تصحيح المفاهيم حول موضوع البدعة

الفقه وأصوله

يجب التفريق بين العبادات التي شُرعت كلّية دون تقييد أفرادها "جزئياتها" والعبادات المقيدة في آحادها قبل الخوض في موضوع البدعة والسنة والأسئلة التي من نوع (من سبقك بهذا من السلف ؟ هل فعله الرسول صلى الله عليه وسلم؟).

#العبادات_المقيدة_في_آحادها: مثلا كيفية الصلاة المفروضة وعددها في اليوم وعدد ركعات كل صلاة فهذه مقيدة لا يجوز للمسلم أن يضيف ركعة لصلاة المغرب فتصبح 4 ركعات مثلا ولا أن يجعل الصلوات الخمسة ستة صلوات كأن يضيف صلاة بين الظهر والعصر يسميها صلاة القيلولة مثلا، وكذلك الأذان لا يجوز له أن يضيف فيه بعض الأذكار من عنده كأن يقول "حي على الصلاة (2)...حي على الفلاح (2) الله أكبر (2) لا إله إلا الله ...محمد رسول الله ..صلى الله عليه وسلم... وسبحان الله والحمد لله والله أكبر....إلخ" فهذا من البدعة لأن الأذان مقيد بأذكار معينة لا يجوز له الإضافة فيها.

#العبادات_المنصوص_عليها_بالكلية: وهذه العبادات جاءت بحكم مطلق لم تقيد فيه الطريقة أو الآحاد "الجزئيات" فيجوز تأديتها بأي طريقة كانت وليس شرطا فيها أن تكون من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة والأمثلة على ذلك:

1 - بر الوالدين: فلا يقال لمن بر والديه لا تبرهما إلا بالطريقة التي كان النبي يستعملها في بر والديه (ووالداه قد ماتا وهو صغير صلى الله عليه وسلم) كذلك ليس شرطا أن تبرهما بنفس الطريقة التي برهما بها الصحابة لأن ظروف الناس مع والديهم تختلف من حال إلى حال وتستحيل المطابقة فيها وإنما المهم أن تحصّل رضاهما بأي طريقة كانت مادامت الطريقة غير متضمنة لأي معصية لله.

2 - الجه*اد في سبيل الله، ليس شرطا أن يكون الج*هاد على نفس الطريقة التي جاهد بها النبي صلى الله عليه وسلم فالناس اليوم يستعملون الأسلحة المتطورة ولو كان أسلوب الجهاد توقيفيا أيضا للزم ألا يجا*هد المسلمون إلى في المناطق التي جا*هد فيها النبي صلى الله عليه وسلم وألا تكون الخطط الحربية إلا كالتي خططها النبي صلى الله عليه وسلم فوجب أن نذهب مثلا لجبل أحد ونضع بعض الرماة ونعطيهم النبال ونحارب على متن الأحصنة بالسيوف والرماح وكل ما سوى ذلك يكون بدعة "وهذا الفهم لا يقول به عاقل لكن هناك من يلزمه هذا الفهم نظرا لتأصيلاته في موضوع البدعة والسنة في مسائل أخرى".

3 - الدعوة إلى الله، قال الله عز وجل ((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) وقال تعالى ((قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) فجعل القيد الوحيد للدعوة أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن وأن تكون الدعوة على بصيرة بحال المدعو وما تدعو إليه.

لذلك فلا يقال للداعية "من سبقك من السلف في هذا الأسلوب" فإن شاء استعمل علم المنطق والفلسفة وإن شاء استعمل العلوم التجريبية والاجتماعية، فيناظر أصحاب مختلف العقائد ولا يقال له "هل دعا النبي صلى الله عليه وسلم الملح*دين حتى تدعوهم؟" أو "هل استدل النبي صلى الله عليه وسلم بالدليل الفلاني حتى تستدل به ؟"

4 - طريقة نقل الدين نفسه ليست توقيفية وإلا قيل "ومن أين أتيتم شرعا بقواعد علم الحديث كشروط الحديث الصحيح ودلالات الألفاظ من أصول الفقه وغيرها من القواعد، فعندها لا يمكن لعاقل أن يصف مخالفه في قواعد علم الحديث أو أصول الفقه بالمبتدع لأن هذين العلمين أصلا مبتدعين بالمعنى اللغوي، ولكنهما ليسا بدعة بالمعنى الاصطلاحي الموجب للضلال لأنهما داخلان في طريقة تبليغ الدين وإيصاله، والطريقة غير توقيفية بخلاف المضمون نفسه "متن الدين إن صح التعبير".

5 - السعي لإعلاء كلمة الله واجب ولكن طريقة السعي ليست توقيفية وكذلك طريقة إعداد العدة وماهية العدة ليست واجبة فلا يقال "هل لجأ النبي للاستراتيجية الفلانية أو العلانية لنقلده فيها ؟" لأن الاستراتيجية المطلوبة تختلف باختلاف الظروف، نعم يستفاد من استراتيجياته صلى الله عليه وسلم بعض الكليات كأن نعلم بأنه سلك طريق الدعوة في مكة والهجرة الأولى للحبشة والهجرة الثانية للمدينة ثم تولى الحكم "أي ممارسة السياسة" في المدينة ثم قاتل بعد التمكين الكف*ار المعتدين ولما انتصر حكم بالعدل.

لكن ذلك لا يعني التقيد باستراتيجيته الجزئية تحديداث ثم وصفها بالمنهج ليُعقد عليه الولاء والبراء ويصبح مفهوم الفرقة الناجية منوطا به، ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم قال ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) فلم يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم طريقة نتوقف عليها في تغيير المنكر وإنما جعله مطلقا، وهناك قواعد عامة نزن بها أسلوبنا كقاعدة (إذا خيرت بين مفسدتين تختار المفسدة الصغرى على الكبرى) وبناء عليه فإذا ترتب على إنكار المنكر باليد ما هو أنكر منه فيُترك ويكون البديل عنه الإنكار باللسان فإن ترتب عليه ما هو أنكر منه تُرك وكان البديل عنه هو الإنكار بالقلب ولا يمكن أن يترتب على الإنكار بالقلب أي حرج أو منكر أكبر لذلك كان الدرجة السفلى التي لا يوجد بديل عنها وهي أضعف الإيمان لأن عدم القدرة على تغيير المنكر بما سبقها قد يكون بسبب نقص في الشجاعة وليس بسبب ما يترتب عنه من منكر أكبر بالضرورة وإلا لما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أضعف الإيمان، إذ لو كان اللجوء إليها هو الواجب في تلك الحالة لكانت أقوى الإيمان لا أضعفه، ويراد بتغيير المنكر هنا تغيير الظلم والمنكر العام لا تغيير ما يتعلق بالحريات الشخصية المكفولة دينيا كحرية المعتقد والسلوكيات الفردية فلا نجد نصرانيا معاهدا فنقول (هذا منكر) فنحاول تغييره باليد (بالقوة) لأن ذلك مخالف لقول الله ((لا إكراه في الدين)) وقوله ((من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) كذلك بعض المعاصي الفردية لا يمكن تغييرها بالقوة ولا يكون ذلك هو المطلوب أصلا وإنما المطلوب هنا هو النصيحة والدعوة بالتي هي أحسن فإن قبل المنصوح فلنفسه وإن رفض فعليها، والشاهد من كل ذلك "أن طريقة تغيير المنكر أو طريقة إعلاء كلمة الله ليست توقيفية".

#أمثلة_عصرية:

1 - ما حكم الدعاء بعد الصلاة المفروضة ؟

الجواب: الدعاء في حد ذاته مستحب في آحاده واجب في جنسه لقول الله تعالى ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)) فمن ترك دعاء الله بالكلية كان آثما لأنه يكون مستكبرا عن دعاء الله واللجوء إليه وكأنه يقول (أستطيع تدبير أموري بنفسي دون الحاجة إلى الله) فيكون بذلك آثما إن لم نقل أنه قد يكفر إن صاحب ذلك بهذا الاعتقاد المستكبر لأن التكبر على الله كفر بدليل قوله تعالى ((إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)).

أما الدعاء لله فيكون مستحبا في كل الأوقات، وتوجد أوقات معينة يكون الدعاء فيها متضمنا زيادة في الأجر لذلك يمكن تقسيم الدعاء إلى قسمين: "الدعاء نفسه، وقت الدعاء".

1 - الدعاء نفسه: حكمه الاستحباب في الآحاد الوجوب في الجنس.

2 - وقت الدعاء: منه ما هو مستحب كوقت السجود والمطر والسفر وآخر ساعة في نهار الجمعة والثلث الأخير من الليل وغير ذلك، ومنه ما هو جائز وهو سائر الأوقات بما في ذلك وقت ما بعد الصلاة.

وبناء على ما سبق فإن من اعتقد أن وقت ما بعد الصلاة مستحب للدعاء كما هو حال الثلث الأخير من الليل وغيره (أي يعتقد استحباب الوقت لا الدعاء نفسه) فهذا يكون قد ابتدع أما من اعتقد أن الوقت جائز فهذا لا يكون مبتدعا فيدعو بعد الصلاة بحكم أن الدعاء هو المستحب لا وقته، وكذلك من حرم الدعاء في ذلك الوقت يكون قد ابتدع لأنه لا دليل عنده على التحريم والأصل جواز الدعاء في كل الأوقات إلا ما كان هناك نص على تحريمه فإن لم يجد نصا على التحريم فلا يجوز له تحريم ما لم يحرمه الله.

ونفس الحكم ينطبق على قول (تقبل الله منكم) أو (المصافحة) بعد الصلاة.

2 - ما حكم استعمال الأناشيد الإسلامية للدعوة وتكون كذلك بديلا هادفا للمحتويات غير الهادفة.

الجواب: يجوز وإن كانت بنية الدعوة فالدعوة مستحبة والطريقة غير توقيفية وقد ثبت واقعا دخول امرأة في الإسلام بسبب سماعها أنشودة بالإنجليزية للمنشد أحمد أبوخاطر، كذلك تاب كثير من المسلمين بسبب هذه الأناشيد فكيف تحرم ؟ فمن قال إن وسائل الدعوة توقيفية قلنا له "ما الدليل على توقيفها؟" كما يلزمه ألا يستعمل وسائل التصوير والتسجيل الصوتي أو السيارات أو المايكروفونات ولا الندوات ولا منابر الجامعات للدعوة فكل هذه لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم.

بل إن للأناشيد الإسلامية أصل يشبهها في الشريعة وهو ما كان يفعله حسان بن ثابت رضي الله شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3 - ما حكم المظاهرات ؟

حكمها يتعلق بحكم النتيجة المرجوة منها فإن كانت المفاسد المترتبة عليها أعظم من المفسدة المراد تغييرها تحرم بقاعدة (التخيير بين المفسدتين الصغرى والكبرى) أما إن لم تترب عليها مفسدة أو ترتبت عليها مفسدة أقل من المفسدة المدفوعة فقد صارت ما بين حكم الجواز والاستحباب والوجوب بحسب الحالة والوضعية، فإن كانت هي الحل الوحيد وجبت وإن كان لها بدائل أخرى صارت مستحبة وإن كانت لمجرد التعبير عن الرأي دون ترتب مفسدة عنها ولا مصلحة عملية فقد جازت، ويختلف حكمها بحسب موضوعها والمطلوب منها، فالخروج في المظاهرات للمطالبة بحق مدني دنيوي يكون جائزا والخروج فيها للمطالبة بدفع مفسدة مع وجود طرق أخرى يكون مستحبا لا واجبا إذ يمكن استبداله بالطرق الأخرى التي تجلب نفس النتيجة وربما كانت نتائجها أفضل، والخروج من أجل دفع مفسدة حتمية بغير وجود طريقة أخرى لدفعها إلا المظاهرات يكون واجبا.

4 - حكم الإضرابات:

حكم الإضراب كحكم الاستقالة، فكما جازت الاستقالة جاز الإضراب عن العمل، إذ جاز للعامل أن يترك عمله بالكلية فكيف يحرم عليه تركه جزئيا أو مؤقتا ؟ ثم يجوز لصاحب العمل أن يطرده من منصبه إن هو أضرب عن عمله فكما جاز للعامل أن يستغني عن صاحب العمل يجوز لصاحب العمل أن يستغني عن العامل سواء كان صاحب العمل شخصا حقيقيا أو معنويا "مثل الشركات سواء كانت حكومية أم خاصة" إلا إن السياسة المعاصرة وضعت قوانينا للعمل لا تجيز لصاحب العمل طرد العامل من منصبه بعد تجاوزه الفترة التجريبية إلا إن ارتكب خطأ من الدرجة الثالثة وهي محددة من طرف الحكومة في قانون العمل إلا أن تكرار الخطأ من الدرجة الثانية يجعله خطأ من الدرجة الثالثة كما أن تكرار الخطأ من الدرجة الأولى يجعله خطأ من الدرجة الثانية وأخطاء الدرجة الأولى والثانية يمكن لصاحب العمل أن يبتدعها من نفسه في النظام الداخلي للمؤسسة بشرط أن يعلن النظام الداخلي ويعلقه حتى يعلمه الموظفون والعمال، وكل هذا الذي ذكرته متعلق بقوانين العمل المعاصرة، أما من الناحية الشرعية فإن صاحب العمل هو الزبون والعامل يقوم مقام الأجير أو البائع فيجوز للزبون أن يرفض الشراء أو الكراء كما يجوز للبائع ذلك وبناء عليه فيجوز للبائع أن يرفض بيع سلعته أو تأجيرها مؤقتا كما يجوز له ذلك دائما ويجوز في المقابل للزبون رفض شراء أو كراء تلك السلعة مؤقتا أو دائما.

وبناء على ما سبق فإن حكم الإضراب كحكم الشراء والعمل من أساسه فهو حكم اختياري بين العامل وصاحب العمل لا قيد له إلا ما تقيدا به في عقد العمل أو عقد البيع لأن المؤمنين عند شروطهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقانونيا العقد شريعة المتعاقدين، أما أن يأتي من يحرم الإضرابات بدعوى أنها بدعة فهذا من الكلام الذي يمكن وصفه بالبعيد كل البعد عن فهم الشريعة الإسلامية عموما وفهم البدعة والسنة خصوصا.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

من أدلتي على رد روايات آية الرجم

الفقه وأصوله

قيل لي بالمعنى: ليتك تتراجع عن القول بنفي الرجم ونحوه من الآراء الشاذة ستكسب الكثير ممن تركوا متابعتك لأجل هذه الأقوال قلت: قد تحدثت عن الرجم ولم تتح لي…

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…