رحلتي المعرفية في المجال الفلسفي باختصار

مررتُ بعدّة مراحل في تقييم أي كلام فلسفي أسمعه

1 _ مرحلة السماع عن الفلسفة من الوعّاظ والشيوخ: وتلك كانت أيام المتوسطة حيث كنت أسمع اقتباسات عن فلاسفة يونانيين وغربيين يذكرها بعض الوعاظ ليثبتوا بها إيمان المسلمين، فتجد الشيخ يقول قال ديكارت وقال سقراط وقال أرسطو فآخذ الكلام من عندهم دون الرجوع إلى المصدر الأصلي الذي هو كلام ديكارت نفسه ولا التحقق من صحة نسبة الكلام إليه، وهذه كانت سنة 2003 - 2004 وهي أول مرحلة اهتممتُ فيها بالبحث عن دين الحق بعد أن قرأت في الجريدة قصة إسلام "يوسف إسلام" والتي ذكروا فيها أنه قام برحلة للبحث عن الحق في كل الديانات، وعندها تساءلت قائلا (ماذا لو كان الدين الذي أعتقده غير صحيح ؟ مجرد ولادتي مسلما لا تعني أن الإسلام حق بالضرورة، فكنت آنذاك أبحث ولكني لا أبحث بتجرد، فأقبل كل دليل يؤيد الإسلام وأبحث وفي نفسي الرغبة بأن يكون الإسلام دين الحق، فكانت الموضوعية تنقص بحثي وإنما غلبت عليه العاطفة).

2 _ المرحلة الثانية: مرحلة الاعتداد بالنفس، وكان ذلك سنة 2005 يوم استطعت إقناع 3 ملحدين بالإسلام، وصرت قادرا على ابتكار بعض الأدلة على وجود الله دون الرجوع إلى أحد سبقني إليها، ومن بين تلك الأدلة "من علم أول إنسان الكلام" واكتشفتُ مؤخرا "سنة 2024" أن الشيخ الشعراوي استدل بنفس هذا الدليل وكنت قد استدللت به وعمري 15 سنة دون أن أسمعه من أحد، كما استدللتُ بدليل تحريك الأقمار والكواكب مستلهما الفكرة من قذف الأقمار الصناعية بالسرعة الابتدائية V0 وكنت أتساءل من الذي قذف القمر الحقيقي والكواكب بالسرعة الابتدائية وكيف كانت دقيقة بحيث لو زادت لانفلتت عن المدار ولو نقصت لسقطت.

3 _ المرحلة الثالثة: مرحلة دراسة المقالات الفلسفية، وتزامنت هذه المرحلة بدراستنا لها في الثانوية "الباكلوريا" ولكني أحسست فيما بعد أنهم درسونا مادة أدبية ولم تكن تلك بالفلسفة الحقيقية، إلا أننا استفدنا منها بعض الفوائد المنهجية في الكتابة والتحليل، وكانت مفيدة في تلك اللحظة، كما فتحت لي باب الاطلاع الفضولي على المقالات الفلسفية وقراءتها بشكل عشوائي مما جعلني أناقش فيها ابن خالي حمزة محراب رحمه الله لأعود إلى فتح ملف التساؤلات الفلكية بالتزامن كموضوع الثقب الأسود والأجرام السماوية وحركة الشمس والمجرات وعلم الفلك عموما.

4 _ المرحلة الرابعة: مرحلة العزوف عن الفلسفة والتركيز على مجالات أخرى في الشريعة وغيرها ولكنها لم تكن مرحلة الدراسة الجادة وهذه استمرت إلى غاية 2012، حيث لم يتجاوز عدد الكتب التي قرأتها في كل المجالات إلى غاية 2012 سقف 200 كتاب "غالبيتها صغيرة الحجم لا تتعدى 100 صفحة".

5 _ سنة 2012 دخلت مرحلة الانفجار العلمي فانطلقت في دراسة كتب الشريعة بقوة كبيرة بلغت دراسة 400 صفحة لليوم الواحد وتزامنت مع إعفائي للحيتي وتغييري لمنهجي الإخواني إلى منهج السلفية وكانت بوابة دخولي للسلفية بكل صراحة من عدة جهات: (الأولى: التأثر دعويا وسلوكيا بالشيخ خالد الراشد) و(الثانية: أني لما كنتُ إخوانيا كنت أقرأ لكل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام ابن كثير على أنهم من علماء المسلمين كما كنت أسمع لكثير من مشايخ السلفية المعاصرين المعتدلين كالشيخ الحويني والعريفي وخالد الراشد وعبد الله المصلح وصالح المنجد وابن جبرين وغيرهم، لذلك لما علمتُ أنهم سلفيون كانوا صورة جيدة لصالح السلفية خاصة ابن تيمية وابن القيم، وذلك لأن كثيرا من الإخوان المسلمين يكثرون من الاسشتهاد بنصوص ابن تيمية وابن القيم) و(الثالثة: أني لما أطلقت لحيتي ولبست القميص كان كل من يلقاني يسألني هل صرت سلفيا فأجيبه: لست سلفيا، فيسألني فبماذا تختلف عن السلفيين إذًا ؟ فذهبت ذات يوم إلى غوغل أكتب "الرد على ضلالات السلفية" وذلك لأستخرج منها ما أصرح بأني أخالفهم فيه فظهرت لي مقاطع كثيرة استغرقت أياما في مشاهدتها وأغلبها كان في وصفهم بالتجسيم وكان الرادون عليهم ينفون عن الله المكان، وذلك جعلني أحسم أمري وأعلن سلفيتي، أي أن مقاطع التحذير منهم هي التي دعتني إلى الانضمام إليهم ولم أنتبه آنذاك بأن موافقتي للسلفية في باب الصفات لا يلزم منها أن أوافقهم في كل شيء) و(الرابعة: بعض الأصدقاء الذين كنت أعرفهم على أرض الواقع من السلفيين المعتدلين برؤوا السلفية من المنتسبين إليها ممن كنت أعرفهم وأنفر منهم "واتضح فيما بعد أنهم المداخلة" ولذلك لما صرت سلفيا وجاءتني دعوة المدخلية رفضتها من أولها وذلك لأني كنت أكره السلفيين بسببهم، وكنت أعتقد بادئ الأمر أن هؤلاء المداخلة الذين أعرفهم في الواقع يشوهون من غير قصد صورة الشيوخ الذين ينتسبون إليهم كربيع المدخلي ورسلان وغيره وذلك لوجود مداخلة آخرين عندهم أخلاق عالية والتزام حميد وكانوا يبرئون مشايخهم من تصرفات أولئك ويسمونهم أيضا بغلاة التجريح إلا أني اكتشفت لاحقا أن مشايخهم أفسد من أتباعهم) فكانت هذه المرحلة ميالة لدراسة الشريعة بدرجة أولى والاهتمام بالفرق والجماعات الإسلامية وحتى اهتمامي بالفلسفة هذه الفترة كان منحصرا في الفلسفة الإسلامية لمناقشة الشيعة والأشاعرة والإباضية والمعتزلة آنذاك.

6 _ درستُ في تلك الفترة لابن تيمية كتبه العقائدية وتعمقت في كتبه الفلسفية وكانت لي حوارات مع الأشاعرة والشيعة اشتدت سنة 2015 وكنت أخالط فئة مليئة بالكبر والعجب والكلام الإقصائي مما جعلني أنفر منهم وأبادلهم العداوة مرددا أبياتا مسيئة للأشعرية كلها، ثم سرعان ما أعدت تحويل سهامي مجددا لنقد التشيع وكنت أراه مفيدا لأني بسببه اضطررت لدراسة علم الحديث عندنا وعندهم والفقه عندنا وعندهم إضافة لدراسة العقيدة فقد كان الحوار مع الشيعة يعني فتح ملف كل شيء يتعلق بالشريعة، وحتى لما كنت سلفيا لم أكن ممن يحرمون الفلسفة وكان بعض المحاورين من المخالفين يقولون "سلفي وفلسفي ؟".

7 _ في أواخر سنة 2016 قررت الفصل بين دعوتي ودراستي فصرت أنشر للرد على المداخلة بينما اهتمامي العلمي في مجالات الإبستمولوجيا والآنطولوجيا والمنطق والفلسفة الأخلاقية ومررت بفترة الإكثار من المصطلحات الفلسفية الغريبة ثم سرعان ما أحسست أنها مجرد مراهقة فكرية واستعراض للعضلات فكففت عنها كما كففت عن استعراض رواية الأحاديث بالأسانيد والاستشهاد بأقوال العلماء بذكر أرقام المجلدات والصفحات وأسماء الكتب من حافظتي أو لنقل إني قللت من ذلك قدر المستطاع بعد 2018.

8 _ مرحلة ما بين 2018 إلى يومنا هذا، هي مرحلة الفلسفة الرصينة، لم يعد يهمني إفحام الخصم ولا قصفه ولا الانتصار عليه، إنما أحاول إيصال المعلومة بشكل صحيح، بل صرت مؤخرا لا أهتم حتى باقتناع المخالف بما أقوله من عدمه، وصرت حريصا على اقتناعي أكثر من حرصي على إقناع غيري وغالبية ما في جعبتي لم أكتب فيه ولم أتكلم عنه أصلا وبعضه حدثت عنه فقط طلابي وبعض المقربين الذين أحس فيهم فهما ومستوى عاليا في العلم والإدراك، صرت أدركُ جيدا أن كثيرا من المواضيع التي أعتبرها موضع قوتي العلمية لا تصلح للنشر لأن كثيرا ممن لا علم لهم سيفتنون بها ويسيئون فهمها ثم تتحول أفهامهم إلى هجومات عدائية، من كنت أنظر إليهم بالأمس على أنهم متخصصون في الفلسفة صرت أرى كثيرا منهم اليوم مجرد صبيان لازالوا يخرفون ويتشدقون بشقشقة الألفاظ بعيدا عن جوهر المضمون، وكثير منهم لا يؤصلون للحقيقة بل يخاطبون عاطفة الجمهور ويلجؤون للتقليد في الفلسفة التي يفترض أنها أبعد المجالات المعرفية عن التقليد، لم أعد أجد شيئا جديدا يبهرني لا في الفلسفة ولا في الفقه ولا علم الحديث ولا العقيدة ولا الفِكر، بل تحول ذلك إلى حزن عميق بقلبي لأني أحزن إذا رأيت مستوى الأمة الإسلامية ضعيفا خاصة في العقلية والمنطق ومنهجية التفكير، لستُ أفرح لأني أرى نفسي "ولو بقناعة شخصية" تميزي عن جلّهم وإنما أحزن وأود لو كنت أضعف المسلمين زادا وأنا بنفس رصيدي الحالي، بعد دراستي لآلاف الكتب صرت لا أرى في القراءة ما يضيف إلي أي شيء وإنما التفكير ملاذي وهو الحل للإتقان والمعرفة، ولذلك خصصت كثيرا من قراءاتي لمجالات خارج الشريعة الإسلامية وقد بدأت هذا التوسع منذ 2017 حتى وجدت نفسي داخلا في عشرات المجالات العلمية "التجريبية والعقلية والنقلية" إضافة إلى الاهتمام بعالم الأعمال والتجارة ومحاولة فهم السياسة فهما إيجابيا ينفعني، اليوم أنظر إلى بعض الشخصيات المخالفة نظرة الشفقة، أنظر إليهم وهم يذبحون دينهم بأيديهم وأتأسف لاتباع كثير من الناس لهم، أتأسف من سير الشعوب وراء القواعد الاجتماعية الباطلة، أتأسف من اللامنطقية في التفكير، لست أعني عدم وجود خير في الأمة وإنما أعني أن المستوى اللائق بأمة الإسلام يفترض أن يكون أعلى من هذا بكثير ولكن المسلمين مقارنة بأصحاب كل الديانات الأخرى هم أكثر الناس اهتماما بمعرفة دينهم وإن تفوقت عليهم بعض الأجناس في الجوانب التجريبية والمنطقية والتجارية فذلك لأنهم سبقونا إلى المجد يوم كانوا محتلين لبلادنا وكانت بلادنا تحت الاحتلال، والحمد لله صار الناس من تلك البلدان يدخلون في دين الله أفواجا ولعل الله يخبئ لنا في قابل الأيام ما يسرنا.

الآن صرتُ لا أجد في كلام الملحدين ما هو جديد، بل عقلي الذي يمثل لي دور ملحد وأناظره تفوق على أكبر الفلاسفة الملحدين وعندي من الشبهات التي تنفعهم ما ليس معهم وعندي رده، منذ سنوات طويلة لم أعد بحاجة للبحث عن أي رد على أي شبهة تردني وإنما أرد عليها بنفسي دون الرجوع إلى أي مرجع، طرحت في عقلي كل الاحتمالات الممكن فلم أجد غير الإسلام دينا صحيحا فأسأل الله أن يوفقني لما يحبه ويرضاه.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

بين الفلسفة والتفلسيف

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

الفلسفة نوعان: الفلسفة الحقيقية: وهي البحث في الموجودات والمعارف والأخلاقيات والعقليات بحثا متجردا ينطلق من طرح الأسئلة بحثا عن أجوبتها القطعية أو الظنية…

اقتباسات حوارية في مسائل وجودية

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

قبل أيام في تيكتوك دخلتُ بثوثا وإذا بعدد من المحاورين المخالفين حاوروني وتداخلت أدوارهم فأحببت تجريد بعض أسئلتهم وردودي عليها سريعا والترتيب ليس بترتيب…