حوار في تعريف العبادة
قال لي: لا تنفعهم لا إله إلا الله ماداموا لا يعرفون معناها.
قلت له: وما معناها ؟
فقال لي: لا معبود بحق إلا الله.
فقلت له: وما معنى "لا معبود بحق إلا الله" ؟
فقال لي: يعني لا أحد يستحق العبادة إلا الله.
فقلت له: فهمتُ كلمات من جملتك وأريدك أن تشرح لي ما لم أفهمه، فقد فهمت "لا" وفهمت "أحد" وكذلك فهمت "يستحق" وفهمت "إلا الله" لكني لم أفهم "العبادة" فما معنى العبادة ؟
قال لي: العبادة هي الدعاء.
قلت له: الدعاء هو العبادة ولكن ليست كل عبادةٍ دعاءً، فالصوم والحج والزكاة والنهي عن المنكر واجتناب المحرمات وصلة الرحم وغيرها عبارة عن عبادات وليست أدعية.
قال لي: نعم صحيح.
قلت له: فما معنى العبادة ؟
قال لي: اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه من قول وعمل.
قلت له: لم أسألك عن معنى عبادة الله، إنما سألتك عن معنى العبادة، وبعد تقرير المعنى نضيفه لمن نشاء لنفهم.
قال: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه المعبود من قول وعمل.
قلت له: هل أفهم منك أني إذا قلت كلاما يرضيك وعملت عملا يرضيك أكون بذلك قد عبدتك ؟
قال: لا، وإنما المقصود به طاعة الله.
قلت له: أسألك عن معنى العبادة وليس عن معنى عبادة الله.
قال: لماذا لا تريد السؤال عن معنى عبادة الله.
قلت: لأني أسأل عن معنى "عبادة" أما معنى "الله" فأعرفه فإن شرحت لي لفظ "عبادة" مجردة فهمتها وبعدها سنفهم (عبادة الأصنام، عبادة الأوثان، عبادة القبور....) نفهم كل شيء بعد فهمنا للعبادة.
قال لي: العبادة هي طلب العون والغوث من الميت غير القادر.
قلت له: هل معنى ذلك أن عبادة الله هي (طلب العون والغوث من الميت غير القادر وهو الله) ؟ أستغفر الله العظيم وسبحانه عما يصفون.
قال: ليس ذاك المعنى، إنما هو معنى عبادة غير الله.
قلت له: يا أخي ارحم عقلي ألا تجيد تعريف العبادة مجردة عما يضاف إليها ؟ سألتك عن (العبادة) وليس عن (عبادة غير الله) أريد تعريفا للعبادة وحدها، ثم إن هناك أحياء عبدوا فهل اعتقدوا فيهم الموت والعجز ؟ وهل يعبد العابد معبودا أصلا إلا إن كان يعتقد فيه القدرة والحياة ؟
قال: لا يحضرني تعريف للعبادة.
قلت له: إذًا فبناءً على كلامك الأول أنت لم تفهم معنى لا إلا إله إلا الله، لأنك عرفتها بتعريف لا تفهم أهم كلمة فيه فصار تعريفك لها (لا **** بحق إلا الله / لا يستحق ***** إلا الله) وذلك لأنك لم تعرّف العبادة فمعناها عندك يساوي *****.
قال: فما تعريفك أنت للعبادة ؟
قلت: هي الخضوع والحب والرجاء والخوف على وجه التمام المطلق المقدس للمعبود، وجّه هذا التعريف لأي مضاف إليه فسيستقيم لك المعنى.
قال: يخرج من تعريفك "الصيام والصلاة والحج والزكاة".
قلت: بل يتضمنهما التعريف بشكل واضح جلي فنحن نصلي لله ونصوم ونحج ونزكي خضوعا له إذ أمر بذلك ورجاءً في جزائه بما وعد وخوفا من عقابه الذي توعد به المحادين له وحبا فيه إذ هو المستحق لكل ذلك لما علمناه من كرمه ورحمته ومغفرته وصفاته الحسنى التامة التي تجعله مستحقا لحبنا التام.
قال: إذًا يخرج منه توجيه ذلك للأصنام فهي ليست تامة فلا تستحق الخضوع والحب والرجاء والخوف التام.
قلت له: ولأنها لا تستحق ذلك لم تستحق العبادة، ولكن الذي عبدها فقد توجه لها بالخضوع والحب والخوف والرجاء التام وهنا مكمن التناقض العقلي في الشرك إذ الخضوع التام يوجه لمعبود واحد فإن وزع على عدة معبودين صار كل معبود منهم حاصلا على كل الخضوع وذلك يشبه أن يكون الشركة نفسها مملوكة ملكية تامة لأربعة أشخاص وهذا غير ممكن إذ وجود الشركاء في الشركة تجعل لكل منهم نسبة من الحصص ولا يمكن أن يملك الشركة شخص واحد إلا إن كان مالكها الوحيد ولم يكن له شريك فيها، وبهذه الحجة العقلية يمكننا استفتاح النقاش مع المشركين الحقيقيين من غير المسلمين من الوثنيين وعباد الأصنام وغيرهم فنلزمهم بوجوب وجود إله واحد عقلا حتى نقنعهم بأول ركن في الشهادتين "لا إله إلا الله" بعد إثباتنا وجوب وجود الخالق التام في كل صفاته.
قال لي: كلامك كله فلسفة في فلسفة، ألا تحسن الاستدلال بقال الله قال الرسول ؟
قلت له: طيب، على نفسها جنت براقش، السؤال: أين قال الله (المستغيث بغير الله مشرك) وأين قال (الاستغاثة عبادة) تفضل ولا تتفلسف بأي كلمة من عندك.
قال: هناك آيات كثيرة في الدعاء.
قلت له: ليس سؤالي عن الدعاء، فالدعاء يبدأ بحرف الدال ثم العين ثم همزة الوصل ثم الهمزة على السطر، (د. ع . ا .ء) وسؤالي عن (الاستغاثة) فإن جعلتهما شيئا واحدا فبدون فلسفة هات لي آية تجعلهما نفس الشيء بلفظ صريح وإياك أن تنطق حرفا من عندك فأتهمك بالتفلسف.
قال: لا توجد
قلت: أرأيت أنك تزعم التخصص في باب التوحيد وعند التمحيص اتضح أنك لا تفهم فيه شيئا وأن قواعدك التي تكفر بها المسلمين لو ألزمت نفسك بها لكنتَ في نظر نفسك أول الكافرين، أنت لم تستطع تعريف العبادة ولا الاستغاثة ولا الدعاء ولا الربط بين الاستغاثة والدعاء ولا بين الاستغاثة والعبادة.
قال: ولكن كثيرا ممن يزعمون الإسلام لا يعرفون معنى لا إله إلا الله أصلا، فلا يقولون بأنه لا معبود بحق إلا الله وإنما يقولون لا رب إلا الله، ومعلوم أن المشركين كانوا يوحدون الربوبية دون الألوهية.
قلت له: هؤلاء الذين يعرّفون "لا إله إلا الله" بقولهم "لا رب إلا الله" لو أنك سألتهم " هل يوجد مستحق للعبادة غير الله" بماذا يجيبونك ؟
قال: سيقولون لا يوجد
قلت له: أليس ذلك دالا على أنهم يعتقدون أن لا معبود بحق إلا الله حتى ولو لم يذكروها لك اصطلاحا عند مطالبتك لهم بالتعريف ؟
قال: صحيح، لم أنتبه لهذه النقطة من قبل.
قلت: إذًا ليس شرطا أن يعطيك التعريف الذي تريده كي تفهم من تعريفه أنه علم معنى لا إله إلا الله وإنما كل المسلمين يعلمون أن الشرك كفر، ويعلمون أن عبادة غير الله شرك ولكن خلافهم معك في تحديد ما يكون عبادة وما لا يكون عبادة وهو ما لم تستطع تحديده يوم عجزت عن تعريف اللفظ.
قال: هل ستذلني بعدم معرفتي للتعريف خلاص مررها.
قلت: الأمر غير متعلق بعدم معرفتك له بسبب نقص اطلاعك وإنما المنهج الذي تسلكونه في اتهام الناس بعبادة غير الله قائم على عدم تحديد تعريف جامع مانع للعبادة وذلك معناه أن المنهج نفسه فاسد يصنف الفعل عبادة بمزاجه تارة ويخرجه عن العبادة تارة أخرى، تسأله عن الاستغاثة فيجعلها عبادة فلو سألته عن الاستغاثة بالحي قال: توجد استغاثة بغير الله مشروعة وأخرى ممنوعة، يا حبيبي إن كانت الاستغاثة عبادة فمعنى ذلك قولا واحدا أن الاستغاثة بأي شيء هي عبادة له، سواء كان إنسانا حيا، سلحفاة، باذنجان، بيبسي، صابون، بطريق، حشرة، حجرة، قبر، بيتزا .لا فرق، كل ما سوى الله فعبادته شرك، فلا تقل لي الحي القادر والميت العاجز وكأن الحي القادر تجوز عبادته والمحرم عبادة الميت العاجز.
قال: ماذا لو قلنا الاستغاثة بالميت هي العبادة أما الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه فليست عبادة.
قلت له: هنا تقع في مصيبة عظمى، اسحب تعريفك هذا على الله (عندما تستغيث بالله) فهل هي عبادة لله فيلزمك حسب تصنيفك أن يكون ميتا وغير قادر أم أنه حي قادر فيلزمك أن استغاثتك به ليست عبادة ؟
قال: قال: أعني في غير الله.
قلت له: لا ينفع أن تضع تعريفا ثم تخرج منه وتدخل فيه فبمجرد إيراد الجزئرية السالبة على كليتك الموجبة ينتقض التعريف وكذلك لو أوردت جزئية موجبة على كلية سالبة ينتقض التعريف، ومع ذلك سأتماشى معك، فهل استغاثة الناس بفرعون مع اعتقادهم ربوبيته كانت عبادة أم لا ؟
قال: فهمتك، أنت تقصد أن الاستغاثة في حد ذاتها ليست عبادة وإنما بحسب القصد من وراء الاستغاثة.
قلت: بحسب المقابل الذي تعطيه للمغيث، هو يغيثك فهذا معروف أسداه لك فهل هو مقابل عبادتك له أم بغير مقابل عبادة ؟ وقد شرحت ذلك في مقالي عن طلب البيتزا.
قال: لماذا تتعامل مع هذه المواضيع بأسلوب مستهتر، بيتزا، باذنجان، لماذا لا تتكلم بلغة أهل العلم ؟
قلت: قد كلمتك بلغة أهل العلم فقلت لي "أنت تتفلسف" فشرحت لك بلغة الخشيبات والقريصات من باب تبسيط العلم للعوام، ففهمتَه وهو المطلوب.
قال: مع أن في النفس شيء إلا أني أعترف أني صرت مترددا في إطلاق أحكام التكفير على من خالفني في هذا الباب.
قلت: وذاك عين المطلوب، ليس الهدف من وراء حواري إقناعك بالاستغاثة بالأموات ولا الأحياء وإنما كي لا ترمي المسلمين بالشرك، وإلا فأنا شخصيا لا أستغيث لا بالأموات ولا جعلني الله في موضع أحتاج الاستغاثة فيه بالأحياء إلا من كان صديقا أنفعه كما ينفعني أو أكثر مما ينفعني أو قريبا ليس بيني وبينه حساب.
ولكن اختياراتنا الشخصية شيء والأحكام الشرعية شيء آخر.
كتبه #صهيب_بوزيدي
