصحيح وكل ما سواه ممتنع، أما عدم قدرتنا على تصور هذه الأزلية فراجعٌ لكوننا محدودي الصفات والأزلية من صفات التمام ولا يمكن للمحدود فهم التام فهما تاما وإنما يفهم بعضه على قدر عقله، وليس معنى ذلك العجز عن جواب الشبهة، إذ من البداية لم تكن تلك شبهة مبنية على اعتراض عقلي له أدلته وإنما كان عجزا عن التصور فحسب وكثيرا ما نقطع بوجود أشياء نعجز عن تصورها فغالبية الناس اليوم يعجزون عن تصور وفهم تفاصيل انتقال الصورة من شخص إلى العالم كله عبر البث المباشر أو وصول هذه الحروف إلى كل من يتابعه بالترتيب بعد أن نشرها وطارت في الهواء تارة وفي الأسلاك تارة عبر موجاتٍ لا ترى بالعين المجردة ثم بلمح البصر تصل إلى الهواتف لتظهر ويقرأها كل الناس بالترتيب الذي نشرت به، ولكننا نقطع بتحقق هذا الأمر وإن لم نفهم كيفيته ليس لأننا قلّدنا أو عجزنا عن الاستدلال وإنما لوجود الدليل القطعي على تحقق هذا الأمر وهو كاف لإثبات وجوده، أما غياب بعض التفاصيل فليست كافية لرد وجود الشيء، وإلا فإن الإنسان لا يفهم حتى تفاصيل جسده فضلا عن روحه التي بين جنبيه وهو مع ذلك يستشعرها بأدلتها وعلاماتها فمن استصعب عليه الاستدلال على وجود روحه فلا أقل من أن يسلم معنا بوجود جسده، فهل يفهم كل إنسان ما يجري داخل جسده بالتفصيل ؟ ليس ذلك بالضرورة ومع ذلك يثبتون وجود أنفسهم، فالتسليم بوجود الله بعد الاستدلال اليقيني العقلي عليه أولى من ذلك حتى مع عدم فهم كل التفاصيل التي لا يكون من الضروري فهمها للاستدلال على وجوده وإنما نحتاجها لمعرفة المزيد عنه فحسب، والله بنفسه قال ((ولا يحيطون به علما)) فلم ينف عنا مطلق القدرة على العلم بأي شيء يتعلق به لكنه نفى أن تكون لنا القدرة المطلقة على العلم بكل ما يتعلق به.
كتبه #صهيب_بوزيدي
