المشكلة ليست في الخلاف بل في إدارته
بعد مسيرة قدرها سنوات من النشاط الدعوي على منصة الفايسبوك تحديدا اكتشفت أن سبب استمرار العلاقة بيني وبين من استمر بمتابعتي إلى الآن ليس هو الاتفاق بيني وبينهم على كل النقاط وإنما لأن معظمهم يجيدون إدارة الخلاف والتعايش مع الرأي المخالف، فما من إنسانين على وجه الأرض إلا وبينهما نقاط يتفقان عليهما ونقاط أخرى يختلفان عليها سواء قلّت أم كثرت، حتى ولو حاول أحدهما تقليد الآخر فقد لا يعلم رأيه في كل المسائل وقد يخطئ تقليده والدليل أن المنتمين لمدرسة الشيخ ابن تيمية رحمه الله من الذين يحاولون تقليده يضلل بعضهم بعضا ويتهاجرون ويتطاعنون فخرج منهم من يرى وجوب قتال كل الحكام وخرج منهم في الوقت نفسه من يرى وجوب الطاعة العمياء لهم كما خرج منهم المعتدلون وكلهم يستدلون بأقوال ابن تيمية، كذلك خرج منهم من يعمل بقاعدة [ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه] وخرج منهم من يكفّر الصنف الأول، الدو*اعش والمداخلة على طرفي نقيض كلاهما يطعن في الآخر لكن الجميع ينتسب لابن تيمية، بل حتى على مستوى الخلاف الراقي بين التيميين الداخلين مجال الفلسفة وقع الخلاف في بعض المسائل الإبستمولوجية والآنطولوجية، ولو كان كل من يحاول تقليد شخصٍ يفلح في تقليده لاتفق المسلمون على قول واحد وهم مجمعون على وجوب تقليد النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم بما جاء في القرآن الكريم، وليست المشكلة في وجود الخلاف فهذا واقع لا مناص منه وإنما الإشكالية في طريقة التعامل معه.
وقد ينجح بعضهم في التنظير لفقه الخلاف ووجوب احترام الأقوال المخالفة لكنهم عند الامتحان العملي يسقطون في فخ التعصب للرأي فيهاجمون القول المخالف وإن قال به علماء يسلّمون بعدالتهم وأهليتهم العلمية، [وهنا قد ندخل في الإشكالية الثانية: قلّة العلم والاطلاع سبب لكثرة الإنكار، لذلك قيل من كثر علمه قلّ إنكاره، ذلك لأنه يعرف اختلاف العلماء في المسألة الواحدة فلا يتعصب ضد أي قول سمعه ولو ترجح له خلافه، إنما المشكلة فيمن يسمع الفتوى من عالم أو شيخ واحد فيحسبها محل اتفاق وإجماع ثم ينكر على كل من قال خلافها لأنه لم يسمع بوجود علماء قالوا خلاف القول الذي سمعه، وهذا يرجع لسببين:
الأول: ما سبق ذكره من قلة العلم والاطلاع
الثاني: انتشار ظاهرة الإفتاء بالقول الواحد وكتمان بقية الأقوال، عقلية [أفته بالقول الراجح ولا تنقل له الخلاف فيتكّل]، فيسمع مقلد ذاك الشيخ قوله الواحد فيهاجم كل من عارضه فيه، لأنه لا يعلم أن شيخه كتم عليه الخلاف في المسألة فيحسب الأمر محل إجماع، وقد يكون المترجح لدى شيخه هو قول أقلّية العلماء ويكون القول المخالف له قول الجمهور [لكنه لا يدري]
كتبه #صهيب_بوزيدي
