فوائد مقتبسة من كتاب حواراتي مع القرآن لمؤلفه الأستاذ أحمد دعدوش

القرآن والتفسير

#الحلقة_الأولى: (من منتصف الكتاب، قوم صالح عليه السلام، الصفحة 90 من الكتاب)

كلنا مررنا بقصة صالح عليه السلام وقومه، ومن البديهي إدارك كمية الجحود والكفر والعناد الكبيرة في تصرفاتهم وردود أفعالهم، ومع ذلك فإن هذه اللفتة من الأستاذ أحمد دعدوش تجعل القارئ يستشعر هذا الأمر بطريقة مختلفة كأنه يمرّ بالقصة أول مرة.

وذلك لأن الكا*فر قد يجحد ربه وهو ينسى قوته وعظمته ويغترّ ببعض ما وهبه إياه من قدرات ومزايا فيتكبر بها حتى يبلغ به الغرور أن يتعالى على الله نفسه، وقد تظهر علامات الكفر والجحود في سلوكيات الإنسان المعاصر وهو يغتر بالمال أو السلطة أو العلم التجريبي أو ذكائه أو جماله فينسى أن هذه النعم من عند ربه وهو قادر على أن يسلبه إياها فنقول "هذا إنسان غافل غرّته الحياة الدنيا وغرّه بالله الغرور"

فما بال قوم صالحٍ وقد رأوا معجزة جمعت بين المادية "الحسّيةً" والشرطية، إذ أن المعجزة لم تكن من اختيار النبي صالح عليه السلام وإنما اختارها قومه الكف_ار بأنفسهم ووضعوا شروطهم عليها، ومع ذلك فقد أجاب التحدي وحقق لهم ما كانوا يطلبون.

ثم عقروها ولم يخافوا من غضب الله عليهم، والوقاحة الأكبر أن النبي توعدهم بعذاب الله الدنيوي العاجل فسخروا منه وكذّبوه رغم أنهم رأوا صنيعه في إجابة التحدي (لا أدري بأي منطق كانوا يفكّرون) فلو أنهم في المرة الأولى كفروا وهم يأمنون مكر الله فكيف أمنوه بعد أن رأوا بأعينهم قدرته ومعجزته وتأكدوا في قرارة أنفسهم من نبوته ؟

وقد سبق لي -صهيب- أن قلت لأحد أصدقائي "إن وراء خوارق العادات سرٌّ عجيب وهو نسيان صاحبها لها حتى تصبح عنده كأنها كذبة أو وهم أو خيال، وقد يرى الإنسان من الخوارق ما يجعله يحس ببرد اليقين في تلك اللحظة ثم سرعان ما يعود لدنياه فينساها وهذا هو أصل الجحود، وليس نسيانه بسبب عدم التذكر وإنما لأنه النسيان المذموم الذي ورد في قوله تعالى ((نسوا الله فأنساهم أنفسهم)) وقوله ((نسوا الله فنسيهم)) أي أنهم أهملوا الله وتركوه فأنساهم أنفسهم، فكذلك التعامل مع هذه الخوارق بالجحود والنسيان يكون بادرة لأن يجعل الله ذاك الإنسان ينسى نفسه

فكذلك قوم صالحٍ نسوا أنفسهم لما نسوا الله، فنسوا أنه للتو جاءهم بمعجزة رهيبة ليس لها تفسير سوى صدق نبوة صالح عليه السلام، وبعد وعيد نبيهم استمروا بالسخرية منه وتحديه، ورغم أنه وعدهم بثلاثة علامات تحققت واحدة تلو الأخرى إلا أنهم ينسون أنفسهم فهم كمثل الذي قال الله فيهم ((صم بكم عمي فهم لا يرجعون)) وفي آية أخرى ((فهم لا يعقلون)) فكذلك قوم صالح لا للحق رجعوا ولا عقلوا حقيقة أنفسهم وما يدور حولهم، وتمرّ الأيام فيتحقق الوعد في يومهم الأول فتصفر وجوههم فلا يرجعون، ثم تحمر فلا يعقلون ثم تسود وهم لأنفسهم ينسون بعدما نسوا ربهم، حتى جاءهم العذاب وهم في غفلة معرضون، ولو أن الله أعادهم للحياة مجددا لعادوا لنفس الكفر والجحود بدليل قول الله في الكفار ((حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت)) فأجابهم الله قائلا: ((كلا إنها كلمة هو قائلها)) أي أنه لو عاد بعد كل هذا الهول الذي رآه لعاد لنفس أعماله القديمة، بل لو أنه أدخله جهنم ثم أخرجه منها لعاد لما كان عليه، فالكافر الجاحد لا تؤدبه لا المعجزات ولا الموت ولا جهنم، لذلك كان حكمه الأخروي ألا يدخل الجنة أبدا، بخلاف المؤمن فإنه مهما بلغ في الانحراف عن الطريق فإن الذكرى تنفعه، لقوله تعالى ((وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)) وأسوأهم حالا ممن لم يتعظ ويتعلم في الدنيا وغلبت سيئاته حسناته وكان والعياذ بالله ممن دخل للنار فإن ذاك العقاب المؤقت يؤدبه فيجعله مؤهلا بعد ذلك لدخول الجنة، أسأل الله أن يحرم وجهي ووجوهكم جميعا على النار وأن يرحمنا برحمته وأن يثبّت قلوبنا على الطاعة والإيمان والعمل الصالح والإذعان حتى نلقى الله بقلوب سليمة.

#ملاحظة: الكتاب عبارة عن رحلة مختصرة لتدبر أهم المحاور القرآنية التي تفيد العبد في آخرته فأسأل الله أن يوفقني لإكمال سلسلة استخراج الفوائد منه والتعليق عليها.

كتبه #صهيب_بوزيدي

فوائد مقتبسة من كتاب حواراتي مع القرآن لمؤلفه الأستاذ أحمد دعدوش
فوائد مقتبسة من كتاب حواراتي مع القرآن لمؤلفه الأستاذ أحمد دعدوش
شارك المقال:

من نفس الموضوع: القرآن والتفسير

العقل والقلب في القرآن

القرآن والتفسير

الذي انتهى إليه رأيي في تفسير هذه الآية الكريمة أن معنى القلوب هنا هو القلب الروحي المسؤول عن الإيمان الذي نقول فيه (الإيمان ما وقر في القلب وصدقه القول…

آية تعزز نبوة المصطفى وتقطع بالجنة لأزواجه

القرآن والتفسير

قال ابن كثير في تفسيره للآية: ((هذا أمر من الله لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن ، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة…