خطورة تحريم الحلال لا تقل عن استحلال الحرام
كثيرا ما نسمع عن خطورة [استحلال ما حرّم الله] ولكن قلّ من يتكلم عن خطورة تحريم ما أحلّ الله، رغم أن الثانية أخطر من الأولى، وذلك لأن الأصل في الأحكام الشرعية الجواز ما لم يرد دليل يصرفها إلى أحد الأحكام الأربعة الأخرى [التحريم، الكراهة، الاستحباب، الوجوب] لذلك فإن المفتي بكلمة [حلال]، بقي في أصل الاستحباب إلا إن ورد دليل على تحريم تلك المسألة فيجب عليه عندها الانتقال من أصل الجواز إلى التحريم بدليل، ومع وجود دليل على التحريم فقد يعذر بعدم بلوغه إياه أو بعدم تيقنه من ثبوته أو دلالته إلا إن بلغه النص وكان قطعي الثبوت قطعي الدلالة فعندها إن أصر على استحلال الحكم فإنه يكون مثل من يريد التشريع مع الله عز وجل، أما المفتي بالتحريم فهو لم ينطلق حتى من استصحاب الحكم على أصله في الجواز وإنما انطلق من التحريم وهذا لا بد له من دليل [وقد يكون الدليل ظني الثبوت أو الدلالة فيعذر في رأيه حتى ولو أخطأ الفتوى ولكن الخطورة الأكبر عندما يلجأ المفتي إلى التحريم دون الاعتماد على أي دليل، فلا هو يستدل بنص ظني الثبوت ولا بنص ظني الدلالة وإنما يحرّم بمزاجه وقد يفعل بعضهم ذلك ليظهروا أمام الناس بمظهر الحازمين الملتزمين المستعدين لتحمل الشريعة في أشد أحكامها، ويقع في أذهان بعضهم أن الأميل إلى التشدد أميل إلى التقى والخوف من الله، وهذا الأمر غير صحيح أبدا، فقد شهد الواقع أن كثيرا ممن كانوا يعرفون بفقه التيسير صبروا في ابتلاءات شديدة أمام أصحاب القوة والجبروت وانتهت بسجنهم أو قتلهم بينما المتزمتون أمام الناس البسطاء المستأسدين على العوام نجدهم خوّارين جبناء أمام أصحاب القوة والنفوذ وصدق من قال فيهم [خوارج على الشعوب مرجئة مع الحكام].
والدليل على أن تحريم الحلال أخطر من استحلال الحرام وإن كان كلاهما خطيرا هو تقديم النبي صلى الله عليه وسلم الأول على الثاني في هذا الحديث:
عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: ((أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ هذه الآية: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يُحَرِّمُونَ ما أحل الله فتُحَرِّمُونَهُ؟ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ الله فتُحِلُّونَهُ؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم)) [رواه الترمذي]
فلم يقل [أوليسوا يحلون الحرام فتحلونه ويحرمون الحلال فتحرمونه] إنما قال [أوليسوا يحرمون الحلال فتحرمونه ويحلون الحرام فتحلونه].
فإن لم يسلم أحد بناء على ما سبق بأن تحريم الحلال أخطر من استحلال الحرام فلا أقل من تسليم المنصف بتساويهما في الخطورة من الناحية الشرعية،
كتبه #صهيب_بوزيدي
