امتناع تعدد الخالقين التامين
جوابا على هذا السؤال أتبع النقاط التالية:
1 - خالق الكون إما أن يكون تاما وإما أن يكون ناقصا، إن كان ناقصا فإنه يقال [من خلقه] لأن الناقص مُحتاج إذ سبق وجوده العدم، والعدم فاقد لكل الصفات وفاقد الشيء لا يعطيه فكما لا يمكن أن يعطيك من لا يملك أي دينار مليار دينار كذلك لا يمكن أن يعطيك من لا يملك وجودا لنفسه وجودا لك، فالعدم غير متصف لا بالوجود ولا بالحياة ولا بالقدرة ولا بالعلم ولا الفهم لذلك لا يمكنه أن يعطي لغيره هذه الصفات، ومنه فإنه لا بد من خالق لهذا الخالق لو كان ناقصا، ثم يقال عن خالقه أهو ناقص أم تام ؟ فإن كان ناقصا فإنه محتاج لخالق آخر ولن تتوقف السلسلة إلا بالخالق التام الذي لا يحتاج إلى خالق آخر وذلك لأن الأصل فيه الوجود لا العدم، فهو موجود منذ الأزل فلا يحتاج لمن يخلقه أو يوجده بل إنه من المستحيل أن يكون مخلوقا وأزلي الوجود في آن واحد وذلك لأن المخلوق لا يكون إلا حادثا [خُلق ووجود بعد أن لم يكن موجودا] لذلك فلا بد من أن يكون خالق الكون تاما في وجوده.
2 - التام في الوجود هو التام في كل صفاته وذلك لأن الوجود هو الكلّية التي تتفرع عنها كل الصفات إذ كل حي موجود ولكن ليس كل موجود حيا فالوجود هنا كلية والحياة جزئية، وكذلك بقية الصفات كلها تتفرع عن بعضها البعض والوجود هو الكلية الكبرى التي تتفرع منها كل الصفات، فإن كان الوجود تاما فكل ما تفرع عنه يكون تاما وذلك لأن الحي الناقص لا يكون موجودا تاما، فالذات الموجودة تساوي مجموع صفاتها فلو كان مقدار إحدى صفاتها ناقصا فإنه لا يمكن وصف تلك الذات بالتمام.
3 - بناء على فإن الخالق التام لا يكون تاما في صفته إلا إن كان خالق كل شيء وكان قادرا على أن يخلق ما لا نهاية من المخلوقات كما أن إبداعه في الخلق لا نهائي بحيث يقدر على خلق مخلوق أفضل مما خلقه في كل مرة بحيث يكون ذلك المخلوق محدود القدرات ولكن الله يقدر على أن يخلق من هو أكمل منه، ولو مثّلنا ذلك ووضعنا وحدة للإبداع في المخلوق فقلنا إن قيمة ذلك المخلوق تساوي [100 وحدة] فإن هذا المخلوق يكون ناقصا لأن قيمته محدودة ولكن الله عز وجل قادر أن يخلق مخلوقا أقوى منه فيخلق مخلوقا قيمته [مليار وحدة] فذاك المخلوق محدود القيمة لكن الله قادر في كل مرة على خلق مخلوق أقوى منه فيخلق مثلا مخلوقا بقيمة [10 أس 1000] فهذه قيمة هائلة ولكنها محدودة والله قادر على أن يخلق مخلوقا أقوى من ذلك، فبإمكان الله أن يخلق مخلوقا قوته تفوق قوة الملائكة والبشر والجن وما لا نعلم من المخلوقات ويكون قادرا على سحق عنقود مجرّي كامل في طرفة عين وذلك لا يمنع من أن يكون مخلوقا ناقصا والله مع ذلك قادر على خلق مخلوق أقوى منه ومهما كانت قوة هذا المخلوق فإن قيمته مقارنة بالله تؤول إلى الصفر وذلك لأن تقسيم أي عدد محدود على الما لانهاية تؤول إلى الصفر [0+] أي صفر فاصل ما لا نهاية من الأصفار ثم الواحد فعندها يصبح المخلوق الذي قيمته [10] والمخلوق الذي قيمته [10 أس 1000] كلاهما مقارنة بالله تؤول قوتهما إلى الصفر لأن 10 قسمة ما لانهاية تؤول إلى الصفر [0+] وكذلك 10 أس 1000 قسمة ما لا نهاية تؤول إلى الصفر، فهذا الكائن مهما كانت قوته عظيمة فإنه يكون مخلوقا لله يمكن لله أن يبيده في 0 ثانية.
وإنما الخالق التام هو الذي تكون قوته لا نهائية ويكون خالق كل شيء.
4 - بناء على ما سبق فإن الخالق التام يكون خالق كل شيء ومالك كل شيء وذلك لا يمكن أن يكون إلا لخالق تام واحد فقط والسبب أننا لو افترضنا وجود خالقين تامين فما أكثر فإنه يلزم من ذلك أن يكون إما أحدهما خالقا لكل شيء والآخر ليس خالقا لأي شيء فيكون الثاني ليس خالقا تاما [إذ بدل أن يكون خالق كل شيء صار خالق 0 من الأشياء] وإما أن يشتركا في الخلق فيكون كل منهما خالقا لنسبة معينة من الأشياء وكلاهما ليس خالقا لكل شيء وهذا مانع عقلي آخر، ثم سيُقال هل الخالق التام الأول خلق الخالق التام الثاني أم الثاني خلق الأول أم لم يخلق أي منهما الآخر أم خلق كل منهما الآخر ؟ فإن قيل إن الأول خلق الثاني فقد صار الثاني مخلوقا للأول ولم يعد خالقا تاما كما أنه لا يمكن أن يكون خالق كل شيء لأنه مخلوق من الأول وبالضرورة لن يكون الثاني خالقا لخالقه، وإن قيل أن الثاني خلق الأول صار الإشكال في الأول نفس الإشكال الذي طرحته في الثاني سلفا، وإن لم يخلق أي منهما الآخر فكلاهما ليس خالقا لكل شيء إذ الأول لم يخلق الثاني والثاني لم يخلق الأول ولا يمكن احتمال خلق كل منهما للآخر لأنه دور سبقي قبلي يلزم منه التناقض فيكون الأول خالق للثاني أي موجودا قبله ومخلوقا له أي موجودا بعده في نفس الوقت وهذا تناقض إذ كيف يكون قبله وبعده في نفسه الوقت.
5 - بناء على ما سبق فإن امتناع وجود الخالقين التامين ليس سببه فقط الخوف من اقتتالهم بل سببه استحالة ذلك عقلا من الأساس إذ إما أن يكون الخالق تاما واحدا وإما أن يكونوا خالقين متعددين ولا يكون أي منهم تاما فيحتاجون لمن خلقهم ولا يتوقف الأمر إلا عند الخالق التام.
كتبه #صهيب_بوزيدي

