لماذا يطلبون مني كتمان بعض العلم
أجد كثيرا من التعليقات تحثّني على كتمان المسائل الفقهية التي لا يعرفها أكثر للناس واشتهر بينهم خلاف الحق فيها، وأرى أن هذا الكتمان لا يجوز لي بل هو من تحريف دين الله أو السماح لدينه بالتحريف، فعندما أجد المشهور بين الناس تحريم ما لم يحرمه الله أو تصنيف الصغائر في خانة الكبائر أو إنزال الآيات التي وردت في عذاب الكفار على المسلمين، فبينما يُروج للباطل الذي لم يؤسس على أي دليل سوى أنه صار عقلية سائدة في بعض أطياف المجتمع يُطلب مني كتمان ذكرِ آيات وأحاديث وأقوال للصحابة ولأئمة الإسلام مع الإقرار بأنها حق تحت شعار ((لا تخبر العوام بذلك / ما تحلّبهمش / اكتم هذا الأمر / لو فتحت لهم هذا الباب لفعلوا وفعلوا)) فأنا أيها الإخوة الكرام لستُ مكلفا بفتح الأبواب ولا بإغلاقها إنما أبلّغ ما أعرفه من دين الله ولو شاء الله كتمانه لما سمعتُ به أيضا لأبلغه، صحيح أني لم أقل كل ما أعلمه خاصة في جانب الفقه وذلك لأن الطرح الفقهي نفسه يحتاج إلى تعريف الناس بآلاته وأصوله قبل فروعه حتى لا يكون فتنة لهم، لكن أن يصل الأمر إلى دعوتي لكتمان مسائل نقلت فيها الإجماعات واتفق عليها أئمة المذاهب ووردت فيها النصوص الواضحات ثم يقال (اكتم هذا الحق عنهم) فهذا لوالله ليس كم المصداقية ولا الأمانة في شيء وقد قال الله عز وجل ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) كما أنه من صفات علماء السلطان الذين يظهرون للحكام نصوص الترغيب والفتاوى التيسيرية وأفواههم تكاد تصل آذانهم لشدة الابتسامة المنمقة ثم إذا عادوا للشعب وعامة الناس كشّروا عن أنيابهم وبدؤوا بالصراخ والصياح والترهيب والتحريم وسد الذرائع وإغلاق الأبواب وكتمان العلم الحقيقي واستبداله بالعلم المغشوش، بل تجدهم يحللون للحكام ما حرمه الله من الظلم والبغي ويحرمون على الشعوب المباحات.
وإني لوالله ما دفعني منذ صغري لتعلم الدين وبذل الجهد في تحصيل فنونه وآلاته وعلومه إلا لأني لم أرغب بأن أكون ضحية لهذا التجهيل الممارس عمدا بدعوى [ليس كل ما يعلم يقال] أفأخون ثقة الناس بي وأفعل معهم ما رفضت أن يُفعل معي ؟ وإني مقالاتي لا أخاطب أناسا يقتاتون على فتاواي وإنما أخاطب مجموعة من النخبة المتخصصين في عدد من المجالات، وقد يلاحظ المتابع أني لو تكلمت في أي مجال علمي فإني سأجد على الأقل عشرين متخصصا من متابعي حسابي وأصدقائي يعرفونه ويستطيعون الكلام فيه ولا أحسب من صبر على متابعة حسابي كل هذا الوقت أن يكون عاميا محضا إنما قد يكون متقنا لمجال دون مجال آخر فيستفيد مما لا يعرفه ويطور نفسه فيما يعرفه ويقدم فوائدا في التعليقات قد ينفع بها غيره.
وإن من أهم أهدافي تطوير الوعي وتحرير العقول عن المنهج المتحجر الذي تفشى في الناس، وهذا ما أريد من أصدقائي ومتابعي حسابي أن يتعاونوا معي وأتعاون معهم فيه لا أن نفعل عكس ما ندعوا إليه.
كتبه #صهيب_بوزيدي
