تفصيل حكم الترحم على غير المسلمين

الفقه وأصوله

الترحم على غير المسلمين ينقسم لقسمين:

#القسم_الأول: من ترجح عندنا قيام الحجة عليهم وأنهم من أصحاب النار فهؤلاء لا يجوز التحرم عليهم لقول الله ((مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓاْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ)) وكانت العلة في ذلك قوله تعالى (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) فخرج من ذلك من لم يتبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم.

#القسم_الثاني: من لم يتبين لنا إن كانوا من أصحاب الجحيم أم أنهم من أهل الفترة الذين يعاد اختبارهم يوم القيامة كما نصت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة وقد فصلتها في مقال مستقل، فهؤلاء الذين لا نعلم قيام الحجة عليهم لا يحرم الترحم عليهم لأننا لم نتبين بأنهم من أصحاب الجحيم وقد يكونون من أهل الفترة الذين يعاد اختبارهم وقد يدخلون الجنة إن نجحوا في الاختبار الذي يعاد لهم يوم القيامة فلا يكونون من أصحاب الجحيم ويكونون مستحقين لرحمة الله ومغفرته فعلى أي أساس يحرم التحرم عليهم في هذه الحالة ؟

ملاحظة: قد نقل كثير من العلماء أن الكافر الذي يخلد في النار والذي قامت عليه الحجة رغم عدم دخوله الجنة بسبب عدم مغفرة الله له في الشرك إلا أن عمله الصالح قد يخفف عنه العذاب فيما يتعلق بسيئاته الأخرى التي هي دون الشرك وممن نقل الخلاف في ذلك البيهقي وابن فرس الأندلسي المالكي (597 هجري) والكوراني الحنفي (893 هجري).

وممن رجح هذا القول شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) وشهاب الدين الآلوسي (1270 هـ).

وبناء عليه فإن الترحم على الكافر الذي قامت عليه الحجة قد يكون بطلب أن يرحمه الله بغفران سيئاته التي هي دون الشرك مع تحريم الاستغفار له في كبيرة الشرك نفسه وهذا ما يمكن استفادته ممن رجّح هذا القول وإن كنتُ لا أحب الاستغفار للكافرين الذين قامت عليهم الحجة لعموم نص التحريم حتى ولو حمله بعضهم على هذا التخصيص والتفصيل.

أما الكفار الذين لا نعلم أقامت عليهم الحجة أم لم تقم فهؤلاء قد يجوز الترحم عليهم خاصة إن ترجح لدينا أن الحجة لم تقم عليهم وذلك لأننا لا نستطيع أن نضمن لهم دخول جهنم والله يقول (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقال (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا وقلنا ما نزل الله من شيء....) فدلت هذه الآية أن الله لا يعذب من لم تقم عليه الحجة.

ومعلوم أن من وصله الإسلام مشوها أو غير مفهوم فلا يُعدّ من الذين قامت عليهم الحجة.

والنصراني الذي كان من أكثر الناس دفاعا عن قضايا المسلمين وإنكارا للظلم الذي يمارس عليهم ليس ممن يُظنّ فيه قيام الحجة مع جحود الحق وإنكاره كما لا يدل ذلك على عدم وقوعها بالضرورة وإنما علمه عند ربي ولكن رجحان عدم قيام الحجة عليه أكبر من رجحانها في الك*افر المحارب المعادي للإسلام (أي أن الاحتمال الأكبر هو عدم بلوغ الحجة له ولعله يكون عند الله من أهل الفترة).

#الخلاصة: يجب التفريق بين من نزلت فيهم الآيات ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعلمون مصيرهم الأخروي بنص من الله فعلموا أنهم من أصحاب النار وبين من لم نعلم إن كانت الحجة قامت عليه أم لا، فليس كل من لم يدخل في الإسلام اليوم يكون ممن بلغته الحجة التي ينتفي بها العذر عند الله، عندما ننظر إلى الذين تفيض أعينهم من الدمع وهم يعلنون دخولهم في الإسلام نكاد نجزم أن لحظة إسلامهم تلك هي أول لحظة عرفوا فيها الإسلام بشكل صحيح، بل قد أزيد وأقول: معظمهم دخلوا الإسلام بأقل قدرٍ ممكن من الحجة الإسلامية التي بلغتهم فكيف بهم لو بلغتهم حجج الإسلام كلها ؟ لعل المسلمين الذين وُلدوا على الإسلام لا يستطيع أكثرهم تجريب شعور الولادة في بيئة نصرانية وبوذية فيعلموا المقدار الحقيقي الذي يبلغهم عن الإسلام، بل إن المصيبة الأعظم في المسلمين الذين يُقصون دور العقل كليا فكيف كانوا يصنعون لو أنهم ولدوا على غير الإسلام بعقلية (من سبقك من السلف ؟) أيمكن أن نتصور السلف الذي يحتكمون إليهم لو أنهم ولدوا على البوذية أو الهندوسية أو النصرانية ؟

لا شك أن المسلم يعتقد أن عدل الله تام مطلق ولذلك يشترط قيام الحجة على عباده قبل تعذيبهم وإلا لكان الاختبار عبارة عن ضرب من الحظ أو بحثٍ عن حلول لأحجيات معينة من يفشل في بلوغها يعاقب، وهذا التصور فيه تشويه لصورة الله عز وجل في أذهان الناس، إن أبسط إنسان يتحلى بالعدل والرحمة يعلم يقينا أن الله أعدل وأرحم منه بعباده وإن كانت رحمة الإنسان وعدله يصلان به إلى هذا الحكم "أي اشتراط بلوغ الحجة" فكيف بالله الذي فاق كل المخلوقات في الرحمة والعدل ؟ أليس هو الذي قال ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) وهو الذي حرم التحريم فقط على من علم المؤمنون أنهم من أصحاب الجحيم، فمعنى ذلك أن الذين لم يعلم المسلمون دخولهم الجحيم لا يدخلون في حكم التحريم.

#السؤال: هل يوجد نص شرعي واحد حرم الترحم على أهل الفترة ؟ هل يوجد نص واحد حرم الترحم على من لم نعلم أهو كافر عند الله أم من أهل الفترة ؟ النصوص وردت في تحريم الترحم والاستغفار على من لن يغفر الله لهم لأنهم من أصحاب الجحيم فمن يستطيع أن يضمن اليوم أن فلانا من الناس الذي مات وهو يدافع عن أحد أهم قضايا المسلمين من أصحاب الجحيم ؟

#السؤال_2: قبل أن تشارك في حملةٍ ضد مسألة معينية قف هنيهة وقل لنفسك: من المستفيد من هذه الحملة ؟ وفي صالح من تصب ؟ هذه الموجة موجهة ضد أي موجة تحديدا ؟ والموجة التي وجهت ضدها هذه الموجة برأيك ضد من وُجّهت ؟.

#السؤال_3: بعيدا عن الترحم على المرأة وعدمه، أليس العمل الذي تقوم به عملٌ تُشكر عليه ؟ والسؤال الأهم: هل قُتلت ظلما أم لا ؟

كتبه #صهيب_بوزيدي

تفصيل حكم الترحم على غير المسلمين
شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…

مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع: الحلقة 3

الفقه وأصوله

نقض الجزء الثاني من الدليل الأول. قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق..)) لا علاقة لهذه الآية بحجية الإجماع ولا…