مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع
#الحلقة_الأولى: المُداخلة الأولى وهي أدلة صهيب المدافع عن الإجماع الخمسة على مصدرية الإجماع وفي الحلقة التالية يناظر صهيب المنكر لمصدرية الإجماع في صحة الدليل الأول ثم في كل حلقة ننتقل إلى دليل آخر ومن عنده غير الأدلة التي ذكرتها فليتفضل بذكرها لأناقشها بعد الانتهاء من الاستدلالات الخمس.
هنا سألعب دورين أحدهما لصهيب الذي لا يجعل الإجماع مصدرا للتشريع سأرمز له بلفظ (أنا) مادام هذا الدور هو ما أتبناه حقيقة بعد فوزه على صاحب الدور الآخر والذي كنت أتبناه قديما ثم تركته والآخر لصهيب الذي يدافع عن مصدرية الإجماع وسأجلعه: (هو) لأنه صار رأيا مخالفا الآن رغم أنه قبل المناظرة "بيني وبين نفسي" كان صاحب الرأي الذي أتبناه فلما غُلب انتقلت من رأيه إلى رأيي وكلاهما صهيب إلا أنه صهيب السابق وأنا صهيب الحاضر.
#المُداخلة_الأولى:
#أنا_1: أؤمن أن مصادر التشريع الإسلامي هما القرآن "وكله ثابت" ثم ما ثبت من السنة، أما العقل فهو آلة الفهم والإدراك والاستنباط وما القياس إلا طريق من طرق الاستدلال العقلي فهو تابع لعمل آلة العقل، وهذا لن أبرهن عليه حاليا لأني أعتقد أن مناظري يُقر به ومن بديهيات المناظرة عدم الحاجة إلى البرهان على ما يتفق عليه المتناظران وإلا فلي برهان على صحة كل منهما (أما دليل مصدرية القرآن فيكون بإثبات صحة دين الإسلام عبر إثبات وجود التام المطلق ثم صفاته التامة ثم صفتا الكرم والعدل ومن خلالهما إثبات اليوم الآخر والاختبار ثم وجوب الاتصال بين الخالق والمخلوقات ثم جنس النبوة ثم عين نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقد رسمتُ اختصارا مراحل البرهان دون التطرق لبرهان كل مرحلة إذ سبق ذلك ومناظري يقرني على هذا المصدر فلا حاجة لتكرار البرهان في هذا الموضع بتفاصيله وأما السنة فبعد تثبيت القرآن مصدرا للتشريع بالخطوات السابقة يكون القرآن دالا على مصدرية السنة وهذا يوافقني عليه المناظر إلا أننا نختلف في الإجماع فإني لا أرى دليلا على مصدرية الإجماع بل عندي أدلة على عدم حجيته ولكني أنتظر من مناظري أن يبسط أدلته على حجية الإجماع حتى إذا أبطلتها جميعا سأعطيه تطوعا أدلتي على عدم مصدرية الإجماع.
#هو_1: نعم نتفق على حجية القرآن والسنة، أما الأدلة على مصدرية الإجماع فهي كثيرة سأذكرها في مداخلتي الأولى جميعا ثم لا بأس بمناقشتها نقطة نقطة:
الدليل 1 _ قال الله عز وجل ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)
الشاهد منه: إن الله لم يقتصر على مشاققة الرسول بل قال "ويتبع غير سبيل المؤمنين" وذلك معناه مخالفة الإجماع لأن الذي يخالف الإجماع يكون متبعا لغير سبيل المؤمنين إذ يقول كلهم قولا في دين الله ويتبع غير سبيلهم إلى قول غير قولهم وهذا توعده الله بالعذاب ليكون دليلا بمفهوم النقيض على حجية الإجماع.
وكذلك قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق)) وقال الله ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه..)) وقد تقول إن هذا خاص باتباع المهاجرين والأنصار حصرا فعلى ماذا عممته على إجماعات كل الأمة فأقول إن الاتباع يكون بالتتابع ولا يمكن أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار على الحق ثم يأتي من بعدهم عصور كلهم على الباطل ثم يأتي من هو على الحق فذلك فيه انقطاع للحق بينما الآية يُفهم منها التتابع ((جيلٌ يتبع جيلا وينتقل المشعل من جيل لآخر دون أيما انقطاع للحق حيث يبقى الحق قائما دائما علمه من علمه وجهله من جهله وذلك لأن انقطاع الحق يقطع السلسلة وانقطاع السلسلة يقطع الاتباع))
الدليل 2: قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) [رواه ابن ماجة والطبراني]
والشاهد منه: أن الأمة إذا اجتمعت على أي مسألة مهما كانت فلن تكون ضلالة أي أنها بالبرهان بالنقيض لا تكون إلا حقا فنفي الضلالة عنها إثبات لأحقيتها فإن كانت الأمة لا تجتمع إلا على الحق فمعنى ذلك أن مخالف اجتماع الأمة لا يكون إلا على ضلالة فيما خالف فيه وهذا دليل آخر على حجية الإجماع من السنة وقد تقول إنه ضعيف الإسناد إلى أن الأمة تلقته بالقبول وجرى عليه العمل وهذا يقوي حجيته وإن ضعف إسناده كما أنه يتقوى بالدليل السابق وأحاديث أخرى كقول النبي صلى الله عليه وسلم ((وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة...إلى قوله ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) وفي رواية (هي الجماعة) وفي رواية (السواد الأعظم) وهناك حديث آخر ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)).
الدليل 3: إن الأمّة أجمعت على اعتماد الإجماع مصدرا للتشريع لذا فإنك لو فتحت أي كتاب في أصول الفقه ستجد مؤلفه يعد الإجماع مصدرا ثالثا للتشريع فهل يعقل أن الأمة عبر التاريخ اتخذت لنفسها مصدرا باطلا للتشريع ولم تنتبه لذلك ثم تأتي أنت لتسقط مصدريته ؟ فهل تريد إقناعي أنك أفهم من علماء الأمة قاطبة أولهم وآخرهم بمسألة أصولية خطيرة كهذه حتى تزل الأمة ويكون الحق معك ؟ ثم هل تتوقع أن ينادي المنادي يوم القيامة أن أخطأت كل أمة محمد وأصاب صهيبٌ وحده ؟ أم أنك ستعزز موقفك بموافقة التنويريين ومنكري السنة وأهل الزندقة لك في هذا الباب "إنكار مصدرية الإجماع" بل إنك تتفق معي على ضلال هؤلاء ويكفيك أن تعقل الصف الذي رميت نفسك إلى جانبه فكيف تترك علماء الأمة وتميل إلى هؤلاء ؟ أما بلغك قول الإمام الشافعي إن أردت معرفة الحق فانظر إلى أين تتجه سهام العدو فاعلم يا صهيب أن التنويريين باتفاقك معي هم العدو بينما علماء الأمة القائلين بالإجماع باتفاقك معي هم أهل الحق في العموم فهل يعقل أن تضرب سهمك مع سهام أهل الباطل "وهم كذلك باعترافك" ضد أهل الحق "وهم كذلك باعترافك"؟ فكيف تحل هذه ؟
الدليل 4: من الأدلة العقلية على حجية الإجماع هي استحالة ارتفاع الحق عن الناس جميعا في أي عصر من العصور بل وإن النقل يعزز ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يردوا علي الحوض)) ويمكن البرهان على ذلك بقاعدة اللطف الإلهي إذ يمتنع أن يضل كل المؤمنين عصورا كاملة ثم تأتي أنت أو قلة معك بالهدى فمعنى ذلك أن الحق في تلك الأزمنة ارتفع عن كل الناس وهذا باطل أعتقد أنك توافقني على بطلانه خاصة وأنك عند الاستدلال على صحة الإسلام تفترض أن الحق لا يرتفع عن الناس جميعا فهذه المقدمة التي تعتمد عليها في إثبات صحة الإسلام تلزمك أيضا في إثبات حجية الإجماع.
الدليل 5: إنّ الله قال ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) ولا شك أن الله حفظ الذكر بأسبابٍ ومعلوم أن الذين حفظ الله بهم الذكر هم أهل السنة والجماعة الذين نقلوا الدين واعتنوا بدراسته وتعليمه ولولا فضلهم لما بلغك هذا الدين من الأساس وهؤلاء هم الذين نقلوا إليك القرآن وهم الذين نقلوا لك السنة فلو كانوا جميعا مخطئين في اعتبار الإجماع مصدرا للتشريع فإن لازمه أن يكونوا جميعا على باطل في أصول التشريع وعندئذ كيف يختار الله هؤلاء لنقل الدين ثم يأذن لهم بهذا الخطأ الجماعي الذي يفسد ما نقلوه بل إن الله ما حفظ القرآن إلا ليحفظ به دينه إذ بغير حفظ الدين ما الفائدة من حفظ القرآن ولا شك أن الدين لا يُحفظ إلا بمجموع مصادره التشريعية فإن كنت ترى أنهم أضافوا مصدرا تشريعيا كاملا لا أساس له من الصحة أفليس معنى ذلك أن الدين الذي نقلوه ناقصٌ والله يقول ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا))؟ فما جوابك عن هذه الأدلة ؟ ألست ترى قبل أن تنطلق أن النتيجة محسومة ولن تستطيع تحريك شعرة من هذه الاستدلالات بل إن كنت واعيا وعاقلا لزمك الانقياد من الآن للحق ؟ ومع ذلك فإني سأفسح لك مجالا لنرى كيف تجيب عنها فأرنا ما عندك.
.........في الحلقة القادمة ستكون المناظرة حول الدليل الأول......أحببت تجزئة المناظرة إلى أقسام كي لا تطول على القارئ......أعلم أنكم أثناء قراءة مقدمة الطرفين وعند عرض أدلة (هو) أي المدافع عن الإجماع ستتساءلون (إن كان صهيب يكتب بنفسه هذه الأدلة في صالح الإجماع فكيف انتهى به المطاف لردها جميعا ليتبنى غيرها ؟).....ترقبوا تتمة الحوار وأعلم أنكم ستقولون بعدها: كيف يمكن الدفاع عن مصدرية الإجماع بعد هذه المناظرة ؟
ولكن مبدئيا أريد أن أسأل المتابعين الكرام: أعندكم أدلة على الإجماع غير التي ذكرتُها ؟
قبل أن تضيفوا شيئا أتمنى قراءتها بعمق حتى لا يضاف ما سبق ذكره.
كتبه #صهيب_بوزيدي
