هل يُعصم نسل فاطمة من الكفر
#السؤال: هل صحيح أن ذرية فاطمة لن يُختم لهم بالكفر ؟
#الجواب_قلت_صهيب:
1 _ أما فاطمة رضي الله عنها نفسها ففي الجنة بلا شك والدليل ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مرحبا بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي فبكيت فقال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة" أو "نساء المؤمنين" فضحكت لذلك)).
2 _ أمّا ذرّيتها فإن أريد بهم الأولاد المباشرون لا النسل المتسلسل إلى يوم القيامة فإن أولادها: الحسن والحسين رضي الله عنهما وزينب وأم كلثوم وهؤلاء ماتوا على الإسلام.
3 _ إما أن أريد بذلك نسلها إلى يوم القيامة فقد بحثت عن قائل لهذا الكلام فوقعتُ عليه بنفسي وسأنقله بنصّه من كتابه [شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلاني] تحديدا الجزء 4 الصفحة 332 (الطبعة الأولى لدار الكتب العلمية ببيروت) فقال ما نصه ((وروي: إنما سميت فاطمة؛ لأن الله قد فطمها وذريتها عن النار يوم القيامة أخرجه الحافظ الدمشقي، وروى الغساني والخطيب مرفوعا: لأن الله فطمها ومحبيها عن النار)).
ثم في التعليق على هذا الكلام الذي هو للقسطلاني يقول الزرقاني في شرحه له (("وروي" عن ابن مسعود رفعه "إنما سميت فاطمة" بإلهاء من الله لرسوله إن كانت ولادتها قبل النبوة وإن كانت بعدها فيحتمل بالوحي؛ "لأن الله قد فطمها" من الفطم، وهو المنع، ومنه فطم الصبي "وذريتها عن النار يوم القيامة"، أي منعهم منها، فأما هي، وابناها، فالمنع مطلق، وأما من عداهم، فالممنوع عنهم نار الخلود، فلا يمتنع دخول بعضهم للتطهير، ففيه بشرى لآله صلى الله عليه وسلم بالموت على الإسلام، وإنه لا يختم لأحد منهم بالكفر نظيره ما قاله الشريف السمهودي في خبر الشفاعة لمن مات بالمدينة، مع أنه يشفع لكل من مات مسلما، أو إن الله يشاء المغفرة لمن واقع الذنوب منهم إكراما لفاطمة، وأبيها صلى الله عليه وسلم، أو يوفقهم للتوبة النصوح، ولو عند الموت ويقبلها منهم أخرجه الحافظ الدمشقي" هو ابن عساكر، "وروى الغساني، والخطيب" وقال: فيه مجاهيل "مرفوعا" إنما سميت فاطمة، "لأنه الله فطمها ومحبيها عن النار" ففيه بشرى عميمة لكل مسلم أحبها، وفيه التأويلات المذكورة))
4 _ أما عن الرأي في القول المنقول سابقا فإنه واضح الاضطراب للأسباب التالية:
_ قد قال "روي" وهذه من صِيَغ التمريض ولا يصح بها السند إلى ابن مسعود لجهالة من روى عنه.
_ أحال لمن أخرجه وذكر بنفسه أن السند فيه مجاهيل.
_ ذكر تفسيرين متناقضين الأول (يجعل العصمة من الكفر لذرية فاطمة أي من جاء من نسلها) أي وإن لم يحبها والثاني (يجعل العصمة من الكفر لمن أحب فاطمة) أي وإن لم يكن من نسلها في الوقت الذي يذكر فيه سبب تسميتها بفاطمة.
_ في الرواية نفسها اضطراب وعدم جزم حتى بموعد ولادتها أهو قبل النبوة أم بعدها حتى اضطر الراوي لأن يقول (بإلهاء إن ولدت قبل النبوة) و(بوحي إن ولدت بعدها) مما يدل على عدم ضبط الراوي لأمر بسيط غير غيبي كهذا (ميلاد فاطمة) ولا موعد ولادتها ولا إن كان بإلهاء أم بوحي فإن كان لا يعرف عن هذه المعلومات شيئا فكيف عرف سبب تسمية فاطمة ؟ ثم إن الرواتين على ضعف سند كل منهما مضطربتين إحداهما جعلت العصمة من الكفر في النسب والأخرى في المحبة (كأن واضعي هذه الرواية يريد الغلو في التشيع وهذا كل ما يهمه لذلك ترد تارة لتبشير الذرية وتارة لتبشير شيعتهم.
_ الرواية تخالف المنطق السليم فإن هناك من أحبّ الله تبارك وتعالى وأحب الأنبياء ومع ذلك ارتد ولم يُختم له بالإيمان فكيف يكون من أحب فاطمة يعصم من الختم له بالكفر ؟ ونحن نعلم عددا كبيرا من المسلمين عبر التاريخ يرتدون ويموتون على غير الإسلام سواء كانوا شيعة أو سنة من مختلف المذاهب والأطياف كلهم فيهم من ارتد ومات على ذلك فالواقع يكذّب هذا.
_ أما جعل ذريتها معصومة عن الموت على الكفر فهذا لا دليل عليه من القرآن ولا من السنة بل في القرآن ما يفيد نقيضه وهو قول الله: ((فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)) وفي الأحاديث الصحيحة ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا )) [رواه مسلم]
وقوله صلى الله عليه وسلم ((من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه)) [رواه مسلم] وروى الطبراني ((إنَّ أهلَ بيتي هؤلاء يرونَ أنَّهم أولى النَّاسِ بي، وليس كذلك، إنَّ أوليائي منكمُ المتَّقونَ، من كانوا وحيث كانوا)) وروى أيضا ((إنَّ أوليائي المتقونَ يومَ القيامة، وإن كان نسبٌ أقربَ مِنْ نسبٍ، يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمدُ، يا محمدُ، فأقول هكذا وهكذا))
_ آدم عليه السلام أبو البشر وأول الأنبياء وأحق بأن يُعصم نسبه من فاطمة رضي الله عنها ومع ذلك لم يُعصم نسبه من الكفر وإلا لكان كل البشر لا يموتون إلا على الإيمان وكذلك لم يُعصم نسب أي نبي من الأنبياء لا يعقوب عليه السلام ولا موسى ولا سليمان ولا عيسى بل الرواية هنا جعلت فضية عصمة النسب لفاطمة وليتها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم (حتى ولو سلمنا أن فاطمة هي الطريق الوحيد لذرية النبي صلى الله عليه وسلم فإن الفضل جُعل لها حسب هذا الكلام) وهو في النهاية كلام لا أساس له من الشريعة كما أن الواقع يكذبه فكثير من الأنساب التي يقال إنها من نسل الحسن أو الحسين ظهر فيهم حتى ملحدون ومتنصرون ناهيك عن تكفير بعضهم لبعض في مختلف الطوائف عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، والشيعة الذين يضعون عمائم سوداء كلهم يزعمون أنهم من نسل فاطمة ومع ذلك نجدهم يكفرون بعضهم بعضا ومنهم من ظهر جهارا نهارا ليتبنى توجه ما سماه بنفسه (البنائين الأحرار) وهو صاحب مقولة (اكتب وصيتك) وتعرفونه.
4 _ قد يُستدل بحديث ((كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي)) فأقول: هذا الحديث على فرض صحته ليس له علاقة بموضوع عصمة نسل فاطمة من الكفر لأن النسب قد يراد به الانتساب للفكرة أو الدين وقد يراد به الانتساب جينيا ودما، فنحن ننتسب إلى الإسلام دينا وهناك من ينتسب إلى مذهب أو فكر أو مدرسة داخل الإسلام أو خارجه فنقول (فلان ينتسب للسلفية) وليس معناه أنه من ذرية السلف وإنما ينتسب لهم منهجا وكذلك المراد بالانتساب في هذا الحديث ومع ذلك يجب أن نتساءل أولا (هل الحديث صحيح ؟)
ليس في البخاري ولا في مسلم ومذهبي أن الحديث إذا لم يكن في الصحيحين فهو عند البخاري ومسلم ليس صحيحا وكما قال المحقق بشار عواد "إذا لم يرد الحديث في البخاري فضع عليه علامة استفهام وإذا لم يرد في مسلم فضع عليه علامة استفهام أخرى وإذا لم يرد في الصحاح الستة فضع عليه علامة استفهام أخرى" وهذا لم يرد في أي من هذه الكتب إنما رواه الطبراني والحاكم وأحمد في مسنده ولا شك أن هذه الكتب ليست في درجة الكتب الستة من حيث الصرامة في صحة رواياتها.
5 _ الحديث غير متفق على تصحيحه وحتى الذين أرادوا تحسينه أو تصحيحه حسنوه (بمجموع طرقه مع إقرارهم بضعف كل سند طريق لذاته ولا يخلو طريق من مقال في سنده) قلت صهيب: هناك مسائل قد يُتساهل في تصحيحها إن كان المتن سليما من النكارة حتى ولو بطرق ضعيف في التصحيح ولكن المواضيع الحاسمة التي لا دعامة لها إلا رواية واحدة وكل أسانيدها ضعيفة فأرى أن الواجب عدم التساهل في تصحيحها كما أن مجموع الطرق لا يؤدي بالضرورة إلى تقوية الحديث فما كان طريقه ضعيفا لن يتقوى بالضرورة بطريق ضعيف آخر لاحتمال تواطؤ كل الطرق على مصدر الخطأ الواحد وهذا يطول شرحه في الصنعة الحديثية ولكني أضرب مثالا بسيطة (لنفترض أن رواية معينة لها 5 طرق أحدها فيه مجهول والثاني فيه كذاب والثالث فيه ضعيف الحفظ والرابع مبهم الاسم والخامس مختلف فيه).
إذا كان القول الأرجح في الخامس هو الجرح فقد يكون آخذا من عند الراوي الكذاب وكذلك الضعيف قد ينسى السند ويقلب راويا مكان راوٍ آخر وما لم يُذكر راويه قد يكون الكذاب نفسه أو من نقل عنه والمجهول قد يكون هو الآخر ناقلا عن الكذاب وهكذا لذلك لابد على الأقل من طريق واحد صحيح لذاته وبعدها قد يقال نقويه بالطرق الضعيفة أو يكون الطريق القوي لها شاهدا أما أن تكون كل الطرق ضعيفة في رواية مثيرة للجدل بمتنها فهذا لا يُتساهل في تصحيحه.
7 _ على فرض صحة الحديث فلا بد من فهمه فهما لا يناقض ما في القرآن مما سبق ذكره لذلك شرحه العلماء بمعان لا تدل على انتساب الدم والذرية وإنما انتساب الدين ومعنى ذلك أن كل نسبٍ في الدين منقطع إلا نسب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قد يُفهم منه انقطاع الأديان السابقة بنسخها خلافا لدين النبي صلى الله عليه وسلم فهو الدين الناسخ وخاتم الأديان وكذلك قد يراد به الانتفاع بنسب الدين يوم القيامة إذ امتاز النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة لأمته خلافا لسائر الأنبياء ولذلك قال ابن كثير ((قال أصحابنا : قيل : معناه إنَّ أمته ينتسبون إليه يوم القيامة ، وأمم سائر الأنبياء لا تنتسب إليهم .
وقيل : يُنتفع يومئذ بالانتساب إليه ، ولا يُنتفع بسائر الأنساب ، وهذا أرجح من الذي قبله ، بل ذلك ضعيف ، قال الله تعالى ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) النحل/ 89 ، وقال تعالى ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يونس، 47 ، في آي كثيرة دالة على أن كل أمَّة تدعى برسولها الذي أرسل إليها ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب)) [الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم 342 - 344].
#الخلاصة: ليس هناك من هو معصوم من الكفر ولا الذنب من بعد النبي صلى الله عليه وسلم في البشر ولا أثر للعرق أو النسب في أعمال الناس وإنما كما قال الله ((كل نفس بما كسبت رهينة)) وقال أيضا: ((فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)) فالعبرة بالعمل الصالح لا بالنسب.
كتبه #صهيب_بوزيدي
