هل يجوز التعدد فوق أربع زوجات ؟
#السؤال: هل يجوز التعدد فوق أربع زوجات ؟ وهل هناك من أجازه من العلماء ؟
#الجواب:
جميل بارك الله فيك وقبل الكلام عن تعدد الزوجات فوق أربع أريد إخبارك أن الذين منعوا التعدد فوق أربع للحر هم أنفسهم الذين حرموا على العبد الزواج فوق اثنتين إلا قليلا منهم.
#دعوى_الإجماع:
1 _ من نقلوا الإجماع على منع الجمع فوق أربعٍ نقلوا بأنفسهم وجود خلافٍ إلا أنهم ذكروا أنهم لا يعتدون بذلك الخلاف أو يعتبرونه لأنه حسب وصفهم مخالف للأدلة وأنا صهيب أقول: بل يُعتد بذلك الخلاف لأنه موافق للأدلة وبه تنتقض دعوى الإجماع لأن وجود المخالف ينقض دعوى الإجماع وقولهم إن المخالف مناقض قوله للأدلة دعوى يجب أن نحرر فيها الأدلة نفسها وهنا يبطل الاستدلال بالإجماع وننتقل مباشرة لمناقشة الأدلة.
2 _ سبق لي نقض حجية الإجماع وبيان أنه ليس من مصادر التشريع وذلك لعدم ورود أي دليل شرعي على حجية اتفاق علماء عصر ما على مسألة ما كما أن العلماء كثيرا ما لا يلتزمون في دعاوى إجماعاتهم حتى بشروطهم للإجماع فتجدهم يقولون (وخالف من لا يعتد بخلافهم) وهذا ينقض شروط الإجماع التي استدلوا عليها إذ الحجة حسب قولهم في اتفاق الجميع لكنهم يقصون من شاءوا من الخلاف وهذا ليس إجماعا، ناهيك عن كون إحصاء علماء عصر ما في المسألة الواحدة مستحيلا، بل كيف يُعرف علماء العصر وغير العلماء وكل مذهب أو جماعة أو سياسة معينة تختار علماء وتقصي آخرين ؟ كما نعلم أن كثيرا من العلماء عبر التاريخ قتلوا أو كممت أفواههم أو أحرقت كتبهم أو أُهملت نقولاتهم قصدا ولم تُنقل وفي هذه المسألة بالذات وجدت كثيرا من العلماء يقولون (ولولا أنهم ذكروا هذا في باب الخلاف لما نقلتُ الخلاف فيه أصلا) فتأمل إمكانية الإخفاء العمدي لقول المخالفين.
#أولا_استدلالهم_بالحديث_الضعيف_سندا_ومتنا
1 _ قالوا عند إنكار قول المخالف (وهذا خلاف للسنة المروية) واستدلوا بحديث (اختر منهن أربعا وطلق الباقي).
قلت صهيب: هذا الحديث ورد من ثلاثة طرق لا يصح أي منها سندا وحتى الذين استدلوا به قالوا يتقوى بمجموع طرقه وهم يقرون أن كل طرقه ضعيفة.
وقال بعضهم (تقويه الآية).
قلت صهيب: أما الآية فإن ثبت أن دلالتها ليست على الحصر لم تعد مقوية للحديث.
وأما الحديث فلا يتقوى بمجموع طرقه (إنما هذا ترقيع لتصحيح الحديث بأي طريقة لأنهم لا يجدون دليلا غيره).
قلت: إن حديث الآحاد الذي يصح سنده يقال إنه يفيد الظن لاحتمال وقوع الخطأ فيه أو الخطأ في توثيق رواته فكيف بالحديث الذي تكون كل طرقه ضعيفة أليس هذا أولى بعدم الاحتجاج به في مسألة مصيرية كهذه ؟
ناهيك عن كون متنه مسيئا للإسلام ويمكن لأي عاقل أن يشعر بالحرج لو ناظر في ذلك غير المسلمين.
سأنطق بلسان غير المسلم: انظروا لرسول الله بينما يتمتع بجمع تسع زوجات أو 11 زوجة يأمر ذلك المسكين أن يختار أربعا من زوجاته العشرة ويطلق البقية ولا شك أن أولئك البقية له أولاد معهن وقد تكون بينهم مودة وعشرة ولم يكن ذنبه أن تزوجهن قبل نزول هذا النص وكان في أسوأ الحالات يُخرج له بمخرج تماما كما لو كانت دولة معينة تبيح الزواج بأربع فيتزوج الرجل بأربع ثم يصدر قانون يمنع الزواج بأكثر من واحدة فإن أكثر الدول ظلما ستستثني على الأقل من سبق له الزواج ويطبق القانون على من لم يتورط بذلك بعد ولا أحسب دولة ستجبره على اختيار واحدة وتطليق الباقي.
فهذا النص المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم كنت لأرده بمتنه حتى ولو صح سنده فكيف وسنده ضعيف في كل طرقه فهل يعقل أن أتشبه بتصحيحه بمثل هذا المبرر الضعيف؟ هل إذا اجتمع كذاب مع مجهول مع كذاب آخر يصبح خبرهم صحيحا ؟ هل تقوي شهادة الكذاب كذابا آخر ؟ وهل تقوي شهادة منقطع في الإسناد شهادة راوٍ مجهول ؟ وهل يتقوى الضعيف بالكذاب وعلة الضعف أساسا ليست في الخوف منه نسيانه المتن فحسب بل في نسيانه السند فقد يقلب أسماء الرواة أو يهم فيحسب أنه سمعه من طريق الموثوقين بينما سمعه من طريق الكذابين وكذلك إسقاط الراوي من السند قد يؤدي لنفس الراوي الآخر الذي علمنا كذبه أو ضعفه فكيف يتقوى بعد هذا الضعيف بالضعيف ؟
#ثانيا_استدلالهم_بالآية.
قلت: إن قول الله ((مثنى وثلاث ورباع)) ورد في موضعين في القرآن في عدد أجنحة الملائكة ونحن نعلم أن أجنحة جبريل 600 جناح وفي عدد الزوجات ونحن نعلم أن عدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تسعة.
#أولا: لم ترد في الآية أي أداة للحصر فلا دليل على حصر العدد في أربع فلما يقل الله ((لا تنكحوا إلا مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم...فواحدة)) ولم يقل ((إنما أحل لكم نكاح مثنى وثلاث ورباع...)) إنما قال (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)) ولو توقف هنا لقيل إن المقصود نوعية النساء (عزباء أو مطلقة أو شقرا أو سوداء أو بيضاء أو طويلة أو قصيرة...) وقد يأتي من لا يحملها على العدد فيُذهب حكم التعدد من جذوره وإنما ذكر (مثنى وثلاث ورباع) ليشير إلى العدد من غير حصر ولا يُعقل أن يستمر بالعد إلى ما لا نهاية.
#ثانيا: كما أن جبريل عدد أجنحته 600 جناح والله قال في أجنحة الملائكة ((أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)) فهذا يعني أن العدد 4 لم يكن للحصر إذ لو كان يفيد الحصر لما زادت أجنحة جبريل عن أربعة أجنحة.
#ثالثا: قال الله ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله))... فهل المعنى أن 100 تغلب 200 و1000 تغلب 2000 حصرا ولا تغلب 150 الثلاثمائة ولا تغلب 101 ..202 ؟ أم أن الحكم هنا يراد به الضعف فإن قيل في الآية الأولى لماذا لم يقل الله ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء عددا)) بدل أن يقول ((مثنى وثلاث ورباع)) أقول ولماذا لم يقل الله ((ضعفا)) بدل أن يتكلم عن مائة ومائتين وألف وألفين ؟ فالجواب أن هذا الأسلوب هو الأسلوب القرآني ومثله قول الله ((ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)).
ألم يكن يكفي أن يقول الله ((ما يكون من نجوى أي عدد إلا هو معهم أينما كانوا)) فلماذا ذكر العدد ثلاثة بالذات ثم خمسة بالذات ؟ ولماذا لم يقل مباشرة بعد ذكر ((ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)) (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)) لماذا زاد (ولا خمسة إلا هو سادسهم) ذلك لأنه الأسلوب القرآني فكما للنثر أسلوب خاص وللشعر أسلوب خاص وللفلسفة أسلوب خاص وللعلوم التجريبية أسلوب خاص وللرياضيات أسلوب خاص فإن للقرآن أسلوبه الخاص.
#رابعا: لو قال قائل إن معنى قول الله ((مثنى وثلاث ورباع)) يفيد الحصر سألزمه قائلا: وما دليلك على حصر هذا الحصر بالجمع دون التفرقة ؟ فإن الآية حسب فهمك منعت الزيادة عن أربع زوجات بالمطلق فما دليلك على حصرها في الجمع فقط ؟ بمعنى قد أستدل عليك بنفس الآية على تحريم الزواج بأكثر من (4) جمعا أو تفرقة أي حتى ولو تزوجت ثم طلقت ثم تزوجت ثم طلقت ثم تزوجت ثم طلقت فقد بلغت الحد الأقصى ولا يجوز لك الزواج بعدها لأن الآية لم تقل (مثنى وثلاث ورباع جمعا) فما دليلك على تخصيصها بالجمع دون التفرقة ؟ تأمل هذه الحجة فهي قوية للغاية.
#خامسا: قال الله ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة))
أقول: فكيف يمكن التأسي برسول الله ولا يمكننا فعل ما يفعله في تقديم أسباب التحصين من الحرام ونحن أولى بذلك لضعف ديننا وهمتنا وقدرتنا على التحكم في شهواتنا والنبي أولى بتحمل المشاق من بقية الناس فكيف يكون الحكم الأخف له والحكم الأشد علينا ونحن مأمورون بالتأسي به ثم نمنع عن أسبابه؟
قد يقول قائل: لو جاز لي الزواج بتسع جمعا كما جاز لرسول الله لكنتُ أقدرَ على اجتناب الحرام ولكنت أقدر على غض البصر واجتناب اللمم فضلا عن الزنا.
وقد يتبادر لذهنك وأنت تقرأ كلامي فتقول: إنك تبالغ يا صهيب، نحن نعلم أن أكثر الناس في عصرنا لم يتزوجوا حتى أربع زوجات مع كونه مباحا بالاتفاق فهل تظن أن الزواج بأكثر من أربع هو ما يحل الإشكالات ؟ فليتزوجوا أربعا أولا وبعدها لنتكلم عن الخامسة والسادسة والسابعة...
هنا سأقول: ذلك لأن زمننا محكوم بالعلمانية لا الشريعة، فالزواج في زمننا لم يعد كالزواج في الزمن الأول فالقوانين صعبت من عملية الزواج بواحدة فضلا عن أربعة والمجتمع والأفلام والإعلام كلها تحارب التعدد وتصوره على شكل جريمة شنعاء مع علمهم بأنه جائز إلا أنهم يقولون (نعلم أنه حلال ولكن...) فدائما تجد عبارة (ولكن...) التي تأتي بعدها الكثير من المغالطات والتعقيدات التي لا علاقة لها لا بالشريعة ولا حتى بالمنطق الجاف المجرد.
وفي القوانين يصعبون عملية التعدد فبعض الدول تمنعه بالكلية وبعض الدول تسمح به مع إجراءات معرقلة ومصعبة للوضعية.
خلافا للزواج قديما فقد كان بين الزوج والزوجة ووليها لا تتدخل فيه الحكومة ولا الدولة ولا المجتمع.
فعندما نتكلم عن حكم فقهي في ضوء واقعٍ ليبيرالي نسوي فإنما نقع في الخطأ الأول، حيث يجب تجريد الفتوى من كل أفكار هؤلاء الذين لا علاقة لهم بالفتوى وبعدها نتكلم.
#سادسا: عندما ننظر إلى سيرة الصحابة نجدهم تزوجوا أعدادا كبيرة جدا من النساء فإن قال قائل (لقد تزوجوها بالتفرقة) قلت: إضافة للإلزام في النقطة الرابعة سأسلم لك بمنطقك في حصر المنع في الجمع لا التفرقة فأقول: يلزمك أن هؤلاء الصحابة كانوا يتزوجون جميعا بنية الطلاق والتلاعب بالنساء فيتزوجون وهم يعلمون أنهم يطلقون إذ من المستحيل أنهم في عصر الصحابيات الفاضلات والتابعيات الجليلات لم يستقم لأي منهم إلا أن يتزوج بعدما طلق عشرة مرات أو عشرين مرة، بينما في عصرنا نجد كثيرا من الناس من يتزوجون امرأة واحدة لا يطلقونها إلى الممات، فهل نساء زماننا أفضل من نساء ذلك الزمان إلى هذه الدرجة أم كان الرجال يتزوجون بنية العبث والطلاق (يجرب فيتمتع ثم يمل فيطلق وينطلق نحو غيرها) أم أن الأمر كان يغلب عليه الجمع فوق أربعة نسوة ؟ أيها أقرب لأخلاق الصحابة ؟
#سابعا: هل ورد نص قط يذكر أن الزواج بأكثر من 4 خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده ؟ أي هل ورد خبر صحيح يقول فيه النبي أو الصحابي أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم حالة خاصة ؟ لأن الأصل في الحكم أنه يشمل كل المؤمنين ثم لا بد من نزول نص يبين أن ذلك خاص برسول الله فيكون القانون والدستور معلوما ويعرف الناس أن النبي مستثنى وبعدها يأتي دور الفِعل والتطبيق، إذ لو لم ينزل نص بذلك الاستثناء فإنه قد يفهم والعياذ بالله أن رسول الله عصى الله كما قال الله في آدم ((وعصى آدم ربه فغوى)) فإننا لو سمعنا أي قائل يقول (إن رسول الله زنا) والعياذ بالله سنقول فورا (هذا كذب على رسول الله) ولن يقول عاقل (إن الزنا جائز في حق رسول الله وهو حالة خاصة) وهؤلاء يجعلون الأصل في الزواج التقييد بأربع ويرون الزواج بالخامسة عقدا فاسدا ومنه يكون زنا، ثم يرون أن النبي حالة خاصة فهل ورد حكم (آية أو حديث) تجعل الزواج بأكثر من أربع جائزا في حق رسول الله ؟ أم أن الحكم من الأساس غير منحصر في أربع زوجات وإنما هو عام ؟
كتبه #صهيب_بوزيدي





