إفتاء المستفتي ليس كتعليم الطالب

الفقه وأصوله

السائل المتعلم للفقه ليس كالسائل المستفتي.

فالمستفتي يبحث عن جواب يعمل به في حالته الفردية.

بينما السائل المتعلم يريد تعلم الصنعة الفقهية بدءا بتعلم قواعدها وأصولها الكلّية وانتهاءً بتنزيلها على المسائل العينية الفرعية.

لذلك لا يكون جواب الفقيه على السائلين بنفس الأسلوب.

فقد يطلب من المستفتي وصف بعض الدقائق والتفاصيل التي يحسبها السائل فرعية غير مؤثرة في الفتوى ولكنها قد تحدث فرقا في الترجيح عند الإفتاء بينما لن يطلب من السائل المتعلم ذلك لأنه يعلم أن المثال لتجريد المفاهيم، فالمستفتي غير قادر على القياس خلافا للمتعلم صاحب المستوى المتقدم، ومثال ذلك:

1 _ لو سُئل الفقيه عن حكمِ معاملة معينة وكان السائل هو المتعلم فإنه سيذكر الأصل الذي يستعمله في استنباط الحكم ثم يذكر النصوص ويفك ما قد يظهر من التعارض بينها ويعمل بآلة الترجيح من حيث الثبوت والدلالة ليعطيه الرأي في المسألة بدقة.

2 _ بينما لو سأله المستفتي نفس السؤال فإنه قد يحاول السؤال عن تفاصيل المعاملة، قد يسأله عن المبلغ، وعن حال المستفتي ووضعه المادي، سيسأله عن الظروف التي يعيش فيها والبلد الذي يسكنه وسياسته، وحتى عن الشيء الذي يريد شراءه أو العمل عليه، سيسأله عن الكثير من التفاصيل التي لن يسأل السائل المتعلم عنها والسؤال عنها يُحدث فرقا في الفتوى للأسباب التالية:

2 _ 1: قد تكون المعاملة مجردة في حد ذاتها محرمة ولكنها في ظروفٍ معينة جائزة بل واجبة، فقد تدخل في قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" فتصبح جائزة، وقد تدخل في قاعدة "إذا خُيّرت بين مفسدتين تختار المفسدة الصغرى على المفسدة الكبرى" فتكون المعاملة في حد ذاتها مفسدة 'أي أنها غير جائزة في العادة' ولكنها في ذلك الوضع الخاص تحديدا واجبة لأن المراد منها دفع مفسدة أعظم، كالكذب فالأصل تحريمه ولكن في حال الحرب مع العدو قد يجب في بعض الحالات، فقد يسأل العدو عن معلومات تضر بجيش المسلمين لو علمها فالواجب هنا كتمانها عنه وتضليله، كأن يقع أحد أفراد المسلمين بين أيدي جيش الاحتلال ويسألونه عن موقع قائد معين أو خطة سرية للمسلمين فما شابه، فلو أخبرهم هنا بالحقيقة يكون خائنا وآثما والواجب هنا أن يكذب، وهذه تقاس عليها أمثلة كثيرة في الحرب والسلم معا، فالمستفتي قد يسأل سؤالا ويحصل على جواب عام فيعممه حيث يجب التخصيص ولن يستثني ولن يعمل قواعد الاستثناء لذلك وجب أن يجاب المستفتي على حسب الوضع كاملا.

2 _ 2: قد يسأل المستفتي قائلا: ما حكم من يسب الله ؟ فلو كان السائل طالب علم فالجواب "سب الله كفر" وطالب العلم يعلم الفرق بين الحكم المطلق والعيني ويعرف قاعدة توفر الشروط وانتفاء الموانع عند سحب الأحكام على الأعيان، لكن لو جاء هذا السؤال من المستفتي فالواجب أن يُعلم منه التفاصيل: هل هذا الذي سب الله عاقل أم مجنون؟ أهو صبي غير بالغ أم بالغ ؟ هل سب الله قاصدا أم انفلت لسانه فقال ما لا يقصده كالذي روى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ((لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل فقد راحلته في الصحراء حتى إذا وجدها قال اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) هل علم معنى الكلام وعلم أنه سب لله أم قال كلاما بلغة لم يفهمها وكان معناها مفيدا للسب فقد يكون مسلما يابانيا مثلا ويلتقي ببعض الأشرار العرب فيقولون له (قل كذا، قل كذا) ويترجمون له العبارة بشكل مختلف فيقولها وتكون العبارة كفرا، وقد رأيت بنفسي لما كنت صغيرا مجموعة من الأطفال يقولون لطفل جزائري لكنه مغترب في فرنسا ولا يفهم العربية كلمات فيها سب لأمه وأخته ونفسه ويترجمونها له على أنها كلمات بمعنى آخر، فيقولها فينفجرون ضحكا عليه، فقد يحدث هذا في سب الله فلا يكون مردد تلك الكلمات كافرا وإنما يكفر من لقنه إياها.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن الشاهد: جواب المفتي لطالب العلم يختلف عن جوابه للمستفتي.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…

مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع: الحلقة 3

الفقه وأصوله

نقض الجزء الثاني من الدليل الأول. قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق..)) لا علاقة لهذه الآية بحجية الإجماع ولا…