التعامل مع الشبهات الفقهية
للتعامل مع الشبهات التي قد يثيرها غير المسلمين حول المسائل الفقهية الإسلامية [ويخرج من ذلك باب العقيدة والأخبار] اخترتُ هذه المنهجية العقلية العلمية العامة حلّا قويا لها وهي ملخصة في النقاط والخطوات التالية:
1 - يجب أن تتأكد من أن الشبهة المثارة تتعلق بمسألة عليها إجماع المسلمين أو أدلّة قطعية الثبوت قطعية الدلالة فكل ما لم يكن كذلك فليس شبهة أساسا وذلك لإمكانية إسقاط ذلك القول الفقهي المثير للمشكلة إما لأنه ظني الثبوت وإما لأنه ظني الدلالة أو بتبني قول مذهب لا يقول بذلك القول المستقبح [لو سلّمنا جدلا أنه مستقبح ومحل إشكال، وإلا فقد يكون القول صحيحا ولا يكون مستقبحا إلى في نظر المستشكِل فيمكن عندئذ الدفاع عن ذلك القول وبيان عدم استقباحه].
2 - ليس كل جائز في الشريعة يكون مستحسنا عقلا أو عرفا وذلك لأن الله لم يحرّم كل ما من حقه تحريمه وإنما سكت عن أشياء رحمة بنا، فدلّ ذلك على وجود أشياء تستحق أن يحرمها الله علينا لكنه سكت عليها من باب الرحمة بنا وفيها نزل قوله تعالى ((لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)) فهذه الآية نزلت في الحث على السكوت عن الأحكام الفقهية حتى لا تفرض على المسلمين أحكام لم تكن لتفرض أو تحرم عليهم مسائل لم تكن لتحرم فالأصل في الأشياء الجواز والسؤال عن حكمها أيام نزول الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي نزول الجواب عنها والذي قد يكون جوابا بالتحريم أو الوجوب أو الجواز، فكان المعنى ألا يجازف المسلمون بالسؤال عما كان الأصل فيه الجواز فيدخلوا في مخاطرة احتمالية تحريمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَضَ فَرائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وحدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وحَرَّم أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وَسكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحثُوا عَنْهَا)) [رواه الدارقطني].
والشاهد من كل ذلك أن ليس كل ما لم يحرمه الله فهو يزكيه ويراه مستحقا لجوازه فقد لا يحرم مسائل من باب الرحمة بعباده، لذلك فإن استقباح بعض المسائل التي لم تحرم في الشريعة ليس دليلا على وجود خلل في هذا التشريع لأن الشارع لم يتناقض مع نفسه ولم يزعم أن كل ما أجازه فهو مستحسن عقلا بالضرورة، وقد يكون الاستحسان والاستقباح نسبيا ولا يكاد الناس يتفقون على هوى واحد لذلك قال الله ((ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)) وذلك لأن الأهواء تتعارض وتتناقض ومبدأ عدم اجتماع النقيضين حقيقة مطلقة تسري على كل الموجودات ولا يمكن لهذا التناقض أن يقع إذ لو أمكن وقوعه لأمكن فساد كل شيء.
3 - قد تكون الشبهة متعلقة بحكمٍ يظنه كثير من الناس حكما مجمعا عليه ولو راجعوا المسألة لوجدوها خلافية وقد يكون الصواب فيها خلافا لما عليه القول المشهور.
4 - يجب أن تعيد صاحب الشبهة إلى مذهبه لتلزمه بمثلها إن وُجد ذلك، فمثلا قد يكون مثير تلك الشبهة رجل من النصارى أو الهندوس ويكون مثل ذلك الحكم الذي استنكره موجودا في دينه، وقد يكون المستنكر لادينيا فإن ألزمك باستقباحه جواز حكم معين فاسأله وهل عندكم ما يفيد تحريمه وليس لديكم لا حلال ولا حرام ؟
5 - قد تكون الشبهة مبنية على استنكار عُرفٍ معاصر لها فذلك لا يكفي لاستقباحها إذ الأعراف تختلف من مكان لمكان ومن زمان لزمان فلا بد من تحديد المعيار العقلي الدقيق للاستقباح والاستحسان [وهل توجد قوانين عقلية لها مصادر إبستمولوجية صحيحة في باب الأخلاق حتى نحتكم إليها مع من لا دين له ؟ فإن كانت المعايير نسبية ذهب استشكال المخالف من أساسه.
6 - قد يكون ما يكرهه غير المسلم من الشريعة هو ما نحبه منها.
7 - أهم شيء يجب أن تعلم بأن النقاش الأصلي يجب أن يكون في العقائد وإثبات صحة الإسلام فبعد البرهان على وجوب وجود الله بصفاته التامة المطلقة ثم البرهان على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإننا سنعلم أن هذه الأحكام الشرعية نازلة من عند الله عز وجل وهو أعلم بالصواب والخطأ منّا فتصبح مناقشتها من باب العبث، إلا إن أراد المسلم أن ينطلق من تلك التساؤلات إلى الوصول للشريعة الصحيحة التي قررها الله عز وجل أي ليفهم مراد الله ومقاصده فيفهم دينه بشكل أفضل وأوضح فتتغير نظرته للقواعد الكلّية وما تفرّع عنها بما يكون مواقفا للشرع ويتجنب الفتاوى التي لا برهان عليها ويميز بين الأدلة الظنية والقطعية، لكن إن استشكل عليه أمر في فهم الحكمة من حكم فقهي معين فإنه يعلم ابتداء أن الأصل يكون في مناقشة صحة هذا الدين لا فيما تفرع عنه، فلا يمكن مناقشة ملحد في أحكام الوضوء وهو لم يؤمن بعد بالله أصلا.
كتبه #صهيب_بوزيدي
