ما حكم وصف القرآن بالتراث

مررتُ بمقطع لشيخٍ جزائري دعي إلى مناظرةٍ مع التنويري جاب الخير (وجاب الخير يُشك أنه ملحد متستر بالإسلام خاصة وقد اعتبر قصة أصحاب الفيل خرافةً وهي واردة بنص القرآن كما نفى وجود الحقيقة المطلقة وله أقوال كثيرة يُستشف منها إخفاء إلحاده) ولكن الطرف الآخر الذي جاء لمناظرته سمع المنشط ينقل قول الطرف الآخر (القرآن تراث) فقام هذا الشيخ غاضبا وأحدث جلبةً وهو يقول (القرآن ليس تراثا، السنة ليست تراثا) "هو قال 'ليس تراث' هكذا بغير نصب الكلمة، لكني صححتها لغويا في النقل عنه"

المهم أنه قام وانسحب من المناظرة واعتبر ذلك إساءة للقرآن وقال أخشى أن تزلزل بنا الأرض وصرخ بأعلى صوته، والتعليقات على المقطع ملأت الدنيا (ما شاء الله، هكذا تكون الغيرة على الدين وهكذا تكون الغيرة على الإسلام....)

والمنشط في المقابلة ارتعب لشدة ما سمعه من استنكار حتى صار يقول (أنا مجرد ناقل لقول الطرف الآخر) وجميع الحضور يخاف الواحد منهم أن يقول كلاما فيكفر من حيث لا يدري أو ربما تُرفع عليه قضية (الاستهزاء بالدين) وكلهم لا يدري معنى الكلمة أصلا ولكن هكذا طريقة الإنكار بالتخويف تجعل الناس ينصاعون وينقادون خوفا دون فهم.

#فهل_كان_موقف_الشيخ_صحيحا ؟

1 _ لا شك أن بعض التنويريين يستخدمون لفظ (التراث) ويقصدون بذلك الشيء القديم المتوارث الذي يجب علينا أن نتخطاه بالحديث فذلك عفا عنه الزمن وانقرض وإن لم يصرحوا بهذا، فهم يريدون إزالة هالة القداسة عنه وليس هدفهم تعظيمه وخاصة جاب الخير ولذلك نراه في كثير من المواضع يكذّب نصوصا وردت في القرآن ويصفها بالخرافة كقوله (خرافة الطير الأبابيل التي ترميهم بحجارة من سجيل) ولا شك أن هذا الكلام كفرٌ صريح.

2 _ لا شك أن الشيخ يعلم سلفا أن مناظره خبيث النية فأبدى ردة فعله بناء على ما يعلمه من نيته المكشوفة في مواضع كثيرة فكان موقفه عاطفيا وبدافع الغيرة على دين الله.

#ولكن:

3 _ كان على الشيخ ألا يتسرع ويعرف أولا معنى كلمة "التراث" حتى وإن كان يعلم أن مخالفه ينوي بها شيئا آخر فكان عليه ألا يقع في فخٍّ يجعله أمام من يُتقن العلم في موقف سيء استدرجه إليه ذاك المخالف بكل خبث ففي الوقت الذي صار الشيخ يغلي غضبا كان جاب الخير يجلس هادئا ساكنا رصينا ليوصل للناس أن ليس لدى خصمي سوى الصراخ أما أنا فصاحب منطق وحجة.

4 _ ماكان على الشيخ أن ينسحب من المناظرة فإن علم أنه لا يصبر على المناظرات فما كان عليه أن يقبلها من البداية فإما أن يتحلى بالصبر ويناقش الحجة بالحجة حتى ولو رأى عند المخالف ما يراه خطأ فيبينه له بالبرهان فالمناظرة أساسا للمواجهة بين المختلفين وقد نناظر الملحد الذي لا يؤمن بالله عز وجل فماذا نتوقع منه ؟ المهم ألا يتجاوز المناظر على خصمه في الكلام، أما الحوار فيكون بالدليل والبرهان ومن مصلحة المناظر الفذ أن يخطئ خصمه فيستغل ذلك ضده ويفحمه لا أن ينسحب كأنه يهرب منه.

5 _ عبارة (القرآن تراث إسلامي) عبارة صحيحة لمن يفهم معنى التراث، والذي ينبغي في هذا الموقف أن يقال هو ما قاله علي رضي الله عنه لما سمع الخوارج يقولون ((إن الحكم إلا لله)) فقال (كلمة حقٍّ أُريدَ بها باطل) فكذلك عبارة (القرآن تراث إسلامي) كلمة حق أريد بها باطل، وإرادة الباطل بها لا تجعلها باطلا ننكره بل نثبت الحق وننكر النية الباطلة وهكذا يكون العلمُ.

#معنى_التراث: منطق العلم يقتضي أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره لذلك إذا سمع العالم أو طالب الحق أي جملة وأراد الحكم عليها بالصواب أو الخطأ فإن أول ما يجب فعله فهم تلك الجملة، فما معنى (القرآن تراث) ؟

أما القرآن فنعرف معناه، فما معنى (التراث) ؟

#س_1: هل وردت هذه الكلمة في القرآن ؟

#ج_1 _ ذُكرت كلمة التراث في القرآن مرة واحدة فقال الله ((وتأكلون التراث أكلا لما))

#س_2: بماذا فسر العلماء هذه الآية ؟

#ج_2: التراث هو الميراث في كتب التفسير

1 _ قال الإمام الطبري في تفسيرها: ((وتأكلون أيها الناس الميراث أكلا لمًّا؛ يعني : أكلا شديدًا لا تتركون منه شيئا))...ثم قال ((عن الحسن: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: الميراثَ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: أي الميراثَ)) [جامع البيان 24/380].

2 _ قال الإمام النسفي في تفسيره (("وَتَأْكُلُونَ التراث" أي الميراث "أكْلاً لَّمّاً" ذا لمٍّ وهو الجمع بين الحلال والحرام وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويأكلون تراثهم مع تراثهم)) [مدارك التنزيل وحقائق التأويل 3/641]

3 _ قال الإمام السمعاني في تفسيره ((وَقَوله: "وتأكلون التراث أكلا لما" التراث وَالْوَارِث بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الْمِيرَاث وَقَوله: "أكلا لما" أَي: بخلط الْحَلَال بالحرام)) [تفسير السمعاني 6/222]

4 _ قال ابن فورك في تفسيره ((التّراث: الميراث)) [تفسير ابن فورك 3/216].

#س_3: بما أن التراث هو الميراث فهل يصح أن نسمي القرآن والسنة تراثا "أي ميراثا ؟

#ج_3: نعم والدليل قول الله ((ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورّثوا العلم))

فالتراث هو الموروث والقرآن أورثه الله عباده الذين اصطفاهم ثم توارثه الناس عن الأنبياء جيلا عن جيلٍ بأسانيد متواترة فهو موروثٌ مقدّسٌ وهو مصدر تشريع المسلمين الأول.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

هل يكفر منكر الجن والسحر

العقيدة والأسماء والصفات

سأنقل كلام المعترض كما قاله بأخطائه الإملائية واللغوية (عدم الإيمان بالجن والسحر أصبح كفر ؟ هو ده بقي ركن من أركان الإسلام) "تعليقه مصور أدناه". نعم،…

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…