لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم

إني أعلم أناسا يقولون بمقالاتي ويقرون بها إذا تكلمنا في مجلس مغلق؛ حتى إذا برزتُ للميدان راقبوا من بعيد نتائج المعركة والناس ينهالون عليّ بالطعن متحملا ذلك لوحدي "وثلة من الذين لا يخافون في الحق لومة لائم".

فكذلك فعل آخرون عند بروزي للمداخلة أيام عزهم عندما كان الكثير من مخالفيهم لا يجرؤون على مصارحتهم بمخالفتهم لمنهج ربيع المدخلي فضلا عن الطعن فيه وغاية ما أمكنهم قوله "ربيع غير معصوم" طبعا دون ذكر اسمه مجردا وإنما قبل أن ينطقوا كلمة "غير معصوم" يضعون جبالا من الثناء عليه لكي يسترضوا المداخلة.

لا أزال أذكر من كان يرسل لي قائلا "أخاف أن أعلق على منشوراتك فيهجرني المداخلة؛ بل كان منهم من يراني أمام المداخلة فلا يُسلّم عليّ فإذا خلا بي أراد الحديث معي ليتذمر من المداخلة دون أن يراه أحد منهم فيهجره؛ فقلت له "يا أخي لسنا نبيع المخدرات حتى تلتقيني خِلسةً فإن كنت تخاف من الحديث معي أمام المداخلة فأنت أجبن من أن تستحق صُحبتي"

وبعد فترة هان أمر المداخلة وكُسِرَت هالة الرعب التي كانوا يبثونها في أواسط السلفيين خاصّةً وحلّت بدلا منها اليوم هالة الرعب من تهمة "التجسيم".

وسيُكسَرُ سيفها قريبا إن شاء الله ويعلو الحق من جديد كما أعلاه من قبلُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله سرّه وأعلى شأنَه في الملأ الأعلى ورزقه لذة النظر إلى وجهه الذي أثبتَه للناس وعرّفهم بربهم بإعادتهم إلى طريق الهدى طريق الكتاب والسنة وقد رُميَ بالتجسيم كما رُميَ بنفس التهمة من قبله أئمة أهل السنة في زمن المعتزلة.

يحاول المعطلة المبتدعة تحييدي بوصفي "بالكرّامي" حتى إذا انفردوا بي سهُل عليهم العودة ومواصلة الحرب على السلفيين ؛ الألفاظ التي أثبتها لله هي نفس المعاني التي أثبتها الله لنفسه ونفس المعاني التي يقول بها السلفيون ولكن بعض الجهلة من الذين لم يتعلموا عقيدتهم إلا من الشوارع والقيل والقال تجدهم ينكرون علي ألفاظا يثبتون معانيها فالجهل عندهم باللفظ لا المعنى فتجده يثبت لله شيئا ولا يثبت له ما يدل على نفس معناه فيثبت لله المجيء النزول ولكنه ينفي عنه الحركة؛ ويثبت له العلو فوق العرش لكنه ينفي عنه المكان ويثبت أن الله كل يوم هو في شأن ولكنه ينفي عنه الزمان ويثبت لله اليدين والقدمين والوجه والساق لكنه ينفي عنه الحجم والأبعاد؛ لعلهم من الذين ينفون ألفاظا لا يفهمون معانيها إذ أن معانيها هندسية منطقية وهم أجانب عن هذا العِلم؛ ولذلك علِمَ المخالفون مقتضيات تلك الصفات لعلمهم بالمنطق ولم يعلمها المنتسبون للسلفية جهلا فصاروا يخالفون المعطلة في لفظ الصفات المثبتة ويوافقونني عليها ثم يخالفونني في لفظ المعاني المقصودة ويوافقون عليها المعطلة فهم يتفقون معي على إثبات اليد على معناها الظاهر "لكن ما هو معناها الظاهر الذي يثبتونه؟" هنا يتحولون لما يشبه المفوضة فينفون كل المعاني المتبادرة للذهن ويكتفون باللفظ "وهم في عقولهم يتصورون الله على المعنى الذي خالفوني عليه" هو يثبت أن الله يَرى ويُرَى لكنه لا يثبت أنه محسوس.

ورحمة بهؤلاء الجهلة سأستخرج من كلام ابن تيمية وغيره ألفاظا ومعانٍ أنكروها علي ليعلموا أنه أثبتها ولعل المعطلة أعلم منهم بتقريرات ابن تيمية إلا أن المعطلة اكتفوا بالإنكار على النتائج التي جعلوها بديهية عندهم وأرعبوا غيرهم ليتابعوهم على نفيها دون عِلم فإذا وجدوا من وصل معهم إلى تلك المعاني لمناقشتها لم يصبروا على مناقشته ولو خمسة دقائق وسقطوا من أول ضربة؛ كما كان الحال مع المداخلة.

القضية قضية فهم وعدم خوف من نصرة الحق وسينصر الله الحق ويزيده وضوحا في أذهان الناس ولو بعد حين.

وأسأل الله أن يجعلني من الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم" ولعلي لا أملك ما أرجو به أجرا عند ربي غير الدفاع عما أدين الله أنه الحق دون أن يضرني من خالفني "من أهل الباطل" أو خذلني "من أهل الحق".

ولا أقصد بالمخالفة هنا من يختلف معي في بعض المفاهيم فقد يكون لخلل في تصوره وإنما أقصد من يعادي ويتعصب لقوله الباطل ويستعمل الأساليب الرخيصة والدنيئة في نصرة باطله.

كتبه #صهيب_بوزيدي.

شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

فكر ومجتمع وتأملات

الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية. 1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على…

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…