تفريق الإمام الطبري بين المصور الذي ينوي المضاهاة والذي لا ينويها
#أولا_نقل_كلام_الطبري:
جاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال: قال الطبري: إن قال قائل: ما أنت قائل فيمن صور صورة وهو لله موحد ولنبيه عليه السلام مصدق أهو اشد عذابا أم فرعون وآله؟ فإن قلت: من صور صورة، قيل: قد قال الله خلاف ذلك: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ـ قيل: ليس في خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل بل هو له مصدق، وذلك أن المصور الذي أخبر النبي عليه السلام أنه له أشد العذاب هو الذي وصفه النبي عليه السلام في حديث عائشة بقوله: الذين يضاهون خلق الله ـ قال المؤلف: المتكلف من ذلك مضاهاة ما صوره ربه في خلقه أعظم جرما من فرعون وآله، لأن فرعون كان كفره بقوله: أنا ربكم الأعلى ـ من غير ادعاء منه أنه يخلق ولا محالة منه أن ينشئ خلقا يكون كخلقه تعالى شبيها ونظيرا، والمصور المضاهي بتصويره ذلك منطو على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرا منه فهو بذلك أشدهم عذابا وأعظم عقابا، وأما من صور صورة غير مضاه ما خلق ربه، وإن كان بفعله مخطئا، فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره، فإن قيل: وما الوجه الذي تجعله به مخطئا إذا لم يكن في تصويره لربه مضاهيا؟ قيل: لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أنه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه، إذ كان الفعل الذي هو دليل على المضاهاة منه ظاهرا، والاعتقاد الذي هو خلاف اعتقاد المضاهي باطن لا يصل إلى علمه راءوه. اهـ
#قلت_صهيب: للبرهان على صحة كلام الطبري نقول ما يلي:
1 - أولا ينبغي التنبيه على أن المقصود من التصوير هو صناعة التماثيل والرسم باليد على خلاف بين أهل العلم في التفريق بين الصورة التي لها ظل والتي ليس لها ظل، ولكن وِفق مفهوم الإمام الطبري فالعلة في التحريم غير متعلقة بالظل وعدمه وإنما مناطها محاولة مضاهاة خلق الله وهو أمرٌ يرجع إلى النية والقصد.
2 - عندما ننظر للنصوص التي وردت في تحريم التصاوير نجدها جميعا معللة بمضاهاة خلق الله نصا وبيان ذلك كما يلي:
3 - قالت عائشة رضي الله عنها: ((دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متسترة بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة، الذين يشبهون بخلق الله)) (رواه مسلم).
فنلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العلّة مباشرة ((أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله)) ووصفهم بأنهم من أشد الناس عذابا يوم القيامة، فمعناه أن الحُكم الذي يتكلم عنه ليس مجرد حكمٍ فقهي وإنما هو حكمٌ عقائدي ولا يكون المرء أشد الناس عذابا يوم القيامة أو من أشدهم عذابا إلا إن كان كافرا وإلا فلا يُعقل أن يكون مسلما وعذابه أشد من عذاب الكفار أنفسهم إذ ذلك مناقض لقول الله تعالى ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) كما قال تعالى ((ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)) وقال الله لبني إسرائيل بعدما كفروا ((ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب)) كما أن كل الآيات التي ورد فيها ذِكر الجحيم نزلت في الكفار فكيف يمكن أن يكون الفعل المحرم أكبر ذنبا من الكفر إلا إن كان نوع تحريمه اعتقاديا فيكفر فاعله.
4 - عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ).
(رواه البخاري 5607 ومسلم 2108 )
والشاهد من هذا النص أن الله سيقول لهم ((أحيوا ما خلقتم)) فيُعجزهم ويبين لهم أن محاولتهم مضاهاة خلق الله التي كانت عبارة عن ادعاءٍ ضمني للربوبية باءت بالفشل، وإلا فإن أرادوا البرهان على أنهم يخلقون كمثل خلق الله فلينفخوا فيها الروح أو يعيدوا إحياءها، مما يدل على أن هؤلاء المصورين المقصودين في الحديث هم أقوام كانوا يدعون القدرة على خلق ما يمكن لله خلقه فأعجزهم الله بذكر الفارق بين مخلوقاتهم وما خلقه الله وهو بث الروح فيها وإعطائها القدرة على الحياة والعقل والاختيار والإرادة كما وهبهم الله ذلك، أما قدرتهم على الصناعة الجسدية فقط فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سيحاججهم فيها وذلك لأنه يعلم أنه أعطاهم القدرة على ذلك وقدرتهم هذه تعود على قدرة الله العظيمة إذ أنه قادر على أن يخلق كائنات تقدر على صناعة مثل هذا، ثم ولكي لا يغتروا بأنفسهم منعهم من القدرة على خلق كائنات لها إرادة وجعل ذلك خاصا به وحده ولو شاء أن يعلّمهم ذلك أو يساعدهم عليه لفعل كما فعل مع عيسى عليه السلام.
5 - قال الله تعالى وهو ينقل كلام عيسى عليه السلام بأسلوبه القرآني: ((وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))
فدلّ ذلك على أن الله أجاز لعيسى عليه السلام أن يصنع صورا من الطين (وكانت تماثيلا) ثم أعانه على أن ينفخ فيها وأذن له في ذلك ليظهر لهم معجزة من ربه ويدلّهم على أنه رسول الله، فلما اختلفت العلة اختلف حكمها من الكفر إلى الوجوب، فتبليغ النبي للرسالة واجب وإظهاره للمعجزة مما لا يقوم واجب تبليغ الرسالة إلا به فهو واجب، وبدل أن يعذبه الله ويتحداه أن ينفخ في ذاك الطير الروح جازاه خيرا وأعطاه القدرة على إحياء الموتى ونفخ الروح في الطير ولا يحصل ذلك لبشر إلا بإذن الله، بل لا يستطيع أي مخلوق أن يحكّ حتى رأسه ولا أن يرمش بعينه إلا بإذن الله.
6 - وعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت : قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ) .
(رواه البخاري 5610 ومسلم 2107 ).
وهنا ذُكرت علّة المضاهاة بشكل واضح صريح في قوله صلى الله عليه وسلم ((الذين يضاهون بخلق الله)) مما يدل على أم حكم تحريم التصوير ليس تعبديا وإنما هو حكمٌ معلل، والحكم المعلل يدور مع علته وجودا وعدما فإن كانت علته فيه وإلا زال الحكم، قال ابن القيم رحمه الله: ((ولهذا إذا علَّق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالها، كالخمر علق بها حكم التنجيس، ووجوب الحد لوصف الإسكار . فإذا زال عنها وصارت خلًا زال الحكم.)) (إعلام الموقعين 5/ 528).
فإن تبين ما سبق اتضح أن علة تحريم التصوير والوعيد الشديد الذي جاء في المصورين هو نية مضاهاة خلق الله أما إن كان بغير نية مضاهاة خلق الله فإن الحكم يزول بزوال العلة "أي حكم التكفير والوعيد بأن يكون من أشد الناس عذابا يوم القيامة"
7 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)) (رواه البخاري ومسلم).
والشاهد من هذا الحديث أن المخلوق لا يقدر على أن يخلق شيئا بغير إذن الله وقد أعجز الله المخلوقات في صنع كل ما له علاقة بالحياة سواء كان مما له روح كالحيوان أو نباتا كالحبة والشعيرة، مما يدل على أن التصوير المعلل بنية المضاهاة لا يجوز لا في ذوات الأرواح ولا في غير ذوات الأرواح، ودل هذا الحديث على انتشار ظاهرة تقليد خلق الله أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن من يقلد خلق الله يكون مدعيا للربوبية وهذا يكون أشد كفرا من المشرك والملحد، لأنه جعل نفسه ربا أو شريكا للرب في الخلق بينما المشرك والملحد نسب ذاك الكفر لغيره، لذلك لما كان هذا النوع من المصورين هو النوع السائد أيام النبي صلى الله عليه وسلم صنّفهم مباشرة مع فرعون وبقية مدعي الربوبية ليكونوا أشد الناس عذابا يوم القيامة.
8 - إذا اتضح أن الوعيد المذكور في كل أحاديث تحريم الصور متعلق بتحريم التكفير لا التحريم الفقهي صار واضحا أن هذا الحكم لا ينبغي أن يُنسخ لا بين الشرائع ولا في دين الإسلام وذلك لأن مسائل العقيدة اتفق عليها الأنبياء وإنما اختلفوا في الأحكام كل وشريعته التي أنزلت عليه فلا يمكن أن يأتي نبي بعقيدة تخالف عقيدة نبي آخر ولا يمكن أن يكون الله ثالث ثلاثة مثلا ثم يصبح إلها واحدا وإنما الله هو الله والعقيدة فيه واحدة وهو فرد صمد لم يلد ولم يولد منذ الأزل ومما يدل على عدم وجود نسخ في العقائد قول الله
((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) وقال أيضا ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)).
ومنه فإن التصوير بنية المضاهاة محرم وهو كفر في كل الشرائع السابقة أيضا لا يُنسخ في أي شريعة لأن المكفرات لا تُنسخ وإنما تنسخ المحرمات التي لا تنقل عن ملة الإسلام العام.
9 - بناءً على ما سبق وجب توضيح نقطة مهمة، هل مجرد صناعة التماثيل والصور يقتضي نية المضاهاة بالضرورة أم يمكن للصانع ألا ينوي بها المضاهاة ؟ الجواب: قد لا ينوي الصانع المضاهاة فيكون صنعه لهذه التماثيل غير موجب للوعيد يوم القيامة، ثم بعدها يُنظر في حكم المصور بغير نية المضاهاة فيختلف حكمه عن حكم المصور بتلك النية وهذا يأتي تفصيل حكمه لاحقا.
10 - سأل رجل ابن عباس رضي الله عنه فقال: ((إنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هذِه الصُّوَرَ، فأفْتِنِي فِيهَا، فَقالَ له: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا منه، ثُمَّ قالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا حتَّى وَضَعَ يَدَهُ علَى رَأْسِهِ، قالَ: أُنَبِّئُكَ بما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ، يَجْعَلُ له، بكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ. وقالَ: إنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَما لا نَفْسَ له، فأقَرَّ به نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ)) (رواه مسلم)
الشاهد: أن ابن عباس لم يجب السائل بفتوى مباشرة من عنده بادئ الأمر وإنما أعطاه نص النبي صلى الله عليه وسلم كما هو، ومفاد النص ((كل مصوّرٍ في النار)) رغم أن هذا النص مقيدٌ بنص آخر وهو قول الله تعالى ((ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)).
فهذه الآية دلت على أن سليمان عليه السلام أمر الجن بصناعة التماثيل ولو كان مجرد صناعتها داخلا في المضاهاة لما جاز أن يأمرهم بالكفر ومضاهاة خلق الله، مما يدل على أن حكم التصوير معلل بالمضاهاة فإذا زالت العلة زال هذا الحكم إلا إن ورد نص آخر يدل على تحريم التصوير بغير نية المضاهاة فيكون حكمه أخف من الأول أو يدل على كراهة ذلك، لكن النصوص التي ورد فيها الوعيد بالنار وأن أهلها من أشدهم عذابا يوم القيامة منوطة فقط بعلة المضاهاة.
وبالجمع بين حديث ابن عباس والآية يصبح المقصود بالحديث ((كل مصور يريد مضاهاة الله فهو في النار)) وإلا فإنه إن لم يُقيد بذلك فإنه يلزم أن يكون سليمان عليه السلام من أهل النار والعياذ بالله وذلك لأنه من أمر الجن بصناعة تلك التماثيل والنبي لا يأمر بمحرم ولا بشرك حتى وإن لم يفعله بنفسه.
ثم فهم ابن عباس من النصوص التي يعجز الله فيها المصورين يوم القيامة بقوله (أحيوا ما خلقتم / انفخوا فيها الروح...) فيقول للرجل (إن كنت فاعلا ولا بد فلا تصنع ما ليس له روح) رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الله يتحدى الناس بخلق شعيرة أو حبة أو ذرة رغم أنها ليست من ذوات الأرواح، مما دل على أن العلة ليست في كونها من ذوات الأرواح وإنما في نية المضاهات فمن ينوي منافسة الله في خلقه فإنه كافر ومن أشد الناس عذابا يوم القيامة وإن صمع خُشيبة أو قريصة أما من ينوي غير ذلك فإنه لا يكفر حتى ولو صنع تماثيلا كما وقع مع سليمان وعيسى عليهما السلام، بل إن عيسى صنع تمثالا ونفخ فيه الروح وصار حيا ومع ذلك لم يكفر وذلك لأنه فعل ذلك بأمر الله خاضعا له ولم يفعله معاندا لله قاصدا مضاهاته، ولم يكن الله ليأمره بمثل ذلك إلا لعلمه بصفاء قلبه وعدم استغلال تلك المعجزة لادعاء الربوبية بدل النبوة.
11 - فما الذي نفهمه من تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية التصاوير معلقة في بيت عائشة رضي الله عنها وهو يعلم قطعا أنها لا تريد بذلك مضاهاة خلق الله ؟ ولماذا أمر بتمزيقها ؟
الجواب: لأنه علم أن صناع تلك الصور تحديدا أرادوا بها مضاهاة خلق الله وهو نبي يُعلمه الله ما لا يعلمه الآخرون، وذلك لا يعني أن كل من يصنع صورة يكون حكمه كحكمهم ولا نيته كنيتهم، والأمر الثاني: لأن انتشار تلك الظاهرة آنذاك جعلت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن إعانة أولئك بشراء منتجاتهم وذلك من باب عدم التعاون على الإثم والعدوان، ثم لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة، رغم أن الكلب من مخلوقات الله ويجوز استعماله في الحراسة وقد ثبت أن الملائكة قد لا تدخل البيوت حتى لوجود أسباب مكروهة أو جائزة مثل عدم دخولها للبيت الذي فيه جُنب رغم أن النوم على جنابة ليس محرما، فقد ورد في سنن النسائي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب)) والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه جبريل عليه السلام فكره أن يكون في بيته ما يمنع الملائكة من الدخول.
#خلاصة_الحكم: إن الأصل في تحريم التصوير والتماثيل معلل بنية المضاهاة فما كان كذلك كان كفرا لأن صاحبه يدعي الربوبية ويكون عذابه يوم القيامة كعذاب فرعون كلاهما توعدهما الشارع بأن يكونا أشد الناس عذابا يوم القيامة، أما المصور للتماثيل أو الصور بغير نية المضاهاة فلا تشمله نصوص الوعيد وإنما يُنهى عن فعله سدا للذريعة وسد الذريعة هنا منصوص عليه، أما نوعية النهي أهي من جهة التحريم أو الكراهة فإن دلالات النص تفيد أنها إما مكروهة كراهة شديدة وإما محرمة لكنها ليست من الكبائر ولا الكفر ولا ورد الوعيد خصيصا فيها، ومن أراد أن يستبرئ لدينه فليتعامل معها تعامل التحريم ما لم يكن في ذلك أي مصلحة.
أما الرسوم التي لا يراد بها تقليد خلق الله ولا هي من جنس تقليد المخلوقات وإنما هي من رسوم الأنمي والكرتون أو الألعاب فلا شك في جوازها لأنها صُنعت للتسلية والنية فيها لا ريب فيها بخلاف شراء الصور التي قد صُنعت بنية مضاهاة خلق الله خاصة في زمنٍ كانت التماثيل لا تصنع فيه إلا لتأليهها أو تأليه صانعها، والله أعلم.
لذلك فتجوز صناعة الأنمي والألعاب كما تجوز مشاهدتها وهذا قول معظم الفقهاء المعاصرين.
قال الشيخ صالح المنجد: جاء في "الموسوعة الفقهية" :
((وقد اسْتَثْنَى أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَصِنَاعَةِ التَّمَاثِيلِ صِنَاعَةَ لُعَبِ الْبَنَاتِ . وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ جَوَازَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، فَقَالَ : يُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ تَصْوِيرِ مَا لَهُ ظِلٌّ ، وَمِنْ اتِّخَاذِهِ لُعَبَ الْبَنَاتِ ، لِمَا وَرَدَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا يَعْنِي جَوَازَهَا ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ اللُّعَبُ عَلَى هَيْئَةِ تِمْثَالِ إنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ ، مُجَسَّمَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحَيَوَانَاتِ أَمْ لا ، كَفَرَسٍ لَهُ جَنَاحَانِ . ..
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : (كُنْت أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إلَيَّ ، فَيَلْعَبْنَ مَعِي) . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ : (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ ، وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ ، فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ قَالَتْ : بَنَاتِي . وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهَا جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ ؟ قَالَتْ : فَرَسٌ . قَالَ : وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ ؟ قَالَتْ : جَنَاحَانِ . فَقَالَ : فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ ؟ قَالَتْ : أَمَا سَمِعْت أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلا لَهَا أَجْنِحَةٌ ؟ قَالَتْ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى رَأَيْت نَوَاجِذَهُ)...))انتهى.
أما التصوير الفوتوغرافي فهذا ليس تصويرا بالمعنى المذكور في التحريم وسمي تصويرا من باب الاشتراك اللفظي فقط، وإنما هو نقل للصورة ويقاس حكمه على حكم النظر في الماء والمرآة لذلك لم أجعل حكمه داخلا في مبحث التصوير من أساسه، ولا شك في جوازه، أما إن كان صانع آلة التصوير يعتقد أنه بآلته يضاهي خلق الله فهذا يشمله حكم المصورين بل يشمل ذلك من اعتقد مضاهاة خلق الله حتى ولو صنع بيتزا أو سيارة أو طبقا من الشوارما وذلك لأن نية مضاهاة الله في حد ذاتها مكفرة فكيف بمحاولة البرهان الباطل عليها ؟ فإن قيل ليس في صنع المأكولات ما يدل على قدرة الشخص على المضاهاة قلنا ولا يقدر الشخص على مضاهاة ربه أصلا وإلا لكان ربا مثله وإنما هو ادعاء منه على قدرة تقليد الرب وادعاؤه هذا باطل ومحاولته البرهان على ذلك بالرسم أو صناعة التماثيل محاولة باطلة لذلك يقال له (انفخ فيها الروح) يوم القيامة للدلالة على وجود فارق عظيم بين صنعه وصنع الله، ولذلك فمن المنطقي أن يقال في التصوير الفوتوغرافي إن المصور الذي اشترى آلة التصوير ليس له أي إبداع في عمله وإنما المبدع صانعها لذلك فإن فتنة ادعاء مضاهاة خلق الله قد تكون للصانع لا المستهلك، ومع ذلك فإن كثيرا من الصناع والمخترعين لم يدعوا مضاهاة خلق الله لعلمهم بالفارق الحاسم بين الفعلين وهذا حال أهل الإبداع من الأذكياء بخلاف صناع التماثيل أيام الجاهلية كانوا أغبياء لدرجة اغترارهم بأنفسهم لمجرد تماثيل مصنوعة من الحجارة صنعوها، ولا أدري ما عساهم يفعلون لو صنعوا مثل هذه الآلات المتطورة، وأحيانا لا يكون الذكاء والغباء هو المعيار وإنما الجحود والمعاندة والكبر فمع علم المرء بضعفه وعجزه يدعي الربوبية ليضل الناس وينال نصيبا من متاع الدنيا ثم يكون عليه كل ذلك وبالا يوم القيامة ولا يفلح الكافرون الجاحدون لنعم الله، ونسأل الله أن يجعلنا من الشاكرين المؤمنين.
كتبه #صهيب_بوزيدي
