إنصافا للشيخ الفوزان
#حول_فتواه_الخاصة_بحبس_العائن_المتعمد
انتشرت فتوى للشيخ الفوزان يقول له السائل ((سائل يقول يوجد أحد الأشخاص يتحكم بإصابته بعينه ويعترف بذلك فما جزاء مثل هذا في شرعنا ؟)) فأجاب الشيخ الفوزان ((إذا ثبت أنه يصيب بعينه يُحبس حتى يموت)).
وقد انتشر بين الناس التشنيع على الفوزان بسبب هذه الفتوى وبُحكمِ تخصيصي سلسلة من المقالات في الرد على الفوزان هذه الفترة وصلتني الكثير من الرسائل التي تنقل هذا المقطع بحيث ينتظر مني أصحابها التعليق عليها مستنكرا، ولكني أعلم أن جوابي قد يكون صادما لهم والحق أحقّ أن يُتّبع، فهذه الفتوى التي قالها الفوزان ليست على الوجه الذي حُملت عليه وللفقهاء من قبله كلام مفصّل حول هذه المسألة قد يبدو غريبا وغير مألوف لكنه موجود، كما أني قبل شروعي في بدء سلسلة الرد على الفوزان لم يكن معتمدي بعض المقاطع المتناثرة هنا وهناك وإنما سبق لي أن قرأت عددا من كتبه وسمعت كثيرا من شروحاته وتسجيلاته المطولة ومحاضراته وأعرف سيرته التي رواها بنفسه فمعلوماتي عنه تكاد تكون متكاملة لذلك أقول ما يلي:
1 - سبق أن سمعت للفوزان كلاما حول حكم العائن الذي يصيب الناس بالعين فقال يكثر من الأذكار [ولم يُفتِ بحبسه]، لكن في هذه المرة سُئل عمن يتقصد إصابة الناس بعينه ويتحكّم بعينه ثم أضاف الفوزان مقيّدا فتواه بقوله [الذي يقتل الناس بعينه يُحبس حتى يموت] وهو يقصد من يقتلهم بعينه متعمدا وهو قادر على التحكم بذلك وأضاف قيدا [إذا ثبت أنه يصيب بعينه] أي ليس مجرد اعتراف العائن بذلك دليل يُحبس من أجله إذ من الممكن أن يخطئ العائن في حق نفسه أو يتوهم إصابته للناس بالعين وهو مخطئ حتى مع سوء نيته وقصده ولكن إن ثبت أنه يصيبهم بالعين واقعا كلّما أراد ذلك حتى يصل لدرجة قتلهم كأن يقول العائن لبعض الشهود (أنا سأصيب ذلك الشخص بعيني فأقتله فترقبوا ......ثم يصيبه فيموت فعلا ثم يتكرر منه ذلك حتى يُتأكد من ثبوت ذلك عنه) فهذا هو الذي أفتى الفوزان بحبسه.
2 - قد يقال [وهل توجد مثل هذه الحالة في الواقع ؟] الجواب: [نعم قد توجد، ولكن لو سلّمنا بعدم وجودها فلن تكون فتوى الفوزان مشكلة لأنها لن تُطبّق وعندها ستدرج على الأقل في الفقه الافتراضي إن لم تكن واقعية لكن الفتوى على غير المعنى الذي حُملت عليه].
3 - لم يتفرّد الفوزان بهذه الفتوى بل سبقه إليها غيره من العلماء.
3 - 1 : قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
((ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم " أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس ، وأن يلزم بيته ؛ فإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به ؛ فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس - كما تقدم واضحاً في بابه - وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة " ، قال النووي : " وهذا القول صحيح متعين لا يُعرف عن غيره تصريح بخلافه")) [فتح الباري 10 / 205] .
3 - 2: قال الإمام النووي: ((قال القاضي: في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء: إنه ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويتحرز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يكفيه ويكف أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي -صلى الله عليه وسلم- دخول المسجد، لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر -رضي الله عنه- والعلماء بعده الاختلاط بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها بحيث لا يتأذى بها أحد. وهذا الذي قاله هذا القائل صحيح متعين، ولا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. والله أعلم.)) [شرحه لصحيح مسلم]
3 - 3: قال ابن القيم: ((إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يقتص منه ، وعليه الدية، وإن عمد ذلك ، وقدر على رده ، وعلم أنه يقتل به : ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به ، فيعينه إن شاء ، كما عان هو المقتول، وأما قتله قصاصا بالسيف فلا؛ لأنه غير مماثل للجناية)) [شرح منازل السائرين]
3 - 4: قال الإمام منصور بن يونس البهوتي [توفي: 1051 هجري]: ((والمعيان: الذي يقتل بعينه . قال ابن نصر الله في حواشي الفروع: ينبغي أن يلحق بالساحر الذي يقتل بسحره غالبا ، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها ، ويفعله باختياره : وجب به القصاص)) [كشاف القناع عن متن الإقناع 5/509]
4 - ومما تبين فيما سبق ذكره أن هناك من أفتى بالقصاص من العائن المتعمد الذي يقتل بعينه وهناك من لم يرَ فيه قصاصا كالشافعية، ومع ذلك فحتى الذين قالوا [لا قصاص عليه] قالوا بوجوب حبسه. قال النووي رحمه الله: ((إذا أصاب غيره بالعين، واعترف بأنه قتله بالعين فلا قصاص، وإن كانت العين حقا؛ لأنه لا يفضي إلى القتل غالبا، ولا يعد مهلكا)) [روضة الطالبين 9/ 348] رغم أنه أفتى بحبسه كما سبق بيانه في النقطة [3 - 2].
5 - قد يُقال (كيف يمكن أن يُعاقب إنسان على فعل لا يمكن التحقق من صحته حتى ولو اعترف فقد يكون من سوء ظنه بنفسه، وحتى ولو صادف أن قُتل الناس كلما ظن نفسهم أصابهم بالعين فإن تطبيق حكم خطير كهذا عليه ينبغي أن يكون مبنيا على برهان أكثر يقينا من مجرد الظن، حتى ولو قصد ذلك ونواه فقد لا يكون بالضرورة ناجحا فيما نوى فعله من شر).
فيقال الجواب: مجرد نية الشر تجعله في حكم يشبه حكم الساحر، فحتى الساحر يتعامل مع أمور غيبية ثم يوقع ضررا حقيقيا على الناس لذلك وجب عقابه ومنهه من طرف الحاكم، فيكون العائن المتقصد لإصابة الناس بالعين في حكم الساحر، حتى ولو أخطأ الناس بإصابة العين فإنه ينوي بهم شرا وهذا أمره خطير على الناس، فكما أن الحاكم قد يقبض على من يحاول السرقة أو القتل أو فعل أي جريمة فكذلك من ينوي القتل بهذه الطريقة يجب أن يعاقب، أما مدة عقابه فتكون إلى أن يرجع إلى رشده ويتوب إلى الله ويعلن عدم عدوته إلى هذا الفعل.
ثم إنه لا يُمكن أن يظلم أحد بهذه الفتوى إذ ما الذي يجبر العائن على التصريح بنيته ورغبته في إصابة الناس بالعين لدرجة قتلهم ؟ هذا حتى ولو لم يقتل بالعين ولم ينجح في ذلك فإنه خطر على المجتمع إذ الذي ينوي القتل بالعين قد يقتل غدا بالسلاح الفيزيائي المباشر، لأن النية موجودة، والواجب على من أحس من نفسه إصابة الناس بالعين أن يقول (ما شاء الله) أو (تبارك الله) أو غيرها من الأذكار ليحمي الناس من عينه وعندها يبرئ ذمته أمام الله.
#أخيرا: ليس شرطا أن يقتنع المسلم بمثل هذه الفتوى، ولكنها ليست من الفتاوى التي يستحق صاحبها التشنيع به عليها أولا لأن له فيها وجهة نظر محترمة وثانيا لأنه سُبق إليها من أهل العلم المعتبرين قديما.
كتبه #صهيب_بوزيدي

