معرفة الحكم الشرعي وحده لا تكفي لدراسة المشروع

الفقه وأصوله

من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس في التجارة هي اقتصارهم على مناقشة المشروع بقولهم (هل هذا حلال أم حرام ؟) ثم يُغرقون في مناقشة المسألة حتى إذا انتهوا من معرفة الحكم وقالوا إنه حلال دخلوا في المشروع مباشرة.

بينما الصواب أن معرفة الحكم الشرعي وحده لا يكفي لاتخاذ قرار الخوض في غمار المشروع أو الامتناع عنه، فإن كان حراما فلا أحد يسأل عن بقية التفاصيل لأن المسلم يتجنب الحرام ولكن إن كان حلالا فذلك لا يعني بالضرورة أن المشروع مقبول وإنما لا بد من دراسته كالتالي:

1 _ هل هو مشروع حقيقي أم وهمي ؟ أي هل هذا الطريق يؤدي فعلا إلى الربح أم أنه مجرد خرافة وإشاعة ومضيعة للوقت.

2 _ هل هو مشروع موثوق أم أنه نصبٌ واحتيال ؟ وما احتمال إمكانية الاحتيال فيه ؟

3 _ هل هذا المشروع فيه احتمالُ ربحٍ بالفعل ؟ أم أنه وإن كان مشروعا حقيقيا فاحتمال الربح فيه ضعيف أو غير وارد.

4 _ هل هو مشروعٌ تقبل الدنيا عليه أم مما استدبرته الدنيا ؟

5 _ في حال احتمال الخسارة ما هي النسبة التي يمكن خسارتها في المشروع ؟ هل يمكن أن يضيع كل رأس المال ؟ هل يحتاج المشروع إلى مجازفة بمبلغ كبير من المال ؟ هل احتمال الخسارة قوي أم ضعيف ؟ هل يمكن أن يسقط المشروع بقرار مفاجئ من الدولة ؟ في حال ظهور بوادر الخسارة هل يمكن الانسحاب منه بسهولة أم (يموتلك في يدك دوبل سيس).

6 _ ما هو الأجل الذي يمكن أن تظهر فيه نتائج المشروع ؟ هل يستغرق وقتا طويلا أم قصيرا ؟

7 _ هل عندي رأس المال الذي يكفي له ؟ وهل أحتاج جزءا جانبيا من رأس مالي أم أحتاج إلى وضع كل قوتي فيه ؟

#الخلاصة: مشكلة كثير من المسلمين أنهم يتعاملون مع الحلال على أنه نقيض الحرام بينما نقيض الحرام هو الواجب وما الحلال إلا مرحلة متوسطة بينهما ففي أقصى اليمين الحرام ويقابله الواجب ثم في اليمين الأوسط المستحب ويقابله في اليسار المكروه وفي المنتصف بين الأحكام الأربعة حكم الحلال.

وبناء عليه فما كان حلالا لا يكون بالضرورة مما ينبغي فعله وإنما مما لا يأثم شرعا فاعله، فقد تفعل ما هو حلال فينالك الشر الكبير، قد تخسر أموالا أو تورط نفسك في مصائب ليس لها آخر وأنت بذلك قد دخلت في مشروع الأصل أنه حلال.

لذلك يخطئ كثير من الناس لما يربطون الحلال والحرام بقولهم (هل ترضاه لنفسك هل ترضاه لأحبابك هل ترضاه لكذا وكذا) فليس كل ما هو حلال نرضاه لأنفسنا. المشروع الحلال قد يؤدي إلى خسائر كبيرة ونحن لا نرضى تلك الخسائر فهل نحرم المشروع ؟ قد يسألك شخص عن حكم تربية المواشي فتجيبه (حلال) ولكنه يربيها في عام كثر فيه اللغط من الناس وانصبت كل آرائهم وأقوالهم نحو "الموال" وأكثروا عليه الاعتراض مما يعني أن تجارة المواشي لذلك العام قد تكون خطرا وقد يخسر صاحبها إما بسبب مقاطعة الناس لها أو لأن الدولة تتدخل باستيراد عدد كبير من المواشي أو يتدخل حاكم آخر فينصح الشعب بعدم التضحية من الأساس وأنه يضحي بدلا عنهم فستقط الأسعار مما يجعل صاحب المواشي خاسرا في تجارته، فمن ناحية (هل يجوز العمل على المواشي) نقول (نعم يجوز) ولكن هل ذلك مفيد أم فيه خسارة ؟ وكذلك قد يسأل آخر عن مسألة تكون جائزة لذاتها في الشرع (ما حكم تحصيل الكنوز الرومانية وبيعها) وكأنه بمجرد أن يتلقى الإجابة القائلة بالجواز سيجد فعلا تلك الكنوز وغاية ما سيفعله أنه إما أن يتعرض لنصب النصابين والمحتالين وإما أن يترك الأعمال والتجارة الحقيقية ويتبع هذا الوهم والسراب فيضيع عمره في ذلك وإما أن ينتهي به الأمر وراء القضبان في السجن بينما هو يحفر في مكان يحسب أن فيه كنزا ولو تركوه يحفر لما عثر إلا على التراب، فيهلك نفسه بلا جدوى، فبماذا تفيده الفتوى ومشروعه فاشل من أساسه ؟ وكذلك آخرون يسألون عن حكم الاستعانة بالجن لسرقة أموال إسرائيل من البنوك وتنزيلها أكواما بعشرات الملايين من الدولارات، فيبدأ بالتفصيل والتأصيل في حكم الاستعانة بالجن ثم في حلية أموال المحتلين المعتدين وكأن الأمر مقتصر فقط على الجواز والتحريم، بينما الأمر برمته لا يعدو أن يخرج من أحد الاحتمالات التالية: فإما أنه ضحية بعض النصابين يريدون أخذ ماله بطرق عديدة وإما أنه ضحية فراغ بعض التافهين يضيعون وقته في الخرافات والخزعبلات والأكاذيب وإما أنه ضحية مجموعة إجرامية يريدون استدراجه ليكون ضحية إما ليتاجروا بأعضائه أو لأي سبب آخر وإما أن ينتهي به الأمر في السجن لكثرة حديثه عن الممنوعات والأقوال التي لا يفهم معناها فيجد نفسه قد دخل السجن إما لأنه متهم بالنصب والاحتيال أو الشعوذة والدجل إذ لا يفرق القانون بين النصاب الماكر والضحية الأحمق فكلاهما يعملان على قدم وساق وبعضهم يدخلون سوق الممنوعات فينتهي بهم الأمر في غياهب السجون (يباصي ويطفرها في عمره في الباطل)، المهم أنه قد يقع في أي شيء إلا الشيء الوحيد الذي خرج لأجله (سرقة مال المحتلين بالجن) فهذا لن يتحقق له وهل حسب نفسه سليمان عليه السلام حتى يسخر الجن ليأتوه بعرش بلقيس ؟ ثم هل كل الجن يقدرون على ذلك الفعل ؟ وهل سيقع في معرفة الجن الذين يقدرون عليه ؟ فإن افترضنا وجود حقيقة لهذا التنزيل بالجن فلن يكون هذا الباحث إلا قربانا يُقدم لهؤلاء الجن وذلك لأن من يفعل هذه العمليات لن يكون من نوعية أولئك المساكين الذين يتبعهم ممن لا عمل لهم ولا مال ولا جاه إذ لو كانوا قادرين على نفعه لنفعوا أنفسهم أولا ولما احتاجوا إليه ولو كان عندهم من الجن من يسخر لهم هذه الأمور لقدروا على تسخير ذلك الجن ليجلب لهم ما يريدونه من تلك المواد المزعومة (الزئبق الأحمر والزنجفر والكبريت الأحمر والسندس واللبان الذكر...وغيرها) فلماذا يحتاجون إليه ؟ ولكنه سوق النصب والاحتيال حيث يصطاد الفقراء من هو أشد فقرا وبؤسا منهم مستغلين طمعه وقديما قيل (الطماع يغلبه الكذاب).

والشاهد: ليس البحث عن الحكم الشرعي للمشروع وحده يكفي للسير خلفه فلا بد من دراسة المشروع نفسه.

#الصورتان: صنعتهما بالذكاء الصناعي لتوصيف خيال الطمع الذي يجر صاحبه ضحية للنصب والاحتيال.

كتبه #صهيب_بوزيدي

معرفة الحكم الشرعي وحده لا تكفي لدراسة المشروع
معرفة الحكم الشرعي وحده لا تكفي لدراسة المشروع
شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

من أدلتي على رد روايات آية الرجم

الفقه وأصوله

قيل لي بالمعنى: ليتك تتراجع عن القول بنفي الرجم ونحوه من الآراء الشاذة ستكسب الكثير ممن تركوا متابعتك لأجل هذه الأقوال قلت: قد تحدثت عن الرجم ولم تتح لي…

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…