مشكلة محمد بن شمس الدين في معنى اليد
لعل محمد بن شمس الدين يحسب نفسه يرد على رسلان أو سنيقرة حتى يظن أنه بهذه السذاجة يستطيع نقض كل قول يريد الإعتراض عليه.
وبكل وقاحة قال "هذا يعرفه حتى المبتدئون" ومن يسمع كلامه يظنه من المتخصصين وهو لم يحقق حتى درجة المبتدئين في هذا الباب "على الأقل" كما سيلي بيانه
عندما نقول "يدان حقيقيتان" وتقول هما ضد "مجازيتان" ومعلوم أن ابن تيمية وابن القيم كما في كتابه الصواعق المرسلة يبين جدا عدم وجود المجاز أصلا في القرآن وذلك لأن المجاز يكون بصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح بورود قرينة صارفة عليه.
وابن تيمية بيّن أن القرينة الصارفة لا يمكن أن تكون في السياق لأن السياق هو الذي يعطينا المعنى الظاهر وبدون سياق لا يمكننا معرفة ظاهر اللفظ إلا إذا كان اللفظ نفسه غير مشترك "المشترك اللفظي"؛ فعندما يقال "نثبت اليد على ظاهرها" فمعناه إثباتها على المعنى الظاهر والظاهر أساسا خلاف الخفيّ والمجاز هو القول بالمعنى الخفي بدلا من القول بالمعنى الظاهر.
يعني لدينا معنيان للّفظ المشترك؛ أحدهما الظاهر وهو ما يظهر السياق معناه والآخر هو الخفي الذي يُستبعد أن يكون هو المعنى المقصود
فعندما نقول: المقصود هنا هو المعنى المجازي فذلك معناه أن المقصود معناه الخفي؛ وقد يكون المعنى الظاهر معنويا ويكون الخفي جسميا فنقول "الرد على هذه المغالطة من الوجه الأول هو كذا وكذا"؛ فالوجه هنا معناه الظاهر هو المعنى المعنوي وأما المعنى الخفي هو "الوجه الحجمي" فإن قلنا "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" فالمعنى الظاهر للوجه هنا هو الوجه الحجمي "أي وجوه أهل الجنة" وليس المعنى هو الوجه المعنوية.
إذً فالربط بين المعنى المجازي والمعنوي وجعلهما شيئا واحدا أصالة هو ما نقضه ابن تيمية وابن القيم فمن الجاهل الآن؟ الرجل ينتسب لعقيدة ابن تيمية وابن القيم وهو لا يعلم تأصيلاتهما في المجاز؛ وأستطيع القسم بأنه لم يقرأ الصواعق المرسلة لابن القيم ولا قرأ ما ينوب عنها من كتب ابن تيمية ولا ما ينوب عنها من أي مصدر آخر ولا علم له بتقريراتهما في المسألة.
اللفظ المشترك مثل البو لا يعطي لوحده معنى ظاهرا فقد يكون بمعنى السيف أو بمعنى الأحمق أو بمعنى الجمل المسلوخ المحشي؛ فكما قال الأعرابي للأصمعي "فإن كنت لا تعي ما أقوله فأنت عندي رجلٌ بَوّ" فإن سألنا ما معنى البو في سياق كلام الأصمعي فنقول "ظاهره البو بمعنى الأحمق" فإن قلنا وما معانيه الخفية ؟ نقول "المعنى الخفي أن يكون جملا محشيا فيكون قد أراد المجاز"
لكن لو تكلمنا خارج هذا السياق فمعنى البو ليس له ظاهر وخفي؛ مجرد اللفظ لا يعطينا ظاهرا ولا خفيا بل يعطينا معانٍ متساوية في قوة الرجحان فقد يكون سيفا كما قد يكون أحمقا.
فما الذي رجح معنى الأحمق في سياق كلام الأصمعي؟ رجحه السياق نفسه.
ومنه فلا يمكن أن نقول بأن السياق هو الذي رجح معنى الأحمق وفي نفس الوقت السياق هو الذي صرف اللفظ عن ظاهره؛ فظاهره هو معنى الأحمق نفسه.
وكثير من الأشاعرة لم ينتبهوا لهذه النقطة ومحمد بن شمس الدين مثلهم في ذلك.
ولأنه أخذ تقريراته من الأشاعرة وسلم لهم بتأصيلاتهم ظن أن كل من يقول كلاما بخلاف ذلك يكون جاهلا وأحيانا يحسب فاقد العلم المعلومة الصحيحة جهلا إذ يُحاكمها لعلمه وفي علمه الخلل لا في المعلومة "رضينا بالهم والهم ما رضي بنا".
#لمزيد_من_التفصيل: قولي "ما معنى اليد الحقيقية ليس معناه أني أنكر أن يكون المقصود في الصفة اليد الحقيقية وإنما لأن معنى اليد الحقيقية هو ما ينطبق عليه وصف ثلاثي الأبعاد وله حجم وهي جزء من الله وليست كل الله.
ونقيض اليد الحقيقية هي اليد اللا حقيقية؛ فالسؤال أساسا مبني على المطالبة بتعريف اليد الحقيقية "ماهي" لا يطالب الرجل بتعريفها ضرورة بالحد المنطقي وإنما المهم أن يذكر الكليّ الذي يثبته منها؛ أو لا ينكر على من يثبته في أسوأ الأحوال.
ومنه فلا توجد يدٌ مجازية لذاتها لمجرد اللفظ إنما اليد الحقيقية هي ما بينها وبين جنس اليد قدر مشترك وقدر مفترق "فما هو القدر المشترك هنا"؟
وفي قول الله "يد الله فوق أيديهم" ظاهر الآية هنا هو أن المقصود التأييد والنصرة وليس هذا تأويلا كما لا يعارض وجود أصل اليد "الحجمية" فإننا نقول في الرجل "فلان يده تصل كل مكان في السلطة" فنريد بذلك نفوذه ومعارفه ولكننا لا ننفي عنه اليد الحجمية "الحقيقية".
فعندما نقول "الله موجود" ونقول "هو وجود حقيقي" فإننا نقصد الوجود الحقيقي المتعين خارج الذهن ويقابل ذلك "الوجود الذهني المعنوي"
#خلاصة_القول: معنى اليد الحقيقية يقابلها "اليد المعنوية" وليس "اليد المجازية" وقد يكون المراد من المجاز في سياق معين اليد الحقيقية المتعينة في الخارج ثلاثية الأبعاد وقد يكون المراد في الظاهر اليد المعنوية وذلك يختلف بحسب النص "ولا أتكلم عن يد الله بالذات بل عن جنس اليد".
وفي القرآن لا يوجد مجاز ومع ذلك قد ترد اليد بالمعنى الحقيقي "أي المتعين في الخارج وله أبعاد ثلاثة" وقد ترد بالمعنى المعنوي "لتشير إلى التأييد"
لكن ما يجب معرفته أن اليد المعنوية ليست هي اليد المجازية إنما يتعلق المجاز بظاهر اللفظ وباطنه بحسب النص ويتعلق الحقيقي بالتحقق في الخارج والمعنوي بالفكرة الذهنية "المجردة".
ولعلي أفصّل في موضوع الحقيقة والمجاز في غير هذا الموضع.
كتبه #صهيب_بوزيدي.

