لوازم نفي جنس التواطؤ بين صفات الخالق والمخلوق في المعنى

لا شك أن الله هو التام المطلق في كل صفاته وأن كل مخلوق من مخلوقاته ناقص ولا شك أن قوة صفة أي مخلوق من المخلوقات تؤول إلى الصفر مقارنة مع قوة صفة الله التي تكون بنفس معناها ولكن جماعة من المسلمين نفوا جنس التواطؤ بين صفات الخالق والمخلوق وقالوا إن كل ما خطر على بالك فالله خلاف ذلك، وقالوا إن مطلق التشابه ممنوع، وكل صفة ثبتت للمخلوق يجب تنزيه الخالق عنها دفعا للمماثلة، قلت -صهيب- ويكفي دفع التماثل بنفي التواطؤ الخاص، أما تواطؤ التشكيك فلا يلزم منه التماثل ولكن هذه الجماعة من المسلمين أصرّت على نفي الاشتراك في المعنى بأي وجه كان، وقالوا إنما نثبت الاشتراك اللفظي فقط، وكثير من المسلمين لا يعلمون معنى إثبات المشترك اللفظي وحده، ولأضرب مثالا فإن كلمة "بو" تأتي بمعنى "الأحمق" وتأتي بمعنى "السيف" فالسيف ليس له علاقة بالحمق وإنما الاشتراك جاء في اللفظ وحده، ومع ذلك فإن السيف يشترك مع الأحمق في بعض الصفات بينما ما تقصده هذه الجماعة بنفي التواطؤ بالكلية هو عدم التشابه في أي شيء سوى حروف الألفاظ، وعندها تكون الحياة بمعنى يختلف عن المعنى المناقض للموت والوجود بمعنى يختلف عن المعنى المناقض للعدم وهنا تقع الكارثة وهذه بعض لوازمها:

1 _ يلزم أن يكون الله غير موجود لأن المخلوقات موجودة، فإما أن يثبتوا وجود الله بالمعنى المناقض للعدم فيكسروا تعريفهم للتمثيل وإما أن ينفوا وجود الله فيصبحون من الملاحدة.

2 _ يلزم أن يكون الله غير عليم بالمعنى المناقض للجهل، ومعلوم أن الله قال (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) وقال ((الرحمن علم القرآن * خلق الإنسان علمه البيان)) فكيف يعلم الله الإنسان البيان لو كان لا يعلمه "حاشاه" فإن قال أثبت الاشتراك اللفظي وحده قلنا لا قيمة لما أثبتته ما دمت تنفي أن يكون العلم بالمعنى المناقض للجهل، وإن قال إنه بذاك المعنى قلنا وكذلك الإنسان يعلم بذاك المعنى وكان يكفيك أن تقول إن علم الله تام مطلق لا نهائي وعلم الإنسان ناقص محدود فينتفي التماثل بذلك دون الحاجة لنفي جنس التواطؤ والاشتراك المعنوي.

3 _ يلزم منه قدرة مسيلمة الكذاب على إجابة تحدي الله يوم قال الله ((فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين)) فلو كان التماثل يقع بمجرد مطلق التشابه للزم أن مسيلمة أجاب التحدي وذلك لأنه جاء بنظم مشابه للقرآن وبكلام عربي اللفظ والمعنى كما جاء ببعض المعلومات الصحيحة، فيجب إعادة هذا المذهب النظر في تعريفهم وإلا لزم أن يكون كل كلام بالعربية مماثلا لكلام الله وبهذا يسقط التحدي "حسب هذا التعريف الفاسد".

4 _ نقول (الله أكبر) و(الله أعلم) وهذه من أسماء التفضيل ولا يمكن التفضيل بين شيئين إلا إن كان لهما نفس المعنى.

5 _ يثبت هذا الفريق لله صفاتا ليهرب من التمثيل رغم أن تعريفهم للتمثيل يلزمهم في هذه الصفات أيضا فيقولون (معنى اليد القدرة) ولكن القدرة أيضا صفة مشتركة كما اليد وكذلك قالوا إن الاستواء هو الاستيلاء وكلاهما من المعاني المتواطئ عليها مع صفات المخلوقات، فالمخلوقات تستولي أيضا ولها قدرة فلماذا الهروب من صفة لإثبات مثيلتها ؟ فإن قالوا هذه صفات معنوية والأولى حسية قلنا إن العلة التي اعتمدتم عليها في النفي واحدة وهي التمثيل وتعريفكم له يدخل فيه كل تواطؤ فبماذا اختلفت الصفات الحسية عن المعنوية من حيث عليّة التماثل لتدخلوا هذه وتخرجوا تلك ؟

6 _ معلوم أننا لما نستدل على وجود الله نقول: فلا يمكن للعدم أن يخلق العالم وإنما يخلقه الموجود الأزلي، ودليلنا الوحيد على استحالة خلق العدم للعالم هو قاعدة (فاقد الشيء لا يعطيه) والعدم فاقد لصفة الوجود والحياة والعلم والقدرة والمكان والزمان فكيف يعطي كل ذلك وهو فاقد له ؟ ولكن تعريف هذا الفريق للتمثيل يقتضي أن تكون العلة نفسها منطبقة على الله فإن كان الله فاقدا لكل الصفات التي تتصف بها المخلوقات بلا استثناء فكيف أعطاهم تلك الصفات وفاقد الشيء لا يعطيه ؟ كيف يهبهم الوجود وهو غير موجود ؟ وكيف يهبهم الحياة وهو غير حي ؟ وكيف يعلمهم وهو غير عليم ؟ وكيف يعطيهم مكانا وزمانا وهو فاقد لهما ؟

7 _ قالوا إن الله خارج المكان وقبل الزمان، وقلت: ليس خارج المكان خارجٌ فالخارج من ظروف المكان وليس قبل الزمان قبل ف"قبل" من ظروف الزمان وهذا تناقض يشبه أن يقال فيه (إن الله موجود قبل الوجود) فإن قصد هو موجود قبل وجود غيره فلا بأس لكن إن قصد أنه موجود قبل جنس الوجود فإن معناه إثبات الوجود له ثم تجريده عنه في نفس الوقت وهذا تناقض صارخ.

وكان يكفيهم أن يقولوا مكان الله غير مخلوق وإنما هو صفة له كوجوده ومكان المخلوقات مخلوق وهو صفة للمخلوقات كوجودها ومثل ذلك يقال في الزمان والحياة والعلم والقدرة وسائر الصفات التي تكون موجبة في حد ذاتها، وينزه الله عن صفات العيب والسلوب من جهة نقصانها لا من جهة نفي التماثل وحده، ونفي التماثل ليس سببه تنزيه الله عن النقصان فقط وإنما نفي الألوهية والربوبية عن المخلوقات أيضا فقد يكون التمثيل لأجل الاستنقاص من الله وإنزاله مرتبة المخلوقات فهذا نوع النقص وقد يكون لأجل الإعلاء من شأن المخلوقات ورفعهم لدرجة الخالق وهذا يكون من باب الشرك.

8 _ يلزم من نفيهم جنس التواطؤ بين الخالق والمخلوق أن ينفوا وجود الحقائق المطلقة وذلك لأن الحقيقة المطلقة تنطبق على كل الموجودات بلا استثناء فإن استثنينا الله صارت حقيقة نسبية بل نسبة تحققها تؤول إلى الصفر وذلك لأن وجود الله يمثل الجانب الأغلب من الموجودات فإن لم تنطبق عليه فهي قاعدة لا تنطبق إلا على المخلوقات فتكون حقيقة نسبية "وهذا قول الملاحدة في نفي الحقائق المطلقة" والرد عليه (نفي الحقائق المطلقة معناه القول بأن كل الحقائق نسبية ومنه فإن نسبية الحقائق تصير مطلقة وفي ذلك إثبات لجنس الحقائق المطلقة مع نفيها في نفس الوقت وهو تناقضٌ يُردّ في حال كونه مبدأ مطلقا أيضا وإلا لزم عدم لزوم أي شيء معرفي مما يعني السفسطة وترجيح المذهب الإبستمولوجي الذي يدعى بالشك المذهبي وهذا أعلى درجة من الإلحاد بل هو إلحاد في وجود الله ووجود الحقائق كلها حتى أنهم لا يعلمون إن كان العالم موجودا أم لا ويلزم من ذلك الجنون المطلق.

9 _ كل الآيات القرآنية جاءت لذكر العديد من الصفات التي يُفهم منها التواطؤ بين صفات الخالق والمخلوق مع التفاوت في قوة المقدار فالخالق تام وكل صفاته تامة والمخلوق ناقص وكل صفاته ناقصة، ولكن لماذا جعل الله آياته موهمة للتمثيل بحسب تعريف هذا الفريق للتمثيل ؟ أليس القرآن هاديا ؟ فعلى كلامهم يكون القرآن مضلا لا هاديا إذ لا يوجد من يقرأ الآيات ويفهم منها نفي مطلق التواطؤ فيكون المثبتون له ضحايا النصوص القرآنية وفي ذلك قدح في القرآن الذي نزله الله ليبين به الحق لا ليزيده غموضا.

10 _ نفي مطلق التواطؤ يلزم منه أن ما نفهمه من صفات الله كل مخالف للحقيقة فإن كان الأمر كذلك فعلى أي أساس نحب الله ونخافه ونرجوه ونحن لا نعلم عن صفاته شيئا سوى حروف الألفاظ ؟ حاش لله، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((حتى يضحك منه ربنا)) قال الصحابة ((أويضحك ربنا؟)) قال النبي صلى الله عليه وسلم ((نعم)) فقالوا ((لن نعدم خيرا من رب يضحك)) فإن كان الضحك هنا هو الرضا فإنه وصف متواطئ بين الخالق والمخلوق فالمخلوق أيضا يرضى وإن كان ضحكا حقيقيا فهو تواطؤ أيضا، ولو كان المعنى مفوضا ومجهولا لما أمكن للصحابة الاستبشار بهذه الصفة وهم لا يعلمون معناها أصلا، فإن قيل إن هذا من أحاديث الآحاد ولا نحتج بالآحاد في العقائد، قلت ومثله في القرآن يوم قال الله ((رضي الله عنهم ورضوا عنه)) فما الذي عرفه الصحابة عن الله حتى يرضوا عنه لو كانت الصفات كلها مبهمة لا معنى لها ؟ لا شك أنهم علموا عنه معانٍ يعرفونها وهذه المعاني فيها تواطؤ بين الخالق والمخلوق فهم لا يعرفون من المعاني إلا ما اختبروه في المخلوقات.

تلك عشرة كاملة.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

هل يكفر منكر الجن والسحر

العقيدة والأسماء والصفات

سأنقل كلام المعترض كما قاله بأخطائه الإملائية واللغوية (عدم الإيمان بالجن والسحر أصبح كفر ؟ هو ده بقي ركن من أركان الإسلام) "تعليقه مصور أدناه". نعم،…

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…