البرهان على وجود الله دون الانطلاق من مخلوقاته
#السؤال: [قد علمت أنك تقدر على إثبات وجود الله بطرق كثيرة كتبتَ ونشرتَ عنها ولكن هل تستطيع إثبات وجود الله دون الانطلاق من وجود المخلوقات ؟ بمعنى هل تستطيع إثبات وجود الله على افتراض أنه لم يخلق أي شيء فهل هناك دليل على وجوده لو لم يخلق أي شيء ؟].
#الجواب: سأقدم برهانين للجواب عن هذا السؤال كل واحد منهما كافٍ لذاته ولن أستعمل في أي منهما مقدمة وجود المخلوقات إذ البرهان عليه انطلاقا من وجود مخلوقاته أسهل بكثير وذلك لأن البرهان الذي سنقوم به يعتمد على قدر أقل من المعطيات والمقدمات التي ننطلق منها، ومع ذلك هناك ثلاثة نقاط اعتراضية أذكرها قبل البرهان للإشارة إلى استحالة هذا الاحتمال وجوديا [عدم وجود مخلوقاته وفي نفس الوقت يُطلب من أحد مخلوقاته البرهان على وجوده] ولكني سأجيب عنه على أساس عدم الاعتماد على وجود المخلوقات في البرهان لا على أساس عدم وجودها في الواقع.
1 - لولم يكن للعالم وجود لما كان لي وجود وعندها كيف أستطيع إثبات وجود الله وأنا غير موجود [غير قادر على التفكير والكلام والإثبات].
2 - لو لم يكن هناك شيء في الوجود من المخلوقات فلمن سأثبت وجود الله ؟
3 - إن لم يكن هناك أي مخلوق في الوجود فالوحيد الذي يُطلب منه هذا السؤال هو الله نفسه ولكن [من الذي سيسأل الله هذا السؤال ولا موجود غيره ؟ / لن يحتاج الله لطرح هذا السؤال على نفسه لأنه يعلم وجود نفسه فذاته بالنسبة إليه ليست غيبا بل هي معلومة ومُشاهدة].
#البرهان_الأول- إن كان المقصود من السؤال إثبات وجود الله دون الاعتماد في البرهان على الانطلاق من المخلوقات [الأثر] للوصول إلى المؤثر، فالجواب كالتالي: ننطلق بطريقة من طرق الاستدلال غير المباشر وتعرف بالبرهان بالتراجع فنثبّت فرضية على أساس صحتها ثم نبرهن عليها بالتراجع، فالقضية المراد برهنتها بالتراجع هي [وجوب وجود الله أو الخالق التام أو الرب التام]
للبرهان على صحة هذه القضية يكفي أن نذكر كل الاحتمالات الممكنة التي لا يمكن رفعها ولا الجمع بينها جميعا فإن بينا أن كل الاحتمالات الأخرى مستحيلة فإنه لا يتبقى لنا سوى صحة الاحتمال المفترض وهو المطلوب برهنته.
كل شيء إما أن يكون واجب الوجود أو مستحيل الوجود أو ممكن الوجود، فإن أثبتنا أن شيئا ما ليس واجب الوجود ولا مستحيل الوجود فهو ممكن الوجود وإن أثبتنا أنه ليس ممكن الوجود ولا مستحيل الوجود فهو واجب الوجود وإن أثبتنا أنه ليس واجب الوجود ولا ممكن الوجود فهو مستحيل الوجود ولا يوجد احتمال رابع.
نأتي للقضية التي نريد البرهان على صحتها [الله واجب الوجود] فإن أثبتنا أن كلا القضيتين [الله مستحيل الوجود] و[الله ممكن الوجود] خاطئتين فلا تتبقى سوى قضية واحدة صحيحة وهي [الله واجب الوجود] وبهذا يكون البرهان بالاستدلال غير المباشر على صحة القضية تاما.
1: أما استحالة الوجود فتتحقق بتركيب القضية من نقيضين ولا تناقض في وجوب وجود الله ومن زعم خلاف ذلك فليبرهن على هذا التناقض بإثبات وحداته الثمانية.
2: أما إمكان الوجود فهذا مستحيل، وذلك لأن الخالق التام هو اللانهائي في مقدار وجوده وحياته وسائر صفاته وذلك يقتضي أن يكون أزلي الوجود والحياة والأزلي لا يمكن أن يكون ممكنا لأن الممكن هو المسبوق بعدم.
3: لم يبق إلا احتمال وجوب الوجود وهذا الاحتمال لا يمكن نقضه إذ هو متناسق مع الصفات التامة المطروحة في القضية الافتراضية المراد برهنتها بالتراجع.
#البرهان_الثاني - هناك طريقة أخرى لإثبات وجود الله دون الاعتماد على وجود مخلوقاته وذلك بإثبات وجود الحقائق المطلقة، والطريقة هنا تختلف عن الانطلاق من إثبات الحقائق المطلقة لاستعمال مبدأ السببية وإنما الحقائق المطلقة نفسها ستكون الدالة على وجود الله وذلك كالتالي:
إما أن يكون للحقائق المطلقة وجود وإما ألا يكون لها وجود
فإن قال قائل ليس لها وجود فمعناه أن عبارة [ليس للحقائق المطلقة وجود] حقيقة مطلقة بالنسبة له وإن قال لها وجود فقد أثبتها.
فعند الانطلاق من إثبات الحقائق المطلقة نقول هل هذه الحقائق المطلقة أزلية أم حادثة ؟ إن قال حادثة لم يستقم الجمع بين جعلها حادثة وجعلها حقيقة مطلقة وذلك لأن الحقيقة المطلقة هي الكلّية أو القاعدة التي تنطبق على كل متعيناتها [جزئياتها] فإن قال بحدوثها لزمه عدم تحقق هذه الحقيقة قبل وجودها [إذ وجودها حادث] فلا يلزمه إلا القول بأزليتها وهنا يقال له [إن الحقائق عبارة عن قوانين متعلقة بالموجودات فما الذي يجعل هذه القاعدة أزلية الوجود وهي لا تتعلق إلا بموجود لولا وجود موجود تام أزلي يتصف بها وذاك هو الله، فمن الحقائق المطلقة عدم اجتماع النقيضين وهذه الحقيقة أزلية فمعناه يجب أن يكون هناك أزلي لتقوم به هذه القاعدة لأنها عرضٌ لا يقوم بذاته أو صفة لا تقوم بذاتها فلابد لوجود متصف بها لذلك فإن الله لا يجتمع فيه النقيضان ولا يرتفعان فهو المتصف بها وهي الحقيقة التي دلتنا على وجوده في هذا البرهان، فلا يقال إن الله موجود ومعدوم في آن واحد أو تام وناقص في آن واحد إذا فهو لا يتناقض ولا يقع عليه التناقض فهذه القاعدة من صفاته، أي تقوم به ولولا وجود أي ذات حقيقية متعينة منذ الأزل لما صح أن توجد هذه الحقيقة منذ الأزل وهذا برهان آخر على وجود الله دون الاعتماد على وجود مخلوقاته.
كتبه #صهيب_بوزيدي
