كتمان الفتاوى من أسباب انتشار التنوير
من أسباب انتشار التنوير وغيرها من المصائب في الأمة الإسلامية أن المسافة بين المسلمين والكتب الفقهية صارت بعيدة حتى صارت كتب الفقه أصوله وفروعه بمثابة الآثار التي توضع على الرفوف وفي أحسن الأحوال لا يُسمع إلا بأسمائها.
في المقابل تصدر للمشهد الفقهي كثيرٌ من غير المتخصصين في الفقه الذين لا يتقنون الصناعة الفقهية ويفتون الناس بغير علمٍ.
أضف إلى ذلك انتشار عقلية (أفتهم بالقول الراجح ولا تنقل لهم الخلاف) وهذه مصيبة كبرى، فيفتيهم المفتي بما يترجج عنده ويبقى المستفتي جاهلا بالخلاف فإذا رأى من يفعل خلاف ما أفتاه به شيخه سارع في الإنكار عليه واتهامه في دينه، والمصيبة الأعظم عندما يفاجئه التنويريُّ أو المستشرق بحقيقة ما يوجد في الكتب الفقهية فيسمع من أعدائها قبل أن يسمع من المدافعين عنها "وهم الذين كتموا عنه الفتوى تحت شعار (لا تحدث بها العامة)".
وعندما يحاولُ شخصٌ ما إدراك هذه المشكلة فيصارح العامة بما يوجد في الكتب الفقهية سواء كان متبنيا للفتوى أم مخالفا لها وهو بذلك يشفق على حالهم ويتأسف بسبب كتمان الآخرين تلك المعلومات عنهم يكون أول المهاجمين له هم العامة أنفسهم ومعهم المتصدرون للمشهد الدعوي من الذين لم يسمعوا بهذه الفتاوى أصلا، فيضطروه إلى السكوت لتظل هذه الفتاوى حبيسة الكتب لا يعلم بها إلا أهل العلم الذين يكتمونها إما خوفا أو اجتنابا للمفاسد المترتبة على ردود أفعال الرأي العام.
والنتيجة: أن العوام يتعودون على إنكار تلك الاحكام الشرعية الموجودة في كتب الفقه وهم لا يعلمون بوجودها وكل ما بقي على المستشرق أو التنويري فعله هو استخراجها لترى النور، وفي الوقت الذي كان الفقيه يكتم العلم عن الناس "حتى لا يفتنهم بزعمه" يكون ذلك العلم المكتوم قد استخرجه التنويري أو المستشرق أو الملحد أو أي شخص ينتمي لغير دين الإسلام فيفاجئ به الناس فيزعزع ثقتهم بكتبهم الفقهية فينكرون على أهلها فيجدون أصل الفتوى موجودة في مصادر التشريع فينكرون على الكتاب والسنة أيضا، ولو أنهم فهموا الأمر من أوله على أصوله لما وجدوا في هذه الفتاوى أي إشكال على الإطلاق.
كتبه #صهيب_بوزيدي
