الوقاحة وقلة الأدب مع الأنبياء
في البداية سأقعّد لمسألة كلّية بعيدا عن ربطها بأي شخصية فقط لبيان الجهل والخلط لدى قائل سأنقل كلامه بعد هذا الشرح:
من الجهل الخلط بين صفة القوة الجنسية وصفة الشهوانية والاستدلال بالأولى على الثانية وذلك لأن القوي جنسيا قد لا يكون شهوانيا والشهواني قد لا يكون قويا جنسيا.
القوي جنسيا هو الذي يقدر على الجماع دون كسلٍ أو فتورٍ أو سرعة قذفٍ أو نحوه.
أما الشهواني فهو الذي يجعل شهوته ولذّاته الحسّية قائدة لعقله، فهو أضعف الناس ملكا للإرب "أي أضعفهم تحكما في نفسه وضبطها" وعادة ما يرفق بوصف الشهواني "الشهوانية الحيوانية" أي الذي يلهث وراء الشهوات ويجعلها في مقدمة اهتماماته.
فالشهوة لحد ذاتها ليست محرمة وهي فطرة وغريزة ولكن وصف الإنسان بالشهواني في الجانب الجنسي كوصفه بأرغب الناس بطنا في جانب الطعام، وقد صح أن جماعة من المنافقين قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ((ما رأينا مثل هؤلاء أرغب بطونا ولا أجبن عند اللقاء)) فنزل فيهم قول الله عز وجل ((قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)) والموقف الذي يجب لفت الانتباه إليه لما كانوا يتشبثون بفرس النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون (إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب في السفر) وهو ماضٍ لا يلتفت إليهم ثم قرأ عليهم قول الله الذي ذكرته.
مع أن للطعام لذّة ومن الطبيعي أن النبي صلى الله عليه وسلم يأكل، ولكن عبارة (أرغب بطونا) مثل عبارة (الشهواني) لا تقتصر على مجرد الحب الفطري للطعام وإنما تشير إلى الشراهة واتباع رغبات البطن فهذه من الشهوانية الحيوانية، بل يصح أن يقال في اللغة عن الموصوف بأنه أرغب الناس بطونا فلان شهواني، وذلك لأن الشهوانية تكون في الملذات الحسية عموما وغير مقتصرة فقط على الملذات الجنسية وإن كانت الأخيرة أخص.
فما قاله أحد المتهورين وقليلي الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث وصفه بالشهواني جدا أقبح من قول المنافقين الذين قالوا (ما رأينا مثل هؤلاء أرغب بطونا) وقد رد عليه الصحابي الصادق (كذبت ولكنك منافق)، وكذلك يقال لهذا كذبت بل كان النبي صلى الله عليه وسلم كما قتلن عائشة ((وكان أملككم لإربه)) أي أكثركم تحكما وضبطا لنفسه في هذا الباب، وكان الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم من سفه المنافقين والمرجفين لمحاولة تشويه صورة الأخيار وهذا ديدنهم في كل زمان، فالص.هاينة وعملاؤهم اليوم يحاولون إيصال هذه الصورة عن المجا.هدين في غزة فيقولون عنهم "تجا.هدون في الفنادق" فيكذبون أمام العالم الذي يرى بعينه الحق، ويصفونهم أيضا بالجبناء والعالم بأسره يعرف شجاعتهم، وذلك لأجل الحرب النفسية والإعلامية لتشويه أهل الحق فكذلك كان المنافقون قديما، فما المعنى أن يأتي رجل بجهله يتكلم عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفاقة وقلة الاحترام فيطعن من حيث لا يدري في ذاته الشريفة بهذا الكلام القبيح ؟ واعلموا أني استفتحت كلامي بشرح وتفريق عام بين الشهوانية والقوة الجنسية قبل أن أتكلم عن موضوع النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التفريق كلّيا، وإلا فمن قلّة الأدب ومن مجاوزة الحدّ أن أفتح للساني أو قلمي العنان للخوض في خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم بكلامٍ عامّي وسوقي وإن كان حقا، بل وإن كان فيه مدحٌ له، فكيف إن كان مسيئا ومشوها لصورته.
تراجع الرجل عن موقفه واستغفر وتاب من صنيعه وقوله في حق النبي صلى الله عليه وسلم وبدل أن يأخذ لنفسه فترة يعتزل فيها الكلام في دين الله حتى يتعلم، ذهب ليتطاول مجددا على مقام النبي عيسى عليه السلام وأمه مريم عليها السلام بكلامٍ أستحي من نقله، ووالله لو علّق أحد بمثل ذلك الكلام وقاله في حقّي لحظرته من باب قلة أدبه وإن كان موافقا للواقع إذ لا يراد منه سوى الاستنقاص، فذهب لقول الله ((كانا يأكلان الطعام)) فذهب يستنتج منه أين يخرج الطعام ومن أين يخرج وقال عبارة مستفزة فقال (ليضعهما الله في حجمهما) وهذه في حد ذاتها عبارة مسيئة، بل الله أراد بيان عدم ألوهيتهما ولكن دون الانتقاص من مكانتهما، وهو الله خالقهما ولو فعل لكان حقا له، فكيف يأتي من هو دونهما ليطلق لسانه عنهما فيذكرهما بما لم يذكرهما الله به وما الهدف من كل هذه الجرأة ؟ هل هي ثورة لإسقاط قيمة الأنبياء من أعين الناس أم ماذا ؟ يعني لو إني تكلمت عن أحد شيوخ هذا الإنسان من الذين يحبونهم فأقول له (سأضع شيخك في حجمه الطبيعي، شيخك الذي يدخل الخلاء وتخرج الفضلات من مخرجيه من قبله ودبره) أفلن تشعر بأني أنتقص منه وأحاول إهانته وإن كان ما أقوله فيه واقعا ؟ فما بال هذا الجلف يقول ذلك في حق عيسى ومريم عليهما السلام، وما الفائدة العلمية أو الفقهية أو التزكية النفسية التي يريد تمريرها للناس من خلال هذه الطعونات ؟.
#ملاحظة: وقع الوعيد على المنافقين المسيئين للنبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة ولم يقع عليهم الوعيد في الدنيا، فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحبسهم ولم يعاقبهم وذلك لأنه كان متسامحا في حقه لا ينزل بمستواه إلى مستوى الصغار، كما لم ينقل لنا القرآن أسماءهم ولا نقلهم لنا رواة المسلمين حتى لا يقدموا لهم خدمة الشهرة المجانية فيكون الطاعنون كالذي قال وددت أن أُذكر ولو باللعنات، وإنما أخمدوا ذكرهم مع التعليق على أفعالهم حتى لا يقع فيها غيرهم، وكذلك فعلتُ مع هذا الشخص رددت على قوله وأخمدتُ ذكره كي لا أساهم في شهرته، ولم أكلف نفسي عناء الطعن في نيته وإنما اكتفيت بوصفه بالجهل والواجب عليه أن يتعلم ويتأدب ويحسن اختيار ألفاظه قبل أن يتكلم.
كتبه #صهيب_بوزيدي
