مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع
#الحلقة_الثانية: نقض الدليل الأول على مصدرية الإجماع...تتمة للمقال السابق.
#أنا_2: استدلالك بقول الله ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)) على مصدرية الإجماع الذي تعريفه (اتفاق علماء عصر ما على مسألة ما) أنقضه من عدة أوجه:
#الوجه_الأول: هذه الآية ذكرت سبيل المؤمنين فما دليل تخصيصها بعلماء المؤمنين ؟
علماء المؤمنين هم 0.01% تقريبا من المؤمنين فما دليل تخصيص آية وردت في 100% من المؤمنين وحصرها في 0.01% من المؤمنين.
بعبارة أخرى هل يُعقل أن نفهم من قول الله ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم)) أن المقصود هم علماء المؤمنين فيكون المعنى فرض الصيام على العلماء دون بقية الناس ؟ فإن زعم زاعم أن المقصود علماء المؤمنين دون غيرهم بماذا تلزمه ؟ ألن تطالبه بدليل التخصيص والنص عام في كل المؤمنين ؟ كذلك أطالب بنفس المطلب في الآية الأولى.
#الوجه_الثاني: هذه الآية ذكرت سبيل المؤمنين فما دليل حصرها وتخصيصها بعصرٍ من العصور ؟
العصور جميعا تساوي إلى الآن 15 قرنا فضلا عما سيأتي في المستقبل
بينما العصر من العصور قد يساوي ما بين نصف قرن إلى قرن واحد فقط
#الوجه_الثالث: هذه الآية نزلت في الكفار الذين يشاققون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ويتبعون غير سبيل المؤمنين أي يتبعون سبيل الكافرين وليس لها أي علاقة بإضافة مصدر ثالث للتشريع يسمى الإجماع بتعريف (اتفاق علماء عصر ما على مسألة ما) وبيان ذلك في النقاط التالية:
1 _ قال الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) قبل أن يقول (ويتبع غير سبيل المؤمنين) فدلّ ذلك على أن الله يتكلم عن الكفار الذين يشاققون الرسول من بعدما تبين لهم الهدى ولا علاقة لهذه الآية برجل مسلم يطيع الله ورسوله ويتبع سبيل المؤمنين في أصل الإيمان (أركانه) وأصل الإسلام (أركانه) وأصل الاتباع لدين الله ثم فقط يخالفُ في مسألة فقهية لم يجد فيها لا دليلا من القرآن ولا السنة وإنما فقط زعم بعض البشر من غير المعصومين أن علماء عصر ما أجمعوا على هذه المسألة فخالفهم فهل تبدو الآية منطبقة عليه ؟
2 _ عند تتمة الآية نجد الله يبين أكثر المقصودين بهذه الآية وهم المشركون الذين يعبدون غير الله ويمنيهم الشيطان ويتخذونه وليا من دون الله وليس يتكلم عن مسلمٍ يتفقه في دينه ويريد معرفة مراد الله في المسألة ويلزمه باتباع الإجماع مصدرا ثالثا للتشريع بعد كلام الله ورسوله.
3 _ قال الله ((من بعد ما تبين له الهدى)) في شرط العذاب ولا شك أن المقصود بالآية من كفر بعدما قامت عليه الحجة أي أن الله يتكلم عن المعاند الجاحد الي يعلم الحق ويتبع الباطل الذي هو الشرك واتباع غير سبيل المؤمنين أي اتباع سبيل الكافرين أو اتباع سبيل غير المؤمنين (وهم المشركون وعبدة الشيطان وغيرهم من غير المؤمنين).
#الوجه_الرابع: هل المقصود في الآية (مطلق) اتباع غير سبيل المؤمنين أم اتباع غير سبيل المؤمنين (المطلق)؟
أنا صهيب أزعم أن المقصود اتباع غير سبيل المؤمنين المطلق ومعناه الخروج من سبيل المؤمنين إلى سبيل الكافرين كما سبق بيانه وهنا أسأل مخالفي:
إن الذي يخالف الإجماع في مسألة معينة داخل في الصنف الأول: مطلق اتباع غير سبيل المؤمنين (حسبما يريده المستدل المخالف بالآية) فلو سلمنا جدلا بهذا فهل الذي يخالف سبيل المؤمنين بمطلق المخالفة يتوعده الله بالنار ؟ يلزم من ذلك أن الواقع في الصغائر أيضا يدخل النار لأن الواقع في الصغائر متبع لغير سبيل المؤمنين عمليا في هذا الفعل بل هو مشاقق للرسول في هذه الجزئية أو هذا التصرف فإن كان المقصود بالوعيد مطلق المخالفة للزم منه دخول كل المسلمين للنار إذ ما من مسلم إلا ووقعت منه مخالفة أو معصية معينة وتلك المخالفة أو المعصية هي من مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فهل يتوعده الله بالنار والله نفسه قال ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما)) فكيف يتوعده الله بالغفران والنار في آن واحد ؟ بل ومن المعلوم أن الفرق بين الصغائر والكبائر أن الصغائر لا يرد فيها وعيد بالنار خلافا للكبائر.
فقد يقول القارئ: أين أخذتنا يا صهيب ؟ ما لنا وللصغائر والكبائر ونحن نتكلم عن مسألة أصولية تتعلق بفهم الشريعة وهي الإجماع ؟
أقول: هذه مغالطة منكم لأنكم اعتقدتم أن الإجماع ثابت لا ريب فيه ثم بحثتم عن أدلته من القرآن والسنة ثم سرعان ما صدقتم أن هذه الآية نزلت خصيصا لأجل تقرير مسألة الإجماع بينما أخالفكم في هذا الفهم من الأساس وأبين لكم أن الآية لم تنزل لأجل مسألة الإجماع بل نزلت في الكفار الذين يشاققون الرسول المشاققة المطلقة (أي الكفر به بالكلية) ويتبعون غير سبيل المؤمنين الاتباع المطلق (أي يتبعون سبيل الكافرين، أي أنهم كافرون وليسوا مسلمين أصلا) ولأبين المعنى بالتفصيل سألت سؤالا (هل المراد هنا مطلق المشاققة واتباع غير سبيل المؤمنين ؟ أي هل يقع ذلك بالقدر الأدنى منه أم المراد المشاققة المطلقة واتباع غير سبيل المؤمنين المطلق أي الكفر بالكلية ؟) فلو قيل يراد مطلق الشيء لتوافق الآية الإجماع لزمهم موافقتها الوعيد في الصغائر بالنار أيضا وهذا مناقض للآية التي ذكرناها وإن قالوا ليس المراد مطلق المشاققة ولا مطلق المخالفة قلنا إذا فهي المخالفة المطلقة ولا تكون إلا بالكفر وعندها لا تكون الآية نازلة في الإجماع أصلا بل في الكفار.
#هو_2: سأرد يا صهيب المنكر لمصدرية الإجماع على استدلالك الأول فأقول إن دليل التخصيص يبدأ بيانه بطرح هذا السؤال: من القادر على استنباط الأحكام غير العلماء؟ لذلك لما قال الله ((ويتبع غير سبيل المؤمنين)) فإن المؤمنين عالمٌ ومتعلم وعامي فأما العالم فهو المطلوب بالآية وأما المتعلم فهو تبع للعالم وأما العامي فليس مطلعا على الكتاب والسنة ليكون له رأي أصلا فهو تبع للعالم ومنه يكون العالم هو المقصود واقعا بالآية إذ بقية الأمة تبع له وليس لها قدرة على الاجتهاد.
#أنا_3: هل هذا التخصيص الذي اعتمدتَ عليه عقلي أم نقلي ؟
#هو_3: دليل التخصيص عقليٌّ بلا شك.
#أنا_4: هَب أني عارضت هذا الدليل العقليّ على التخصيص هل أكون مرتكبا لإثم أو عاصيا لله أو مخالفا لأمره ؟ ذلك لأن الله لم يأمرني أبدا بتخصيص أي شيء من القرآن بعقلي وإلا فإن قول الله ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)) قد يُفهم لمن أراد التخصيص بعقله أن يكون المعنى (المقصود هنا عُبّاد الذين آمنوا لأنهم الأقدر على العبادة وليس المقصود عموم المؤمنين وكذلك قول الله ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) فبمنطقك قد يأتي من يقول لك إن المقصود بالذين أمروا بطاعة الله ورسوله هم العلماء فقط لأن العالم هو الذي يستيطع رد النزاع إلى الله والرسول وبما أنه المقصود بتتمة الآية فهو المقصود بأولها.
ثم يحق بعدها لأي شخص أن يخصص من رأسه ويقول (منطقيا من الذي يصلح له هذا الحكم ومن الذي لا يصلح له ؟).
#هو_4: لكن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح وأنت لم ترد على استدلالي العقلي بل رفضتَ الاستدلال بالعقل من جذوره فهل أنت من أعداء العقل ؟
#أنا_5: نعم، العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح ولكنه لا يقيّده ويخصصه بمزاجه وما ذكرته لم يكن استدلالا عقليا قطعيا بل كان مجرد ظن منك يمكن دحضه بعدة نقاط:
1 _ الآية نزلت أساسا في الكفار الذين يتبعون سبيل الكافرين وهي نفس عبارة (يتبعون غير سبيل المؤمنين أو يتبعون سبيل غير المؤمنين).
لاحظ (غير المؤمنين) = (الكافرين) ومنه
(سبيل غير المؤمنين) = (سبيل الكافرين)
(يتبعون سبيل غير المؤمنين) = (يتبعون سبيل الكافرين).
يتبعون غير سبيل المؤمنين = (يتبعون سبيل الكافرين)
ومنه فإنك تفترض أساسا الآية نزلت في الإجماع رغما عن كل شيء ثم تريد إلزامي بما تبنيه عقلا على افتراضاتك التي تخالف منطوق النص.
2 _ بما أنك فتحت مجال العقل سأسألك في نفس المجال: هل يمكن لك إحصاء علماء عصر ما حيث لا يتخلف عنهم عالم قط ولا تخطئ بإضافة من ليس عالما إليهم قط ؟
3 _ لنفترض أن طالب العلم يحتاج بلوغ مستوى معين نرمز له (100 ع) ليصبح عالما فهل هناك جهاز دقيق يكشف لنا القيمة العلمية لكل مؤمن حيث نضع الجهاز على فلان فيعطينا (2 ع) وعلى آخر فيعطينا (50 ع) وعلى آخر يعطينا (09 ع) وعلى آخر يعطينا 120 ع) وعلى آخر يعطينا (1000 ع) … ؟ هل يوجد جهاز كهذا حتى نعرضه على كل المؤمنين في الأمة ثم نختار كل من فاق علمهم 100 ع لنقول إن هؤلاء هم المقصودون بالآية ؟ طبعا لا يوجد شيء كهذا فكيف تقدر على إحصاء العلماء لتميزهم عن غيرهم ؟
4 _ هل كل عالم في كل عصر يجب أن يكون مشهورا ويعرفه كل الناس ويتناقلون اسمه عبر العصور ؟
5 _ هل كل عالم عرف الناس اسمه نقلوا كل علمه عبر العصور ؟ وهل كل عالم كتب وألّف أصلا لينقل علمه ؟ وهل كل عالمٍ ألّف كتب كل ما عنده من علم أم كتب بعضه فقط ؟ وهل كل عالم عبر التاريخ كان مخيرا لينطق ما يريد دون أي إرهاب فكري من السلطان أو العوام أو العلماء أنفسهم كسحب التزكية منه أو تجريحه ونحو ذلك ؟ وهل كل عالم تشجع وذكر قوله نُقل قوله بأمانة دون أن تحرق قوله أو يُطمس بعبارة (وذكر ذلك من لا يؤبه لخلافه) أو (أميتوا الباطل بالسكوت عنه) فطمسوه ولم ينقلوه أصلا ؟
6 _ عندما احتل المغول والتتار بغداد أغرقوا أكثر من مليون كتاب للمسلمين في نهر الفرات أو دجلة وأتلفوها أفلا تتوقعون أن آراءً كثيرة للعلماء قد ذهبت مع ذلك النهر على الأقل ولم يعد لها وجود بيننا ؟
7 _ هل الذي عنده (99 ع) بحيث بقي على بلوغه مستوى العالم 1% فقط يُضرب برأيه عرض الحائط ويصبح كالعامي الجاهل لا قيمة لعلمه وإنما هو تبعٌ للعالم ؟
8 _ ما هي النسبة التي قد نتوقف عندها ونأخذ فيها برأي الطالب في المسألة وإن لم يكن عالما ؟ (90 ع)؟ أم (80 ع) ؟ أم (70 ع) ؟
9 _ قد يصنف عالم ما نفسه في درجة (10000 ع) بينما يراه آخرون دون أن يختبروه ولا حتى أن يكونوا بمثل مستواه في درجة (50 ع) ويراه آخرون (100 ع) وآخرون (200 ع) وآخرون يرونه (1 ع) وآخرون يرونه كافرا خارجا من الملة وآخرون يرونه ضالا.
السؤال: هل سنحسب هذا الشخص في زمرة العلماء أم لا نحسبه ؟ ومن صاحب القرار لنعلم إن كان يُحستب أم لا ؟
10 _ هل العلماء المسؤولون عن تزكية علماء آخرين وتصنيفهم أخذوا تزكية من الله وارتضاهم حكما لنا ليكون رأيهم ملزما ويناط به أمر خطير كأن يصبح علماؤهم المنتخبون مصدرا للتشريع بمجموعهم فهل يعقل أن يسلم مصير الدين لأشخاص لا تزكية لهم من الإله الذي أنزل هذا الدين ؟ وهل الله وحاشاه ترك ثغرة كبيرة في الدين حتى يحيلنا إلى المحال إحصاؤه والتحقق منه وكان يسهل أكثر أن يحيلنا للكتاب والسنة ؟ فهل هذا دين منزل من عند الله نزل علينا من فوق أم أنه دين تتم صناعته على يد البشر من تحت بمسمى الإجماع ؟
11 _ واقعيا: هل رأيت إجماعا قط نُقل بطريقة نقل آراء علماء كل عصر نقلا نقلا أم أنك تجد شيخا ما يكتب (أجمعت الأمة على كذا وكذا) فيُكتب من بعده (دليله الإجماع الذي نقله النووي أو الذي نقله ابن حجر وهكذا) مما يعني أن الإجماع في حد ذاته سيتحول مصيره إلى نقل رجل واحد أو عدة رجال ؟ وقد يدعي الإجماع عالم لمجرد أنه لم يعلم مخالفا من خلال ما درسه واطلع عليه وليس في التاريخ عالم قط اطلع على كتب كل العلماء المسلمين والتي تبلغ في عصرنا 10 ملايين كتاب كلها إذ لو درس العالم كل يوم 5 كتب لاحتاج إلى 6 آلاف سنة ليدرس 10 ملايين كتاب.
فكيف يُزعم الإجماع بكل هذه السهولة لمجرد أن ذلك العالم لم يعرف حسب علمه وجود من خالف.
ومن العبارات العجيبة قولهم: هل سبق لقولك أحد ؟ وكأن السائل والمسؤول درسا 10 ملايين كتاب ثم لم يجد السائل من قال بمثل ذلك ويطالب المسؤول أن يفتش له في تلك الملايين من الكتب عن قولٍ يوافقه.
أو أن بعضهم ظن أن الأسماء القليلة التي يعرفها من العلماء هم كل علماء التاريخ فبعضهم يعتقد أن معرفته لبضع مئات من العلماء تجعله عارفا بأسماء كل العلماء ومواقفهم فيقول (ومن سبقك إلى هذا؟) فلم يكتفوا بتقرير الإجماع حتى انتقلوا لتقرير الإجماع السكوتي (وهو مجرد سماع الرأي وعدم سماع رأي مخالف له) وهذا النوع من الإجماع مصيبته أكبر من أوله.
#المطلوب: أحيل للمتابعين الكرام الرد على هذا الطرح في صلب الموضوع والالتزام بمناقشة الدليل الأول دون انتقال إلى غيره فإني سآتي إلى كل النقاط واحدة واحدة.
كتبه #صهيب_بوزيدي


