العلم الحقيقي على أصوله
إن المتقن للآنطولوجيا والإبستمولوجيا والمنطق والأخلاقيات في الفلسفة القادر على إنتاج العلم فيها والتسلسل في الربط بين المقدمات ونتائجها المحيط بجلّ وأهم الأصول والمسائل المطروحة في هذه العلوم والعارف بمختلف أنظمتها وتياراتها ومذاهبها والقادر على استقراء الاحتمالات الممكنة في كل أصل أو فرع ثم يناقشها جميعا ويقدر على تحرير البراهين المطروحة فيها حتى يكون مؤهلا للدفاع عن كل مذهب فيها بأفضل مما يدافع عنه أهله وأصحابه مع قدرته على نقض دفاعه بنفسه والاستقرار على القول الحق في تلك القضايا.
القادر على ذلك يرى أن علم أصول الفقه وعلم الحديث من حيث سهولة إتقانه وفهمه أسهل بكثيرٍ من العلوم المذكورة آنفا، وذلك لأنه امتلك الأدوات المعرفية الكلية المطلوبة لهذه العلوم فيسهل عليه دراسة بقية تفاصيلها، كما أنه يكون متعودا على مقارعة أشد الناس خلافا له ممن يفترقون معه في أكثر المقدمات ثم يناقش أقوال من يتفقون معه على أكثرها، فإن كان أصحاب الشك المذهبي لا يثبتون حتى البديهيات [المسلّمات] فإن القادر على مناظرتهم يقدر على مناظرة من يثبت هذه البديهيات ويثبت إمكانية المعرفة حتى ولو كان ينفي الحقائق المطلقة، ومن قدر على إلزام هذا الأخير فإنه يسهل عليه أكثر أن يناقش من يثبت الحقائق المطلقة ثم إن مناقشة الملحد أسهل من مناقشة السوفسطائي ومناقشة الربوبي أسهل من مناقشة الملحد ومناقشة المنتمي لدين معين ولو كان مشركا أسهل من مناقشة الربوبي ومناقشة المنتمي لأحد الأديان السماوية وإن حُرّفت أسهل من مناقشة الوثني الذي لا ينتمي لأي دين سماوي ثم إن مناقشة المنتسب إلى الإسلام وإن كان باطنيا أو كانت أقواله كارثية كفرية أسهل من مناقشة أهل الكتاب ومناقشة الشيعي الذي لا ينتمي للباطنية أسهل من مناقشة الشيعي الباطني، ومناقشة السني المخالف أسهل من مناقشة الشيعي ومناقشة المخالِف في أصول الفقه أسهل من مناقشة المخالِف في تفاصيل العقيدة ومناقشة المخالف في فروع الفقه أسهل من مناقشة المخالف في أصولها، وبين هذا وذاك فإن مناقشة العالِم الذي يكون أقرب إلى الحق تكون أسهل من مناقشة الجاهل الأبعد عن الحق وذلك لأنه كلما اقترب منك العالم في الحق والعلم كلما كانت المقدمات المتفق عليها بينكما أكبر فبَدل الانطلاق من المقدمة [أ0] يكون الانطلاق من المقدمة [أ 32] مثلا فتكون معظم المراحل المطلوب البرهان عليها متفقا عليها، إلا إن كان يوافقك في النتائج ويخالفك في مقدماتها فهنا ينبغي الرجوع قليلا إلى المقدمات المختلف عليها حتى تُبنى عليها النتائج بنيانا صحيحا.
كما ينبغي التنبيه على أن المقتصر على الإبستمولوجية والآنطولوجيا والمنطق والأخلاقيات وما يتفرع عنها من علوم الآلة كأصول الفقه والتفسير والحديث واللغة لا يكفي أن يكون مؤهلا للكلام في العلوم الإسلامية إلا إن كان محيطا بالنصوص الشرعية، ولكي لا يكون متعصبا جاهلا بالمذاهب والأقوال المختلفة في الأصول والفروع ينبغي أن يكون مطلعا على كل المذاهب حتى لا ينكر على غيره ممن وافق أقوالا لعلماء أجلاء أو مذاهب معتبرة، فهنا تصبح دراسة النصوص الشرعية بعد علوم الآلة غير كافية وإنما لابد من الدراسة الواسعة للفروع ولا يُكتفى فيها بالمذهب أو القول الواحد وإنما الأفضل دراسة كل الأقوال والمذاهب المعتبرة [بل وغير المعتبرة إن أمكن فذلك أفيد للحجاج والمناظرة مع المخالف].
عندها نقول فيمن درس كل هذا بأنه عالم علّامة موسوعي.
كتبه #صهيب_بوزيدي
