المنكرات التي تقع في احتفالات رأس السنة تجاوزت مسألة التهنئة والخلاف فيها
يختصم الشيوخ وطلاب العلم حول حكم تهنئة النصارى برأس السنة بين محرّم ومجيز فالمحرّم يقول (كيف نهنئ النصارى بميلاد ابن الرب حسب عقيدتهم) والمجيز يقول (لكنا لا نهنئهم بذلك وإنما نهنئهم بميلاد النبي عيسى عليه السلام وحكم ذلك كحكم الاحتفال بميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عندنا نبي وليس ربا فنحن نهنئ بميلاد النبي ولا نتحمل ذنب من يعتقد فيه الألوهية كما قد نتكلم مع الشيعة عن علي رضي الله عنه ونحن نقصد علي الصحابي الحقيقي وهم يقصدون علي الإمام المعصوم الذي يتحكم في ذرات الكون ويعلم كل شيء وبلغ ببعضهم أن نسب إليه صفات الربوبية والألوهية كما في الخطبة الافتخارية التي نسبوها إليه وغيرها، فعلي الواقعي ليس كما يصفه الشيعة فكذلك عيسى الواقعي ليس كما يتصوره النصارى) ويقول المحرمون (إن تهنئة النصارى بهذا العيد فيه ضعف في الولاء والبراء وعزة الإنسان المسلم وفخره بدينه وبراءته من الأديان الباطلة) ويقول المجيزون (الولاء والبراء يكون مع الك_فار المحاربين المعتدين أما بعض أفراد الشعب المسالم الذي تجده يبادلنا التهاني في أعيادنا الإسلامية أو بعض الجيران الذين يشاركوننا حتى طعامهم الذي أحله الله لنا كما أحل لنا الزواج من نسائهم ولا يمكن الزواج منهم بدون مودة كما لا يمكن ذلك مع مشاعر الكراهية ودلت الكثير من الآيات على التفصيل في الولاء والبراء والتفريق بين العدو المحاد لله ورسوله وبين المسالم الذي لا ندري أبلغته الحجة أم لم تبلغه أصلا وقد يعاد اختباره يوم القيامة لعدم بلوغ الإسلام الصحيح إليه ثم يفوز في الاختبار فيكون من أهل الجنة كما في الحديث الصحيح (تعرض عليهم النار فيقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن أبى سُحب إليها) وقد قال الله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فإن كان هذا الرجل ممن قد يعاد اختبارهم وقد يكون من أهل الجنة فكيف يمكنني الجزم بكرهه وهو من الذين يحتمل أن يكونوا من أهل الجنة يوم القيامة ؟ فعلى أي شيء أكرهه ؟ ثم إننا نحاول دعوتهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن لعل الله يكتب لهم الهداية فهل يعقل أن نوجه لهم خطاب الكراهية ونحن نرجوا منهم قبول ديننا ؟) فيقول المحرمون (إن الاحتفال بأعياد الميلاد عموما بدعة) فيقال له (لا يراد منها العبادة لتكون بدعة وهذا يرجع نقاشه إلى حكم الاحتفال بأعياد ميلاد الأفراد العاديين وحكم الاحتفال بعيد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم فيقاس على حكمه الاحتفال بعيد ميلاد عيسى عليه السلام) فيقول المحرمون (لكن الله نهانا عن التشبه بالكفار وهذا العيد مما اختص به النصارى أنفسهم) فيقول المجيزون (لكننا لسنا نحتفل به وإنما نهنئ من يحتفل به، أما لو أردنا الاحتفال به فقد نخالفهم في اليوم الذي نحتفل به كما خالف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في عاشوراء فأضاف لهم صيام التاسوعاء وكان يوما يحتفلون به بنجاة موسى عليه السلام من فرعون فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على الاحتفال به وقال نحن أولى به فخالفهم بزيادة صيام التاسوعاء فيمكن فعل نفس التصرف مع النصارى فيما يخص عيسى عليه السلام فنحن أولى به منهم إلا أننا لا نقدر على سن عبادة في هذا اليوم لأن ذلك من التشريع مع الله وهو من البدع المحدثة أما إذا كان الأمر لمجرد التعبير عن حبنا له فإنه سيأخذ حكم التعبير عن حب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم المولد وقد سبق تفصيله) فيقول المحرمون (وأين عزة المسلم ؟) فيقول المجيزون (لا نهنئ المعتدين والمتغطرسين والمتكبرين من النصارى ولا المعادين للإسلام سواء كان ذلك بأقوالهم أم أفعالهم وإنما نخص هذه التهنئة بعض الزملاء في العمل أو الجيران أو الأقارب إن كانوا من النصارى ولا نفعل ذلك إلا مع من يهنئنا في أعيادنا ويحترمنا في رمضان فلا يأكل أمامنا وإن فعل ما نعتبره كبيرة وحراما في ديننا فإنه لا يفعله أمامنا، وقد يبادرنا بالدعاء لنا ونحن ندعوا الله أن يهديه إلى الإسلام فيكون داعية إليه وقد نتلطف إليه ببعض من الكلام الحلو وكما قال أخونا محمد الصاوي عبد الكريم في كلام بيني وبينه حول هذه المسألة (قد شرع الله تأليف قلوب الكفار بالمال (المؤلفة قلوبهم) والمال أنفع لهم من مجرد الكلام الطيب فيكون الثاني من باب أولى) قال المحرمون (لكن يوجد من النصارى من قال "لا حاجة لنا بتهنئتكم لأننا نحتفل بميلاد ابن الرب وأنتم تهنئوننا بميلاد إنسان نبي) فقال المجيزون (هذا تعليق لفتاة لا تُعرف ولا يصح تعميمه على كل النصارى ومثل هذه الفتاة لا تستحق أن توجه لها التهنئة أصلا وإنما توجّه التهنئة إلى الطيبين من النصارى المسالمين الذين يتعاطفون حتى مع قضايا المسلمين ويقفون معهم فيها كقضية فلسطين وبورما وغيرها فهم يرفضون الظلم وعندهم استعداد لقبول الحق فهؤلاء لن يردوا بمثل هذا الرد الفج، كما أنهم يعلمون أننا نعتقد بأن عيسى نبي وليس إليها ويعلمون بأننا لا نقرهم على جعله إلها وبعض النصارى لا يقرون بألوهيته أصلا ولا بالتثليث وبعضهم ينطق التثليث لفظا ثم يلجأ لتأويل معناه فيجعل الثلاثة صفات لنفس الإله ولا يقر بذوات ثلاثة وإنما يقول هو مثل أن يكون هو الرحيم والعليم والخالق فهذه صفات ثلاثة لإله واحد وبغض النظر عن صحة تأوليهم لما في كتبهم من عدمه إلا أن تهنئة هذا النوع بميلاد المسيح عليه السلام ليس لها أي علاقة بموضوع ميلاد ابن الرب) قال المحرمون (لكن الناس في الواقع يفعلون الكثير من المنكرات في مثل هذا اليوم فإن كنا لا نمنع تهنئتهم للعيد في حد ذاته فما عسانا نفعل بطريقة احتفالهم التي تُبنى على العربدة والسكر والزنا أو القمار وغير ذلك من الأفعال ؟) فيقول المجيزون (ونحن لا نهنئ من يحتفل بعيد المسيح بمثل هذه الطريقة وإنما نهنئ عليه من علمنا ابتعاده عن مثل هذه المنكرات في الواقع لأن كثيرا منها محرم في الديانة النصرانية الحالية أيضا فمرتكبو المنكرات عندهم مثل من يرتكب المنكرات من المسلمين حتى ولو كانت النسبة عندهم أعلى بكثير من التي عندنا ولكن ليس لهذا علاقة بالاحتفال نفسه وإن كنا نقر بأنه ذريعة غير حتمية لها وإنما هو راجع لسلوكيات تلك الأفراد قبل الاحتفال).
وهنا وجب على الطرفين الالتفات إلى ما يتفقان عليه أيضا كما التفتوا إلى ما اختلفوا فيه، وهو الانتباه لموضوع المنكرات التي تحدث في مثل هذا الاحتفال من أبناء المسلمين أنفسهم إذ ينزح كثيرٌ ممن لا يهتم لأمر الفتوى إلى أماكن الفساد الواضحة ليقضي ليلة شي_طانية ليس فيها سوى السّكْر والعربدة في الحانات والملاهي والفنادق المشبوهة حيث يقعون في الكبائر التي لا يختلف على حرمتها اثنان من المسلمين ثم بعد العودة إلى ديارهم يسأل كلّ واحد منهم الآخر (أين قضيت "الريفيون"؟) فيبدأ فصل الافتخار بكبائر الذنوب فهذا احتفل به في باريس والآخر في دبي والثالث في تونس والرابع في إيطاليا والخامس لم يستطع الخروج من الجزائر لكنه لم يفرّط فيه فقد احتفل به بحسب ميزانيته المادية ثم يأتي المحتفل الفقير المضحوك عليه الذي ذهب إلى الغابة في الجبل ليحتفل مع الأشجار والصخور والخمور ثم تنقضي هذه الليلة فتذهب لذّتها ويحلّ الإثم (إن صحّ أن نسمّي مثل هذه الحالة الفوضوية لذّةً والتي تصل ببعضهم إلى التقيؤ والتبول على أنفسهم أعزكم الله).
لذلك فعلى المتدينين أن يعلموا أن الدعوة غير مقتصرة على بعضهم البعض وإنما هناك من المسلمين من هم في أمس الحاجة إلى من يخرجهم من ظلمات الإدمان على الكبائر الواضحة المتفق على حرمتها إلى نور التدين ومحاولة الالتزام بشرع الله، والالتزام لا يعني العصمة من الخطأ ولكن كما قال الله تعالى ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ)).
قال الطبري في تفسير هذه الآية بعد أن نقل عدة أقوال فيها (( وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال " إلا " بمعنى الاستثناء المنقطع ، ووجه معنى الكلام إلى ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) بما دون كبائر الإثم ، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ، فإن ذلك معفو لهم عنه)) انتهى من تفسير الطبري.
ومن أراد تتمة كلامه في المسألة فليراجع تفسيره لأني نقلتُ الشاهد الذي أحتاجه في هذا الموضع فقط وفي تتمة كلامه أمثلة عن الصغائر التي تُغفر.
والشاهد: إن الالتزام بعدم ولوغ الكبائر ليس بالأمر المستحيل ولا الصعب وإنما يحتاج الأمر إلى تصحيح بعض المفاهيم فإن الشيطان ضحك على كثير من الناس بإيهامهم أن الدين إما أن يُطبق كله وإما أن يُترك كله فهو يخيرهم ما بين العصمة والضلال الصريح، ولأن العصمة مستحيلة في حق البشر فإن معظمهم لن يختاروا إلى طريق الضلال الصريح.
كتبه #صهيب_بوزيدي
